عبدالرحيم التدلاوي - المعجم الموحَّد في شعراء المغرب بين 1960 و1990: جدليّة اللفظ والهوية

مدخل ذاتي

وأنا أطالع ديوان علال الحجام الموسوم بـ«وكنات لهديل الغياب»، استوقفني تكرارُ مفردتَي "الغنباز" و**"الجلنار"** بين طيّات النصوص، الجلنار في ص 35 و49 ، والغنباز في ص 7،كمثال. فضلا عن الريح والرياح والكأس، والشوك، وغيرها. هذا الحضور اللافت أعاد إلى ذاكرتي شعراء آخرين من الحقبة نفسها، ممن انشغلوا بإعادة تشكيل اللغة الشعرية المحلية. وسرعان ما بدت هذه المفردات—مع "الهجهوج" وغيرها—كأنها جزء من معجم موحَّد يجمع بين شعراء المغرب في تلك المرحلة، رغم اختلاف أصواتهم وتجاربهم. من هذا المنطلق، جاءت فكرة هذه الورقة التي تسعى إلى تأمّل هذا القاسم اللغوي المشترك، واستجلاء أبعاده الرمزية والدلالية.

ملاحظة توضيحية: الأمثلة الشعرية المدرجة في هذا المقال هي نماذج تمثيلية صيغت بأسلوبٍ يحاكي توجهات شعراء المرحلة، وليست مقتبسة حرفيًا من دواوينهم. وُضعت لأغراض تحليلية وتوضيحية لا غير.

المعجم الشعري المشترك: المفردات والدلالات

تميّز المعجم الذي اشترك فيه العديد من شعراء المغرب في تلك المرحلة بمفردات تنبع من الثقافة المحلية وتحمل أبعادًا دلالية مركّبة. من أبرز هذه المفردات:

الغنباز: تُستخدم هذه الكلمة للدلالة على الفرح المؤقت والابتهاج الذي لا يخلو من هشاشة. وهي تحيل إلى لحظة انفراج داخلي وسط اختناق اجتماعي أو وجودي.

الهجهوج: تحمل معنى الضجيج والفوضى والتصادم، وتُستثمر غالبًا لتصوير حالة الانفلات أو الاضطراب سواء على المستوى الاجتماعي أو النفسي.

الجلنار: وهي زهرة النار، ترمز في السياق الشعري المغربي إلى الجمال المتألم، أو إلى لحظة إشراق نادرة في عتمة الوجود.

نماذج تحليلية توضيحية

نورد فيما يلي مقاطع تمثيلية، ليست مقتبسة من نصوص شعرية فعلية، بل وُضعت على نحو يحاكي الروح الشعرية لكل شاعر، لتوضيح حضور هذا المعجم الموحد في التجربة النصيّة:

1. أحمد المجاطي

«منحتني الغرباء جلنار أحلامي،
وكلّما ناديتُ، تردّ الهجهوج في أعماق القلب.»

التحليل: الجلنار رمز للحلم المؤجَّل، أما الهجهوج فهو الضجيج الباطني الذي يعطّل صفاء الذات.

2. عبد الله راجع

«وسط الهجهوج الذي يمزق الشوارع،
أجد نفسي غريبًا في وطني، أعزف على أوتار الذكريات.»

التحليل: تصوير الفوضى كجزء من اليومي المغربي، والاغتراب كحالة وجودية.

3. علال الحجام

«في زوايا القلب، تتراقص الغنبازات،
رغم الهموم الثقيلة، ينبت الأمل كزهور الربيع.»

التحليل: الغنباز هنا يتجاوز البهجة، ليصبح طاقة مقاومة تُقاوم ثقل الحياة.

4. الطوبي

«كلّما شَمَمْتُ نسيم الجلنار،
عادت تساؤلاتي تحمل همس المخيال.»

التحليل: الجلنار هنا يتخذ بُعدًا شبه صوفي، ويشكّل صلة وصل مع البعد الرمزي للحياة.

5. عبد الله الكتوني

«أينما أذهب، أرى الغنباز في عيون الطفولة،
الأمل يتلألأ كنجوم، وأتابع دربي رغم السواد المخيم.»

التحليل: الغنباز يرتبط هنا بالبراءة والتفاؤل الطفولي، في وجه عتمة الواقع.

الأبعاد الرمزية والثقافية للمعجم

ما يميّز هذا المعجم الشعري المشترك أنه لا يكتفي بالتعبير عن العاطفة أو الانفعال، بل يستبطن بنية فكرية وجمالية تنبع من الواقع المغربي:

إن الغنباز يعكس بُعدًا نفسيًا هشًّا، لكنه يحمل عنادًا داخليًا في وجه القهر.

أما الهجهوج، فيعكس تمزّقًا ناتجًا عن اختناق جماعي أو فردي، ويتقاطع مع حالات الغضب والثورة الصامتة.

بينما الجلنار يبقى دالّة على الأمل المقرون بالحس الجمالي، حيث يتشابك الجمال بالنار، والصفاء بالألم.

خاتمة

لقد شكّل المعجم الموحد لدى شعراء المغرب في الستينيات حتى التسعينيات أداةً بلاغية تُستثمر شعريًا، وفي الوقت نفسه مرآةً تعكس القلق الجمعي، وتحوّلات الذات، وجراح الهوية. كان الشعر وسيلتهم لا فقط لتزيين الواقع، بل لخلخلته، وطرح أسئلته، ورسم أفقٍ جمالي وسط الفوضى والغياب والانكسار.

المراجع الأساسية

المجاطي، أحمد. الفروسية..

راجع، عبد الله. سلامًا أيّها الوطن. وزارة الثقافة، الرباط، 1988.

الحجام، علال. وكنات لهديل الغياب. سليكي اخوين، طنجة، 2023.

بنيس، محمد. ما قبل الكلام. دار توبقال، الدار البيضاء، 1986.

أ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...