نظمها مركز البحوث و الدراسات الإسلامية بعاصة الهضاب العليا الجزائر
(المؤرخ محمد الصغير بلعلام يدعو الباحثين للحوار و إعادة تشكيل العلاقة بين اللغة و الهوية)
(المؤرخ محمد الصغير بلعلام يدعو الباحثين للحوار و إعادة تشكيل العلاقة بين اللغة و الهوية)
هي الندوة التي احتضنتها دار الثقافة هواري بومدين بعاصمة الهضاب العليا الجزائر و لأول مرة عن شخصية فكرية أمازيغية دافعت عن العروبة و اللغة العربية و دعت إلي التعايش بين الثقافات و الهويات، حيث حملت عنوان: ""مولود قاسم نايت بلقاسم رجل الإصلاح الوطني و أيقونة الفكر التربوي"، شاركت فيها أسماء بارزة معروفة في الساحة العربية من الأكاديميين و المؤرخين و مفكرين و رجال دين نظمها مركز الشهاب للبحوث و الدراسات الإسلامية تحت إشراف مديره الدكتور علي حليتيم و هو طبيب مختص في الأمراض العقلية و كاتب و روائي، بالتعاون مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مكتب سطيف (الجزائر) تناولوا فيها شخصية جزائرية جمعت بين الثلاثي: (الأمازيغية، الإسلام و العروبة)، و هو المفكر و المثقف الجزائري مولود قاسم نايت بلقاسم وزير التعليم الأصلي و الأوقاف سابقا، و قد جاءت هذه الندوة كما يصح تسميتها وليس (يوم دراسي من باب تحديد المفاهيم و المصطلحات) في إطارٍ ربما نقول أنها أعادت فيه ملتقيات الفكر الإسلامي إلى الساحة الفكرية، لتبين أن الفكر الإسلامي جمع بين الفكر الأمازيغي و الفكر العربي و وضعهما في قالب واحد ، طالما الإسلام وحّد بين كل الشعوب التي أمنت بالرسالة المحمدية و اعتنقت الإسلام، خاصة و أن المتدخلين تجنبوا الحديث عن القضية الأمازيغية ، فالندوة جاءت بعد الجدل الإعلامي الذي لا يزال قائما حول تصريحات نارية حول الهوية الأمازيغية أطلقها أكاديمي جزائري تم استدراجه على أساس أن الأمازيغية مشروع صهيوني، لكن الندوة كانت عبارة عن شهادات حول مسيرة مولود قاسم نايت بلقاسم وهو أمازيغيٌّ الأصل، ينحدر من منطقة القبائل، قدّمها رفقاءه لتسليط الضوء على مسيرته الفكرية النهضوية، و استدعاء لضمير فكري و تربوي ثقافي، الأمّة بحاجة له، أمام تحديات الداخل و الخارج، لاسيما و مولود قاس نايت بلقاسم كان رجلا حاملا مشروعا نهضويا كبيرا مثله مثل مفكرين أخرين كمالك بن نبي الذي غاص في بحور عميقة و هو يعالج المشكلة النهضوية و لحضارية في كل أبعادها.
مولود قاسم نايت بلقاسم بعيون رفقائه
هو مولود قاسم نايت بلقاسم الرجل الذي قاد عدة معارك فكرية مع النسيان و الذيلية و معركة التنازل باسم الواقعية، مثلما قال صديقه و رفيقه المؤرخ الدكتور محمد الصغير بلعلام و هو ينحدر من مدينة الشيخ الفضيل الورتلاني، و يعدُّ من أقرب الشخصيات الفكرية لمولود قاسم نايت بلقاسم ، حيث رافق مسيرته كعضو بارز في مؤسسته، حيث عاد بذاكرته إلى العلاقة التي ربطته بمولود قاسم نايت بلقاسم ، حيث أشاد بفكره الوطني و اللغوي و دافع عن مشروعه التربوي و الثقافي، و قال محمد الصغير بلعلام أن هذا الملتقي هو دعوة للحوار و الإجابة على أسئلة لا تزال مفتوحة و مُعَلَّقَة، و الإجابة عنها من شانها أن تعيد تشكيل العلاقة بين اللغة و الهُوِّيّة دون السُّقوط في فخّ الازدواجية، حوار فيه تتعاظم الرِّهانات و يدعو إلى الوحدة و رصّ الصّفوف، هي عبارات تصبّ في قلب الإشكالية التي طرحها الملتقي (الندوة) للوقوف على "الزمن" الذي كانت فيه الجزائر تصارع لوسم كينونتها بين ثلاثية وجوديّة: ( الأمازيغيّة كجذر أنطولوجي، و العربية كوعاء ثقافي و الإسلام كقيم حاكمة)، و كان مولود قاسم نايت بلقاسم في ذلك الزمن، سيد زمانه ( في الجزائر) كمفكرٍ و مُنَظِّرٍ و داعية، و مسؤولٍ سامٍ قاد قطاع حساس جدا و هو الأوقاف، و كما جاء في ديباجة الملتقي فمولود قاسم نايت بلقاسم ليس شخصية تاريخية فحسب ، بل نموذج لثراء و تفرّد الهوية الجزائرية في أبعادها المتشابكة، هكذا يزهد الشباب في قراءة مولود قاسم نايت بلقاسم و فكره و أعماله و ما تحمله من أدبيات، هي المداخلة التي قدمها الداعية الدكتور عبد الحليم قابة الرئيس الحالي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، درّس الشريعة الإسلامية بجامعة أمّ القري و هو يعدّ من أبرز الشخصيات الدعوية في الجزائر، منبّها المثقفين و الجيل الحالي بإعادة قراءة التراث و قيمة هؤلاء الرجال و إحياء ذكراهم من أجل أخذ العبرة و الاقتداء بهم، لأن هناك من يدعو إلى الاقتداء بمن لا يُقْتَدى بهم، و قد أشاد المحاضر بمواقف الرجل في الدفاع عن هوية الأمة الجزائرية و في تعريب المناهج التربوية و إبراز الدور الحضاري للجزائر، فالتراث الجزائري على حد قوله لا يزال مدفونا و حان الوقت لإعادة إحيائه.
العربية و الأمازيغية لا تناقض فيهما
لقد مارس مولود قاسم نايت بلقاسم سلطاته كوزير بعقل المربي و ضمير المجاهد، و من النادر اليوم أن نجد رجلا بهذا الفكر و المسؤولية، هذا ما قاله عميد جامع الجزائر الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسني، مستشار سابق بوزارة الشؤون الدينية و الأوقاف، و هو يتحدث عن علاقته بمولود قاسم نايت بلقاسم ، و كيف بدأت علاقته به حين تعرّف عليه في الملتقي الخامس للفكر الإسلامي و نشاطهما المسجدي، يقول الشيخ القاسمي أن مولود قاسم نايت بلقاسم كان يقرأ الجزائر كقضية حضارية برؤية لا يراها رجال السياسة اليوم، و أن الأمّة لا تُبْنَي بالحدود بل بالعقيدة و باللغة و بالانتماء، فقد كان مولود قاسم نايت بلقاسم يضيف يتطلع إلي جيل يحمل فكرا سليما سويا في محاولة منه تحرير الدين من كل القوالب و الفصل بوعي بين الثوابت و المتغيرات و التعامل معها بمرونة من خلال اهتمامه بالأصالة فكرا و ممارسة، و التصدي لمشاريع التنصير، و يُفْهَمُ من هذا أن الشيخ القاسمي أراد أن يطرح قضية للنقاش عندما قال و من باب التلميح أن العروبة و الأمازيغية لا تناقض فيهما لأنها علاقة تكامل، أما الدكتور عبد الرزاق قسوم الرئيس السابق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقد ذكّر بالخصائص التي يتميز بها مولود قاسم نايت بلقاسم ، حيث وصفه بالشجرة العلمية المتجذرة الأصول في الأعماق، لكن أغصانها تتعالي ، لأنها تنطلق من "الإنّيّة" و "الأصالة" باعتبارهما إبداع فكري و إيديولوجي ، و هذا من باب الوفاء للسلف الصالح بمعناه الرّوحي لا الإيديولوجي و التنقيب في الماضي من أجل التعايش مع الأخر والقيم الإنسانة دون تعصب أو تمييز، هذا هو مولود قاسم نايت بلقاسم الرجل و المشروع كما وصفه الدكتور سعيد معول و هو أستاذ جامعي و باحث في الفكر الإسلامي و التاريخ الوطني و إطار سابق في وزارة الشؤون الدينية و الأوقاف، يقول أن مولود نايت بلقاسم خرج من المدرسة الوطنية و لم يخرج من العدم ، كما لم يكن منغلقا على نفسه بل كان من الشرفاء الذين يعرفون كيف يمدون الجسور .
متدخلون أخرون ناقشوا إشكالية تتعلق بهاجس "النهضة" عند مولود قاسم نايت بلقاسم ، و هو ما أشار إليه الدكتور محمود عويمر مختص في التاريخ المعاصر و عضو في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مكلف بالتراث والبحث العلمي، أراد من خلال مداخلته أن يبين أن كل مفكر لابد عليه أن يستوعب اللحظة (من منظور فلسفي) و ينخرط فيها و كان مولود قاسم نايت بلقاسم من بين المفكرين الذين استوعبوا اللحظة ( التأمل و التدبر) و انخرطوا فيها إلى جانب مالك بن نبي و مصطفي الأشرف و فرانز فانون، يسترجع هذا الباحث الحوار الذي دار بين هواري بومدين و مولود قاسم نايت بلقاسم حول مسألة أثير النقاش فيها في إحدي ملتقيات الفكر الإسلامي و هي تتعلق أساسا بكيف يتحول المجتمع إلى دولة؟ ، و قد طالب بومدين من ايت بلقاسم بالنزول إلى الميدان لتكوين الرأي العام و التأثير فيه، فما كان على مولود قاسم نايت بلقاسم إلا أن يختار النموذج الألماني في بداية السبعينيات بدلا من النموذج الأمريكي و الإيطالي و الفرنسي و ذلك من منظور أن المنتصر هو الذي يفرض ثقافته داخل دولة، و هذا بحكم التجربة التي اكتسبها ايت بلقاسم لما كان في المانيا.
دعوة إلى إحياء ملتقيات الفكر الإسلامي
كانت هذه شهادات حيّة عن مفكر أمازيغيٍّ عانق الحرف العربيّ دفاعا عن عروبة الإسلام ، و هي محطة أعادت الحديث عن ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر، و ربما هي دعوة إلى إحيائها، إلا أن المتدخلون أشاروا إلى بعض المسائل المختلف فيها بأن مشروع عقد ملتقيات الفكر الإسلامي لم يكن فكرة مولود قاسم نايت بلقاسم كما يظن البعض بل كانت لرشيد ين عيسي و هو أمازيغيٌّ مختص في عالم اللسانيات ، و هذا من باب إنصاف الرجال، و لكن مولود قاسم نايت بلقاسم أشرف على تنفيذه و إخراجه إلى النور، و قد عاني أيت بلقاسم كثيرا من اصطداماته مع أساقفة الجزائر، بعد أن أعلن أنه لا وجود لحوار الأديان، و موقفه كذلك من قضية اختلف الكثير حولها و هي قضية الرؤية الحكمية و الرؤية الفعلية لما كان وزيرا للتعليم الأصلي و الأوقاف، و كانت ملتقيات الفكر الإسلامي تتم بحضور رجال دين وعلماء و مفكرين و منهم مصطفي الأشرف و المفكر مالك بن نبي الذي كان حضوره دعما أدبيا و معنويا لهذه الملتقيات التي كان الرئيس هواري بومدين يتابعها باهتمام شديد، و يتابع مداخلات مالك بن نبي و الأشرف ، لكن بعد وفاة بومدين تم تجميد هذه الملقيات لا لشيئ إلا لأن ملتقي الفكر الإسلامي كان في كل طبعة يفتح ملف التاريخ، للرد على الغرب و التيار التغريبي في الجزائر بأنه لا وجود لأمّة اسمها الجزائر و هي العبارة التي رددها الإعلامي المصري محمد حسنين هيكل.
أسئلة معلقة لم يجب عليها رفقاء مولود قاسم نايت بلقاسم
ما يمكن أن يقال عن هذا الملتقي الفكري ، الذي سلط الضوء هو أن رفقاء هذا الرجل أهملوا قضية حساسة جدا و هي القضية الأمازيغية ، و التي لا تزال تثير جدلا على كل المستويات السياسية و العلمية ( البحث العلمي) و التاريخية، حيث لا تزال الدراسات تبحث عن سرّ ارتباط البربر بالعرب ، ليس في الجزائر فقط بل في المغرب العربي، فقد استطاع الأمازيغ أن يقاوموا كل الموجات التي تسعي إلى إسقاطهم و وأد ثقافتهم و طمس هويتهم منذ العهد الروماني إلي اليوم و ردوا على كل من يستهين بالشأن الأمازيغي و قالوا أن الأمازيغ كشعب تم تكوينه بصورة اعتباطية و كأن لا مبرر تاريخي و جغرافي أو ثقافي لوجود و كأن الأمازيغ بلا انتماء حضاري و ثقافي، خاصة و أن الندوة جاءت في وقت لا يزال الجدل حول القضبة الأمازيغية قائما علي مستوي وسائل الإعلام و مواقع التواصل الإجتماعي، بعد تصريحات خرج بها أكاديمي جزائري بأن الأمازيغية مشروع صهيوني، هي أسئلة طرحها منظمو هذا الملتقي في ديباجته تظل مُعَلّقَة و تبحث لها عن جواب يثلج الصدور كما يقال، لكن المحاضرون لم يجيبوا عنها، لاسيما و هذه الأسئلة قد تجد الأجيال الجديدة نفسها أمام سردية متفردة تشكلت في التاريخ و انبثقت بعد نوفمبر كثالوث حضاري ملهم للأمة الجزائرية : (الأمازيغية كجسد للأرض و العربية كلغة للتوحيد و الإسلام كإطار للقيم الحاكمة الموحدة للأمة، كما أن افتتاح الندوة عرف تأخرا كبيرا بساعتين ، مما أجبر الهيئة المنظمة عدم فتح نقاشات حول كل ما تم طرحه .
تغطية علجية عيش