علجية عيش - بين النقد والمجاملة

الحقيقة ضالة المثقف

بعض الناس لا يحبون من ينتقدهم، وإن انتقدتهم أحدٌ في فكرة ما، ينقلبون عليك بمجرد أن تخالفهم الرأي، فتصبح أنت العدوّ اللدود في نظرهم وأنت الخائن وأنك عديم الكفاءة وعديم الفائدة و..و..و ...الخ، هؤلاء اعتادوا على من يجاملهم ومن يضعهم في مرتبة العظماء وكأنهم صناع الحياة ولهم الفضل في بقائك حيا، ليس كل ما يكتبه الإنسان أو يقوله قرآن مُنَزَّهٌ، فالإنسان بشر ومُعَرَّضٌ للأخطاء وقد يتعرض للنقد، شريطة أن يكون النقد بَنَّاءً، لأن لكل واحدٍ رؤيته للأشياء والقضايا التي تُطْرح، والزاوية التي يعالج بها هذه القضايا في زمن التنوير، حتى الكتب المقدسة تعرضت للنقد، أن ينتقدك الآخر لا يعني أنه ضدك أو يريد إحباط معنوياتك، الفرق بين النقد والمجاملة هو أن هذه الأخيرة وسيلة للوصول إلى هدف ما وتحقيق غرض ما منكَ، قد نمارس هذا الأسلوب من باب تشجيع الآخر على العمل و النجاح، لكن أن تتحول المجاملة الى عادة لكسب رضى شخص ما، حتى لو كان مخطئا لا لشيئ إلا لأن له نفوذ و لأننا نريد من ورائها الوصول إلى غايتنا، فهذا سلوك غير واع ولا يـأتي من إنسان عاقل.

هناك من يهرب من الحقيقة أو يحاول إخفاءها بل وأدها لكي لا تنكشف للناس، ومجرم من يكتم الحقيقة، فهناك أحداث وقعت في زمن معين لم تكشف بعد ، لكي يبقي الناس علي جهلهم وعماهم، وهنا يكمن دور المثقف في عملية التنوير و التبصير، ، فالمثقفُ يجامل، والمفكرُ لا يجامل، والناقدُ لا يجامل، والإعلاميُّ لا يجامل، والثّوريُّ لا يجامل، والمناضلُ النزيه لا يجامل، لكن رجل السياسة يجاملُ والكاتب الحُرُّ وجب عليه أن يتحرر من صفات المجاملة، لأن المجاملة المبالغة فيها تتحول إلى نفاق وكذب على الناس، بل تؤدي بالمُجَامِلِ (المَدَّاح) إلى أن يكذب على نفسه و يصدق الكذبة فيحولها إلى حقيقة، و يبدي على الشخص الذي يجامله على أنه شخص صالح، والمجاملة المبالغ فيها أي المُفْرَطَة تقود الإنسان إلى العبودية و تجعله فاقد الإرادة والعزيمة وقد تُجَرِّدُهُ من كبريائه، وتضع الشخص الذي يجامله في مرتبة الإله، أو ملكٌ على رأسه تاج العظمة، وكأنه الوحيد الذي خلّص البشرية وأنقذ بعبقريته الأمّة من الهلاك.

والنقد إن كان غير مبني على فكرة سليمة ، نبيلة، هادفة، لتوضيح الرؤية للكاتب و القارئ معا ، فهو باطل و صاحبه مفقود الثقة، لأن غايته نشويه ما كتبه الأخر أمام القراء و الرأي العام لحقد دفين في قلبه ليس إلا، أو أن شيطان وسوس في قلبه و عقله فجعله أعمى ، لا يرى أمام عينيه ، حتى لا نقول أنه شيطان في ثوب إنسان ، مهنته التخريب و الهدم و الغدر، و قتل عزيمة الناس و إرادتهم ، لأنه ربما فشل في حياته و لم يحقق شيئا ما، يسعد به الأخرين ، فكان من أعداء النجاح، فما وقع في الجزائر و في البلاد العربية من فساد سببه الإفراط في المجاملة ( الرئيس فلان، الوزير فلان، الأديب فلان فعل كذا و كذا..) و تحول هؤلاء إلى "عمالقة" و كأن ما قاموا به معجزة من المعجزات الإلهية التي مدها الله لأنبيائه و رسله، و قد ينادونهم بـ: "السّي" فلان ، في الوقت الذي نرى أناسا آخرين ضحوا من أجل أوطانهم و قدموا أعمالا جليلة، آثارها ما تزال حيّة، و لكنهم "منسيون" ، لا يذكر اسمهم و لا أعمالهم.

تعود بي الذاكرة إلى كتاب "هل كانوا عمالقة؟" للمفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري" أصدره عام 1980 ، و قد تحرر الكاتب من صفات المجاملة التي تَضُرُّ و لا تنفع، فقد طرح الدكتور جابر الأنصاري رؤاه النقدية بصراحة تامة مسّت كبار الأدباء و المشاهير و كذلك الزعماء السياسيين في الوطن العربي، و حرص على إثارة قضايا فكرية من أجل تسخين مناخ العقل الجماعي الرّاكد و بثّ الحركة في خلاياه، و طرح في كتابه أسئلة هامة و جريئة، ليس من أجل التهجم عليهم كما يتبادر إلى الذهن أو التنكر لعطاياهم ، و إنما لمعرفة الحقيقة التي هي ضالة الإنسان المثقف، لقد ذكر الأنصاري ثلاثة أسئلة ذكر فيها ثلاثة أسماء مشهورة.

- قال في السؤال الأول: قيل لنا أن جمال الدين الأفغاني هو حكيم الشرق و باعث نهضته و فيلسوفها، و لكن اين فلسفة جمال الدين الأفغاني؟ اين حلوله الناجعة التي قدمها؟ لماذا لم تقم النهضة العربية على اساس وطيد طالما بدأت بأفكار فيلسوف مثله؟ من يدلي على مؤلفاته الفلسفية غير رسالة "الرد على الدهريين " التي لا تحوي من الفلسفة شيئا.

- و قال في السؤال الثاني: قيل لنا أن أحمد شوقي أمير الشعراء و أمير البيان و مجدد شعرنا العربي، و لم يتقبل الجميع ما قاله العقاد و ميخائيل نُعَيْمَة في شعره، و قال في حديثه عن الشوقيات أن معظمها يشبه افتتاح الجرائد اليومية في أيامنا هذه سلسلة طويلة من المرثيات.. معظمها في أشخاص من أصدقائه و معرفه سبب نسيهم التاريخ، و سلسلة أخرى من المدائح و سلسلة ثالثة من المفاخر، فما مصير أبنائنا إذا قلنا لهم هذا أمير شعركم الحديث؟

- و قال في السؤال الثالث: هل أن جبران خليل جبران هو بتلك العبقرية و العظمة التي تحاول أن تقيم له الدراسات و الأبحاث اللبنانية المتراكمة منذ مطلع القرن العشرين؟ أهو قصاص بارع؟ أهو أديب مشرق البيان حقا؟ أهو شاعر في غير قصيدة واحدة طويلة اسمها المواكب؟ أهو مفكر فيلسوف، أليس هو في التحليل النهائي كاتبُ مقالة ذاتية تمزج بين البكاء و الوعظ.؟

نعم هو محق، المجاملة تضر و لا تنفع و لكن يمكن القول أيضا أن النقد المفرط أو بالأحرى النقد اللاذع يضر و لا ينفع، لأنه نقد سلبي لا يخدم الفكرة ولا يخدم الحقيقة و يقضي على كل الأعمال و الإنجازات، و قد يُوَلِّدُ الكراهية و العدائية و حُبُّ الانتقام بين الكتاب و المثقفين، قد يؤدي إلى التدخل في الحريات الفردية و المساس بالحياة الشخصية للإنسان، بل قد يشعل حربا ليس لها نهاية، فكل ما يكتب كما يقول البعض يدخل في إطار أدب التقليد، و هو من أشد أنواع الأمراض الفكرية شيوعا و انتشارا، فهل نحتاج إذن إلى "الوسطية" في كتاباتنا و طرح أفكارنا و نقدنا للأخر؟ و كما يقال : "إرضاء الناس غاية لا تدرك" و الحقيقة تكاد المجاملة أن تتحول إلى كفر. ( مجرد وجهة نظر)

علجية عيش
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...