المستشار بهاء المري - عندما تتعرى القيم

في زمنٍ تتداخل فيه الحميمية مع الشاشة، وتُختزل فيه الثقة في ‏‏"ضغطة زر"، ‏تخرج إلينا جرائم لا تحمل فقط عنوانًا جنائيًا، بل تُكتب ‏فصولها على جسد الضمير ‏الجمعي، وتدق ناقوس خطرٍ عما آلت إليه منظومة ‏القيم في مجتمعاتنا، وسط صمت مُربك.
لقد صرنا نعيش في مجتمعات رقمية مفتوحة، نمارس فيها حياتنا ‏اليومية كما لو كنا في ساحة عامة، نشارك صورنا وأفكارنا ومشاعرنا أحيانًا ‏دون وعي كامل لما قد يترتب على ذلك. ورغم أن هذه المساحات الرقمية ‏تَعِدنا بالتواصل والانفتاح، إلا أنها – في كثير من الأحيان – تكشف عن ‏هشاشة بنيتنا القيمية، وضعف الروابط الأسرية، وغياب الضوابط الذاتية.
"هيَ" امرأة وثقت في قريبٍ لها، فأخذ منها صورًا ‏خاصة، ثم لوّح ‏بها كورقة ضغط حين أرادت العودة إلى حياتها المستقرة. الجريمة لم تبدأ لحظة ‏النشر، بل بدأت عند ظن ‏الجاني أن امتلاكه "نسخة رقمية" من جسدها ‏يمنحه حق السيطرة.
هنا يكمن الخلل الحقيقي: حين يعتقد بعضهم أن التقنية تمنحهم ‏سلطة على الآخر، وأن الخصوصية سلعة يمكن المساومة عليها. هذا الفكر لا ‏ينبع فقط من فراغ قانوني، بل من فراغ تربوي، وسطحية ثقافية، وانعدام الوعي بالكرامة ‏الإنسانية. لقد أصبحنا نعيش ما يشبه الفوضى الأخلاقية في المساحات ‏الافتراضية، حيث ينعدم فيها الرقيب الداخلي.
تتجلى الكارثة هنا في أننا لا نواجه فقط جريمة معلوماتية يُعاقب ‏عليها القانون، بل نواجه انهيارًا في الوازع الأخلاقي، وتراجعًا خطيرًا في ‏مرجعيات ‏الستر والحياء والحرمة.
أين ذهب قوله تعالى: "ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا" ‏لحجرات: 12؟ ‏وأين وقعنا من حديث النبي ﷺ:‏ "من ستر مسلمًا ستره الله ‏في الدنيا والآخرة"؟ أليست هذه النصوص درعًا وقائيًا لحماية الأعراض ‏والخصوصيات، أم أنها مجرد أقوال تُردَّد ولا تُطبّق؟
ليست الجريمة في التقنية، بل في الإنسان الذي يستخدمها. فالهاتف ‏المحمول لم يعد ‏مجرد أداة تواصل، بل صار سلاحًا معنويًا بيد من لا رادع ‏لديه. وهنا، لا يكفي ‏القانون وحده، بل لا بد من منظومة تربوية، وإعلامية، وثقافية، وقيمية تزرع الوعي منذ ‏الصغر، وتبني حاجزًا أمام الانحدار الأخلاقي.
نحن بحاجة إلى مناهج تعليمية تُعلِّم الطفل منذ نعومة أظفاره ‏معنى احترام الآخر، والفرق بين الخصوصي والعام، والحرام والحلال في ‏النشر والمشاركة. الإعلام بدوره يجب ألا يتحول إلى "مسرح تشهير"، بل إلى ‏منصة توعية ترسخ القيم وتحمي الضعفاء وتُشجّع على التبليغ لا الصمت.
المؤسف أننا في كثير من هذه القضايا، نحاكم الضحية لا المجرم. ‏لماذا تتحمل ‏المرأة دومًا عبء الفضيلة، بينما يُمنح الجاني غطاء "الضعف ‏البشري" أو ‏"الزلة"؟
بل الأدهى من ذلك، أن بعض الأصوات لا تزال تلقي اللوم على ‏الفتاة: "لماذا أرسلت الصور؟" بدلاً من أن تسأل: "لماذا خان الثقة وهدد ‏بالفضيحة؟" هذا التحيز المجتمعي الجائر لا يصنع إلا المزيد من الضحايا ‏الصامتين.
إن هذه الجرائم تكشف هشاشة النسيج الاجتماعي، وتفضح غياب ‏الأمن القيمي داخل ‏الأسرة والمجتمع. وإذا لم تُواجَه بمنهجية شاملة ‏تتضمن التجريم القانوني، والدعم ‏النفسي، والتأصيل الأخلاقي والديني، ‏فسنواجه انفجارًا قيميًا يهدد كل بنية الاستقرار ‏المجتمعي.
ما نحتاجه ليس فقط تعديل نصوص القوانين، بل ترميم أخلاق ‏المجتمع. على الأسرة ‏أن تُعيد بناء جدران الأمان القيمي، وعلى المؤسسات ‏أن تتبنى خطابًا دينيًا عصريًا ‏يُخاطب الضمير لا الشعارات، وعلى الإعلام أن ‏يتوقف عن تبرير الجريمة أو ‏تزيينها.
السؤال المُعلَّق في فضاء الضمير: هل صرنا نعيش زمنًا تتعرى فيه القيم... قبل أن تتعرى الأجساد؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...