الدين هو مجموعة من المعتقدات les croyances والطقوس les rites والقواعد les règles والرموز les symboles تكونَ بمثابة مُنظِّمٍ لعلاقة هذا الكائن بما هو إلهي divin أو بما يعتبره بعض الناس مفدَّساً sacré.
والمعتقد la croyance هو الإيمان بوجود شيء من الأشياء، أو بعبارة أخرى، إعطاء قيمة لشيء من الأشياء دون التوفُّر على دليل ملموس يُثبِت وجودَ هذا الشيء، أو دون التَّوفُّر على مبرِّرٍ منطقي أو عقلاني يُثبتُ هذا الوجودَ.
أما الطقوس، فهي مجموع المُمارسات les pratiques التي، بواسطتها، تُنقل المعتقدات أو ما يُعتبر دينا، من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي. وتطبيق المعتقدات أو الدين على أرض الواقع، يمكن أن يكون فردياً أو جماعياً. وسواءً تعلَّق الأمر بطقوس فردية أو جماعية، فإن ما يميِّزها عن غيرها من الطقوس، هو تكرراها وإعطاءُها معنى خاصا، قد لا يدركه إلا المُمارِسون.
أما القواعد، فهي مجموع الواجبات les obligations التي يجب أن يتَّبعها المتدينُ أو أن يقوم بها ليتمكَّن، من خلال ممارسة الطقوس، أن يتقرَّبَ من ما يعتبره المُمارِسُ إلهياً أو مقدَّساً.
أما الرموز المرتبطة بالدين، فهي مجموع التَّمثلاًت les représentations المرئية visuelles أو الحركية gestuelles أو اللَّفظية، التي من خلالها، يعبِّر المتديِّنُ عن أفكار أو عن مفاهيم يعتبرها هذا المتديِّن ثابتة.
وما لا يجب إغفالُه، هو أن المعتقدات والطقوسُ والقواعد والرموز، كلُّها أشياءٌ مرتبطةٌ فيما بينها. بمعنى أنه لا يمكن تحويل دينٍ من الأديان من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي بدون طقوس. والطقوس لا يمكن أن تُتركَ عشوائية. فلا بد من تنظيمها حسب قواعد معيَّنة لتتم مُمارستُها، دائما، بنفس الطَّريقة. أما الرموز، فهي كما سبق الذكرُ، تمثُّلات خاصة بكل دينٍ على حِدة. بمعنى أن الرموز هي التي تعطي لكل دينٍ طابَعَه الخاص. مثلا، رمز المسيحية هو الصليب la croix، الدال على صَلبِ crucifixion، عيسى بن مريم، ورمز اليهودية هي نجمة داود السداسية الرؤوس، ورمز الإسلام هو الهلال وبجانبِه النجمة الخماسية الرؤوس…
وكل من اختار ديناً من الأديان، عليه أن يؤمنَ بمعتقداتِه وطقوسِه وقواعدِه ورموزِه. والإيمان بهذه الأشياء الأربعة (المعتقداتِ والطقوسِ والقواعدِ والرموزِ) يجب أن يكون صادرا عن جوارِح الإنسان المتديِّن، وعلى رأسها القلب. بمعنى أن الإيمانَ يجب أن يكونَ صادراً عن الذات البشرية كلها. أو كما نقول في اللغة المتداولة، أن يكون الإيمان صادراً عن الذات البشرية "قلباً وقالباً"، أي أن يكونَ الإيمان إيماناً قويا. والإيمان القوي لا يحتاج إلى دلائل لإثبات وجود الأشياء. بل يحتاج فقط لتوفُّرِ الثقة بهذه الأشياء والالتزام بها، ولو كانت غير محسوسة imperceptibles.
وقبل الرجوع إلى عنوان هذه المقالة الذي هو: "الدينُ ليسَ لُعبةً تتلاعبُ بها السياسةُ"، أثيرُ الانتباهَ أن الأديان فيها ما هو سماوي céleste، أى منزَّلة من عند الله وبعث، من أجل نشرها بين ألناس أنبياءَ ورسلاً. وفيها ما هو وَضعِي créé par l'homme، كما هو الشأن مثلا، للهندوسية hindouisme والبوذية bouddhisme… ولهذا، فالدين، سماوياً كان أم وضعِياً، فهو نوعٌ من الروحانيات la spiritualité يُمارِسها الإنسان للتَّقرب من اللهِ، سبحانه وتعالى، أو للتَّقرُّب من ما يُعتَبَر مقدَّساً. والروحانيات، عندما تختلط بالدين، سماوياً كان أم وضعياً، أي عندما تختلط بالعبادات، هي ذلك البُعد الذي ينبعِثُ من داخل الذات البشرية باحثاً عن الحقيقة، لكن الحقيقية التي يستطيع العقلُ البشري إدراكَها.
غير أن الدين، سماويا كان أم وضعِياً، لا يقتصر، فقط، على العبادات للتَّقرُّب من الله. بل الدين، سماوياً كان أم وضعِياً، مليءٌ بالقيم الإنسانية السامية التي لا يمكن فصلُها عن العبادات. لماذا؟ لأن الإنسانَ، من طبعِه، كائنُ اجتماعي، أي كائنُ يعيش ويتحرَّك داخلَ المجتمعات. والعيش داخل المجتمعات، إن لم يكن منظِّما، فهو فوضى. ولهذا، نقول، سواءُ كان الدين سماوياً أو وضعياً، "الدين عبادات ومعاملات". العبادات للتَّقرُّب من الله، والمعاملات لتنظيم الحياة الاجتماعية بجميع مظاهِرها.
ولهذا، فالإنسان المُتديِّن المؤمن بالدين، سماويا كان أم وصعِياً، يتميَّز، أساساً، ببُعدين متكاملين ألاَ وهما البُعد الروحي spirituel/religieux والبعد الاجتماعي. وفيما يلي، سأبدأ الإجابةَ عن عنوان هذه المقالة الذي هو : "الدينُ ليسَ لُعبةً تتلاعبُ بها السياسةُ". وسأركِّز مقالتي على الدين الإسلامي، كمثلٍ لدينٍ سماويٍّ أنزله، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص).
وقبل هذه الإجابة، سأحاول، أولا، الإجابةَ عن السؤال التالي : "لماذا البعدان، الروحي والاجتماعي، متكاملان؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، لما خلق آدم ونفخ فيه جزأً من روحه، أراده أن يكون عاقلا، وبفضل العقل، أن يكونَ واعياً بوجوده وبوجود الأشياء المحيطة به. والغاية من هذا النفخ، هو أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، أراد أن يُسعِد الناسَ في الدنيا قبل الآخرة. ومن أجل هذا الإسعاد، رسم لهم الطريقَ الذي عليهم أن يسلكوه ليكونوا سعداء في الدنيا قبل الآخرة. فما على الإنسان العاقل/الواعي أن يتَّبعَ هذا الطريق والسعادة مضمونة له. لكن الإنسانَ، بحُكم تَأرجُح طبعِه وسلوكِه بين الخير والشر، تارةً يختار طريقَ الخير وتارةً يختار طريقَ الشر. وهذا الاختيار، كيفما كان، يتخلَّلُه شيءٌ من الأنانية البشرية، الفردية أو الجماعية، المتمثِّلة في جَنْيِ ربحٍ من الأرباح أو الحصول على نَفعٍ من منافع الظروف التي تدفع الإنسانَ إلى اختبار هذا الطريقَ أو ذاك.
إذن، اختيار هذا الطريق أو ذاك له مُبرِّر رِبحي أو نفعي. وهذا شيءٌ لا عيبَ فيه ما دام الله، سبحانه وتعالى، وضع رهنَ إشارة البشر، أو بعبارةٍ أخرى، سخَّرَ للبشر كلَّ ما هو موجودٌ في الكون، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ" (لقمان، 20).
وحتى لا يضيع هذا الربحُ أو هذا النفعُ، اخترع الإنسانُ منذ القِدم، من بين ما اخترعه من أشياء، مفهومَ "السياسةَ". والسياسة هي مصدر فعل "ساس"، أي دبَّر شؤونَ المجتمع. والسياسة بدون وجودِ مَن يَسًوسُ أو يُدبِّر شؤونَ المجتمع، لا معنى لها. وبمعنى آخر، لا وجودَ للسياسة بدون سياسيين. والسياسيون بشرٌ لهم ضميرٌ وعليهم مسئولية، أي أن ضميرَهم هو الذي يُملي عليهم احترامَ أو إهمال المسئولية. وعوض أن يكون الدبنُ، بقِيمِه الإنسانية السامية، مكمِّلا ومُحَسِّناً للمعاملات، فإن الواقعَ السياسي يعجُّ بالفساد. والفسادُ لا تُمطره السماء. إنه مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاٍ بضمير السياسيين. إن أرادوا الصلاحَ، فلهم ذلك! وإن أرادوا الفسادَ، فلهم ذلك!
ولهذا، فعوض أن يكونَ الدينُ وقِيمُه الإنسانية السامية حافزاً قويا يحُثُّ ضمائرَ السياسيين على اختيار واتِّباع طريق الخير، فإن ضمائرَهم أملَت عليهم، وباختيارٍ منهم، اتِّباعَ طريق الفساد، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة، 100).
والسياسيون الذين يستعملون الدينَ كمطيةٍ للوصول إلى السلطة لتحقيق مآربَ لا تخدم الدينَ، بل تُسيء له، أو لفَرضِ أفكارهم الدينية على الناس، هم كذلك مُخطئون.
ولهذا، سواءً تعلق الأمر بالسياسيين الذين يُهمِلون الدبنَ في معاملاتِهم ليكونَ حافزا قويا يهديهم إلى سلوك طريق الخير وخدمة الصالح العام، أو بالسياسيين الذين يُحوِّلون الدين إلى إيديولوجيا يركبونها لتحقيق أهداف تسيء للدين، فالجهتان مٌخطئتان وتتلاعبان بالدين.
ولهذا، عنونتُ هذه المقالة ب"الدينُ ليسَ لُعبةً تتلاعبُ بها السياسةُ".
والمعتقد la croyance هو الإيمان بوجود شيء من الأشياء، أو بعبارة أخرى، إعطاء قيمة لشيء من الأشياء دون التوفُّر على دليل ملموس يُثبِت وجودَ هذا الشيء، أو دون التَّوفُّر على مبرِّرٍ منطقي أو عقلاني يُثبتُ هذا الوجودَ.
أما الطقوس، فهي مجموع المُمارسات les pratiques التي، بواسطتها، تُنقل المعتقدات أو ما يُعتبر دينا، من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي. وتطبيق المعتقدات أو الدين على أرض الواقع، يمكن أن يكون فردياً أو جماعياً. وسواءً تعلَّق الأمر بطقوس فردية أو جماعية، فإن ما يميِّزها عن غيرها من الطقوس، هو تكرراها وإعطاءُها معنى خاصا، قد لا يدركه إلا المُمارِسون.
أما القواعد، فهي مجموع الواجبات les obligations التي يجب أن يتَّبعها المتدينُ أو أن يقوم بها ليتمكَّن، من خلال ممارسة الطقوس، أن يتقرَّبَ من ما يعتبره المُمارِسُ إلهياً أو مقدَّساً.
أما الرموز المرتبطة بالدين، فهي مجموع التَّمثلاًت les représentations المرئية visuelles أو الحركية gestuelles أو اللَّفظية، التي من خلالها، يعبِّر المتديِّنُ عن أفكار أو عن مفاهيم يعتبرها هذا المتديِّن ثابتة.
وما لا يجب إغفالُه، هو أن المعتقدات والطقوسُ والقواعد والرموز، كلُّها أشياءٌ مرتبطةٌ فيما بينها. بمعنى أنه لا يمكن تحويل دينٍ من الأديان من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي بدون طقوس. والطقوس لا يمكن أن تُتركَ عشوائية. فلا بد من تنظيمها حسب قواعد معيَّنة لتتم مُمارستُها، دائما، بنفس الطَّريقة. أما الرموز، فهي كما سبق الذكرُ، تمثُّلات خاصة بكل دينٍ على حِدة. بمعنى أن الرموز هي التي تعطي لكل دينٍ طابَعَه الخاص. مثلا، رمز المسيحية هو الصليب la croix، الدال على صَلبِ crucifixion، عيسى بن مريم، ورمز اليهودية هي نجمة داود السداسية الرؤوس، ورمز الإسلام هو الهلال وبجانبِه النجمة الخماسية الرؤوس…
وكل من اختار ديناً من الأديان، عليه أن يؤمنَ بمعتقداتِه وطقوسِه وقواعدِه ورموزِه. والإيمان بهذه الأشياء الأربعة (المعتقداتِ والطقوسِ والقواعدِ والرموزِ) يجب أن يكون صادرا عن جوارِح الإنسان المتديِّن، وعلى رأسها القلب. بمعنى أن الإيمانَ يجب أن يكونَ صادراً عن الذات البشرية كلها. أو كما نقول في اللغة المتداولة، أن يكون الإيمان صادراً عن الذات البشرية "قلباً وقالباً"، أي أن يكونَ الإيمان إيماناً قويا. والإيمان القوي لا يحتاج إلى دلائل لإثبات وجود الأشياء. بل يحتاج فقط لتوفُّرِ الثقة بهذه الأشياء والالتزام بها، ولو كانت غير محسوسة imperceptibles.
وقبل الرجوع إلى عنوان هذه المقالة الذي هو: "الدينُ ليسَ لُعبةً تتلاعبُ بها السياسةُ"، أثيرُ الانتباهَ أن الأديان فيها ما هو سماوي céleste، أى منزَّلة من عند الله وبعث، من أجل نشرها بين ألناس أنبياءَ ورسلاً. وفيها ما هو وَضعِي créé par l'homme، كما هو الشأن مثلا، للهندوسية hindouisme والبوذية bouddhisme… ولهذا، فالدين، سماوياً كان أم وضعِياً، فهو نوعٌ من الروحانيات la spiritualité يُمارِسها الإنسان للتَّقرب من اللهِ، سبحانه وتعالى، أو للتَّقرُّب من ما يُعتَبَر مقدَّساً. والروحانيات، عندما تختلط بالدين، سماوياً كان أم وضعياً، أي عندما تختلط بالعبادات، هي ذلك البُعد الذي ينبعِثُ من داخل الذات البشرية باحثاً عن الحقيقة، لكن الحقيقية التي يستطيع العقلُ البشري إدراكَها.
غير أن الدين، سماويا كان أم وضعِياً، لا يقتصر، فقط، على العبادات للتَّقرُّب من الله. بل الدين، سماوياً كان أم وضعِياً، مليءٌ بالقيم الإنسانية السامية التي لا يمكن فصلُها عن العبادات. لماذا؟ لأن الإنسانَ، من طبعِه، كائنُ اجتماعي، أي كائنُ يعيش ويتحرَّك داخلَ المجتمعات. والعيش داخل المجتمعات، إن لم يكن منظِّما، فهو فوضى. ولهذا، نقول، سواءُ كان الدين سماوياً أو وضعياً، "الدين عبادات ومعاملات". العبادات للتَّقرُّب من الله، والمعاملات لتنظيم الحياة الاجتماعية بجميع مظاهِرها.
ولهذا، فالإنسان المُتديِّن المؤمن بالدين، سماويا كان أم وصعِياً، يتميَّز، أساساً، ببُعدين متكاملين ألاَ وهما البُعد الروحي spirituel/religieux والبعد الاجتماعي. وفيما يلي، سأبدأ الإجابةَ عن عنوان هذه المقالة الذي هو : "الدينُ ليسَ لُعبةً تتلاعبُ بها السياسةُ". وسأركِّز مقالتي على الدين الإسلامي، كمثلٍ لدينٍ سماويٍّ أنزله، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص).
وقبل هذه الإجابة، سأحاول، أولا، الإجابةَ عن السؤال التالي : "لماذا البعدان، الروحي والاجتماعي، متكاملان؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، لما خلق آدم ونفخ فيه جزأً من روحه، أراده أن يكون عاقلا، وبفضل العقل، أن يكونَ واعياً بوجوده وبوجود الأشياء المحيطة به. والغاية من هذا النفخ، هو أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، أراد أن يُسعِد الناسَ في الدنيا قبل الآخرة. ومن أجل هذا الإسعاد، رسم لهم الطريقَ الذي عليهم أن يسلكوه ليكونوا سعداء في الدنيا قبل الآخرة. فما على الإنسان العاقل/الواعي أن يتَّبعَ هذا الطريق والسعادة مضمونة له. لكن الإنسانَ، بحُكم تَأرجُح طبعِه وسلوكِه بين الخير والشر، تارةً يختار طريقَ الخير وتارةً يختار طريقَ الشر. وهذا الاختيار، كيفما كان، يتخلَّلُه شيءٌ من الأنانية البشرية، الفردية أو الجماعية، المتمثِّلة في جَنْيِ ربحٍ من الأرباح أو الحصول على نَفعٍ من منافع الظروف التي تدفع الإنسانَ إلى اختبار هذا الطريقَ أو ذاك.
إذن، اختيار هذا الطريق أو ذاك له مُبرِّر رِبحي أو نفعي. وهذا شيءٌ لا عيبَ فيه ما دام الله، سبحانه وتعالى، وضع رهنَ إشارة البشر، أو بعبارةٍ أخرى، سخَّرَ للبشر كلَّ ما هو موجودٌ في الكون، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ" (لقمان، 20).
وحتى لا يضيع هذا الربحُ أو هذا النفعُ، اخترع الإنسانُ منذ القِدم، من بين ما اخترعه من أشياء، مفهومَ "السياسةَ". والسياسة هي مصدر فعل "ساس"، أي دبَّر شؤونَ المجتمع. والسياسة بدون وجودِ مَن يَسًوسُ أو يُدبِّر شؤونَ المجتمع، لا معنى لها. وبمعنى آخر، لا وجودَ للسياسة بدون سياسيين. والسياسيون بشرٌ لهم ضميرٌ وعليهم مسئولية، أي أن ضميرَهم هو الذي يُملي عليهم احترامَ أو إهمال المسئولية. وعوض أن يكون الدبنُ، بقِيمِه الإنسانية السامية، مكمِّلا ومُحَسِّناً للمعاملات، فإن الواقعَ السياسي يعجُّ بالفساد. والفسادُ لا تُمطره السماء. إنه مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاٍ بضمير السياسيين. إن أرادوا الصلاحَ، فلهم ذلك! وإن أرادوا الفسادَ، فلهم ذلك!
ولهذا، فعوض أن يكونَ الدينُ وقِيمُه الإنسانية السامية حافزاً قويا يحُثُّ ضمائرَ السياسيين على اختيار واتِّباع طريق الخير، فإن ضمائرَهم أملَت عليهم، وباختيارٍ منهم، اتِّباعَ طريق الفساد، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة، 100).
والسياسيون الذين يستعملون الدينَ كمطيةٍ للوصول إلى السلطة لتحقيق مآربَ لا تخدم الدينَ، بل تُسيء له، أو لفَرضِ أفكارهم الدينية على الناس، هم كذلك مُخطئون.
ولهذا، سواءً تعلق الأمر بالسياسيين الذين يُهمِلون الدبنَ في معاملاتِهم ليكونَ حافزا قويا يهديهم إلى سلوك طريق الخير وخدمة الصالح العام، أو بالسياسيين الذين يُحوِّلون الدين إلى إيديولوجيا يركبونها لتحقيق أهداف تسيء للدين، فالجهتان مٌخطئتان وتتلاعبان بالدين.
ولهذا، عنونتُ هذه المقالة ب"الدينُ ليسَ لُعبةً تتلاعبُ بها السياسةُ".