خالد محمد مندور - فيض الخاطر... فتات الحياة وفن " الكتابة " فى الميزان الجديد

بالقطع فانت تقراء ثم تقراء ثم تقراء ثم تحاول أن تكتب ، ويا للهول من النتيجة ، مؤسفة ، ولا اقصد من الكتابة اختصارها في الكتابات الأدبية ، بل كل الكتابة في الادب والفن والتاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد وسمى ما شئت ، مؤسفة لانك تحاول أن تكتب ، فمثل هذه الكتابة هي نوع من " الحمل الكاذب " حين تشتاق المرأة لطفل وهى عاقرفتنتفخ بطنها وياتى زمان الولادة فلا يخرج شيء ما عدا الرياح الخبيثة.
لذلك فالكتابة ، فى أى مجال ، هى فى حقيقتها ولادة حقيقية حين يأتى أوانها ، فهى تاتى بإلحاح غريب وضاغط على الكاتب فتنبسق وتخرج كما خرج يونس من بطن الحوت ، ولعلنى لا ابالغ حين أصف مثل هذا النوع من الكتابة بالكتابة الشعرية ، حتى ولو غابت قواعد الشعر ، لذلك فالكتابة هي التعبير الاصدق عن الملكات الشخصية ، عن أحساسك وثقافتك وموقفك الاجتماعى وعن .......احساسك بفتات الحياة.
وياله من تعبير خلاب ، فتات الحياة ، وفى قول أخر " الاطياف الباهتة " ، فهكذا كتب محمد مندور في نقاشة مع سيد قطب في اربعينات القرن الماضى ونشر في كتابه " في الميزان الجديد" ، لكن هل يفتى ومالك في المدينة ؟ نعم أيها السادة فمالك كان يكتب حول الكتابة الأدبية لكنى لست أديبا ولا مالكا بل مجرد تلميذا صغيرا يحاول أن يفهم ، تلميذا ورث ملكة التمرد فاتسعت اهتماماته وخرج لكى يكتب ، أسف بل يلد ما يفكر ويحس به وهو يهتم اهتماما بالغا " بفتات الحياة " ، لذلك فهو يختار بدقة بالغة الكلمات والجمل والتتابع كى تعبر أصدق تعبير عن ما يريد أن يقول .
لكن ليس هناك من مفر من عرض مقال محمد مندور الذى عبر أصدق تعبير عن ما كان يحسه ويفعله تلميذه الصغير المتمرد دون إدراك كامل لما يفعله ، لكنها الوراثة مرة أخرى فهو يشعر كالشعراء ويكتب بصرامة بالغة ، فإلى محمد مندور.
هكذا كتب مندور
"الفتات
وأما فتات الحياة «التي يعرف كبار الأدباء كيف يلتقطونها بأنامل ورعة» فالظاهر أن الأستاذ قطب لم يدرك ما أردته منها، وها أنا أبسط القول. والأستاذ قطب لا بد قد فهم عن الأستاذ الكبير العقاد أن كل فن اختيارات للتفاصيل الدالة، فالمصور يختار من الألوان والأضواء وتفاصيل المنظر أقدر الجزئيات على الإيحاء، وكلما سما الفنان في فنه ورهف في وسائله عرف كيف يختار تلك الجزئيات الصغيرة. وليس ثمة علاقة بين «فتات الحياة» التي يختارها «وضخامة الإحساس» الذي يريد أن يثيره، فالإحساس من الواجب طبعًا أن يكون قويًّا. وموضع الإعجاز هو أن يثير الفنان هذا الإحساس القوي «بالفتات» التي لن يدركها الأستاذ قطب، بل إن جميع المثقفين في حقائق الفن والأدب ليعلمون — لخبرتهم الطويلة بكافة الفنون في العالم المتمدين — أن إثارة الإحساسات القوية لا يمكن أن تكون بغير فتات الحياة الأليفة الوثيقة الصلة بالبشر. وأما الطنطنة، وأما تضخيم التوافه، وأما عجيج الألفاظ، وأما التبجح بالقوة الجوفاء؛ فهذه وسائل العجز والادعاء والجهل.
أضرب للأستاذ قطب مثلًا بسيطًا أختاره من السينما لنبعد عن الأدب العسير الفهم.
في إحدى الأفلام أراد مؤلف القصة أن يحمل المشاهدين على إدراك ضيق بطل الرواية لطول انتظاره أمرًا يهمه فلم ينطقه بخطبة، ولم يعبث بملامحه ولم يحمله على تمزيق ملابسه أو شد شعره، بل ولا على الصياح في أجواز الفضاء، بل عرض على الشاشة بطلنا وأمامه منفضة سجاير خالية، ثم غير المنظر وعرض الرجل في نفس الجلسة، وأمامه المنفضة وقد امتلأت بأعقاب السجاير حتى فاضت. هذه المنفضة المليئة بأعقاب السجاير لا شك من فتات الحياة، بل من هناتها. ولكن، أوَما يرى الأستاذ قطب أنها وسيلة قوية من وسائل الأداء وأنها قد حملتنا على إدراك نفسية البطل إدراكًا لن تبلغه قصيدة طويلة من قصائد الأستاذ قطب؟
هذه هي فتات الحياة التي يجب أن نعرف قدرها في الفن، ولكننا قوم فطريون، نظن الفن ألوانًا فاقعة وضجيجًا خاويًا. نعم يا أستاذ قطب، أنا أوثر «الأطياف الباهتة»؛ لأنها نسيج كل فن رفيع، وأما الأطياف الزاهية فلا تسر غير البدائيين من الناس، أوَلا ترى إلى زنوج أفريقيا كيف يستهويهم الأحمر القاني والأصفر الكركم؟ "
لينك كتاب
https://l.facebook.com/l.php?u=https%3A%2F%2Fwww.hindawi.org%2Fbooks%2F90464240%2F%3Ffbclid%3DIwZXh0bgNhZW0CMTAAYnJpZBExeHozcXRvcGszU3NyOTFicwEeaGDscghpR9MIYKw83cA4GtfoBpIqVmbv-0A-C0sGJa1mSgJ2BbgQ6YULugU_aem_tyDltSv0-fdACCj_RG-ong&h=AT0nUqlMxvWNAlBrH_MWu5U8xJBv0Qmjha8UW3m4mky8KP3DJBmMfnCmkb-dX2NkYukMB_VzjDoDBhm4tMFItWdGQuvN-jH9_6lv2uMW21Q2mW73UriDpzmyHPjxxjql0DrQzhFPOyYngciT_XyQvEfLGgc2iZBW&__tn__=-UKH-R&c[0]=AT0s6SAt6jA-rjL3ZfJNXPMIWJe2hhHc2ReBsXj_UemZQvlx3pJ1KiZK0qGxDVHoVzVruPdPqHswV4AlXruDcHDFlKUbuweVETv-Fm57pgrKaWTdb_iyzWqiVsEFPwPtaKmsPVTKb0Uj3fFTf0HXFd1Fx6k95BT6bvFGRiiY4r3ytJvaAnNxZM206SAV_6WmJ9tmNUicGQ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...