د. علي زين العابدين الحسيني - النووي بيننا

صدر حديثًا عن دار الفتح بالأردن كتاب «الانتصار للإمام النووي ومنهجه العقديّ» لأحد مشايخ المدرسة الشافعية في الأحساء، الدكتور عبد الإله العرفج الشافعي، فاستبشرنا به، وفرحنا بخروجه إلى النور، لما فيه من دفاع نزيه عن الإمام الجليل، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، محيي السنة، وناصر الملة، الإمام النووي رضي الله عنه، في وقتٍ اشتدت فيه الحاجة إلى من يذبّ عن مقامه، ويردُّ كيد الطاعنين فيه.

ويا للأسى!
ما كنا نتصور أن يأتي على الأمّة يومٌ يضطر فيه العلماء إلى تأليف الكتب في الذب عن إمامٍ اجتمع الناس على حبه، واتفقوا على إمامته، وسارت الركبان بذكر ورعه وصدقه وزهده.

لقد ظننا زمناً أن توقير الإمام النووي من البدهيات، وأن إجلال الأكابر دينٌ تُربّى عليه الأجيال، فإذا بنا نُفجع بأننا نعيش عصرًا يُساء فيه إلى الأولياء، وتُفتعل فيه الخصومة مع رموز الأمة، ويُفتَّش في كلام الأئمة بحثًا عمّا يُدان به فضلهم!




سيظل هذا الكتاب –مع ما فيه من ردّ علمي رصين ودفاع قوي متين– شاهدًا على عارٍ معرفي ابتُلينا به؛ إذ احتيج إلى الدفاع عمّن كانت أقواله حُجّة، وسيرته مدرسة، ومكانته فوق الشبهات.

أجل، سيظل وثيقة في تاريخ النشر العربي الحديث على أننا عشنا زمنًا يُطعن فيه في الأولياء، ويُساء فيه إلى الأكابر، وتُفتَعل فيه الخصومة مع رموز الأمة.

أيّ عارٍ هذا الذي جنيناه؟!
وأيّ حسرةٍ تسكن قلوبنا؟!
أيّ زمنٍ هذا الذي يُتَّهم فيه الإمام النووي؟
وأي حسرةٍ في قلوبنا أن يضطرّ العلماء إلى الذبّ عن الأولياء، بعدما كانت كلماتهم تُكتَب بماء العيون؟!

لكنّ عزاءنا أن الإمام النووي، كما عاش زاهدًا في مدح الناس، لا يضيره قدحهم بعد رحيله، فهو باقٍ في القلوب، ناطقٌ بتراثه، ناصرٌ للدين بعلمه،
وكل سهمٍ يُرمى نحوه اليوم لا يزيده إلا رفعة في ميزان المنصفين،
وكل طعنٍ يُوجَّه إليه اليوم هو في حقيقته شاهد على ما بقي من أثره، وامتداد من حسدٍ قديمٍ لعزائم أولياء الله.

النووي: ولد الإمام "يحيى بن شرف بن مري النووي" في شهر الله المحرم سنة 631، ونشأ ببلدة "نوى" قرية من الشام بدمشق، وقرأ بها القرآن، وقدم دمشق سنة 649، وقرأ على الأئمة الأعلام؛ ككمال الدين سلار الإربلي وعبد الرحمن المقدسي وأبي الفتح عمر بن بندار التفليسي وإبراهيم بن عمر الواسطي، وكان يقرأ على مشايخه في اليوم والليلة اثني عشر درساً في عدة علوم، وحجّ مع والده سنة 651، وله حجة أخرى، وابتدأ في التصنيف سنة 660، وله تصانيف عظيمة انتفع بها أهل الإسلام، وتولى "دار الحديث الأشرفية" سنة 665، وقد زار القدس والخليل، ورجع في آخر عمره إلى نوى، ومرض عند أبويه إلى أن توفي في الرابع والعشرين من شهر رجب سنة 676، ودفن بها.

ورغم ما تحمله سيرة الإمام النووي من جلال علمي إلا أنها تتضمن تفاصيل قد يمر عليها الكثيرون دون أن يلتفتوا إليها؛ ففي عزّ انشغاله بعلمه كان الرجل يعيش حياة بسيطة، مشغولًا بالقراءة والكتابة، في عالم قد يراه البعض رتيبًا في مظهره، لكنه في جوهره عالم من التفاني والتضحية بالوقت؛ ليُصبح علمه موروثًا لا يزول.

التحية واجبة لهذا الجهد المبارك، والدعاء موصولٌ لكل من كتب في الذبّ عن إمامٍ من أئمة الدين، سيما إذا كان اسمه: النووي.

وإنّا على العهد باقون: نُجلّ العلماء، ونذبّ عن أوليائنا، ونردّ عن تراثنا بما وسعنا من بيانٍ وإن خفَت صوتُه، لعل الله أن يُبقي بركة الأثر، ويكتب لنا بحسن الذكر امتدادًا في سجلّ المحبين.

اللهم إن خَفَت صوتُنا، فلا تُطفئ أثرَنا، واجعل في ذكر الصالحين امتدادَنا، وفي محبّتهم حياةً تُكتب لنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...