محمد علي عزب - من تجليات العصر المملوكي .. تحفة ابن اٍياس المؤرخ والأديب "بدائع الزهور"

"بدائع الزهور في وقائع الدهور" لأبي البركات محمد ابن اٍياس ليس مجرّد أحد تجليات المدرسة المصرية في تأسيس علم التاريخ, سرد حكائي للوقائع التاريخية بلغة بسيطة ورشيقة في آن, موضوعية في التناول يمكن نتلمَّسها في قراءة نفس الواقعة التاريخية عند جمال الدين بن تغري بردي الأتابكي في "النجوم الزاهرة في تاريخ ملوك والقاهرة" تجد عند الاثنين نفس الواقعة مع اختلاف العرض والتحليل, وبالعودة الى المقريزي الذي سبقهما تجد نفس الشئ, ثلاثة مصادر معتبرة تتفق على حدوث الواقعة مع اختلاف العرض والتناول, ما يجذبني لابن اٍياس أنه حكاء, ولأنه شاعر كان يتخلل سرده التاريخي مقاطيع أو نصوص كاملة لشعراء فصحى, وزجالين, بل كان الزجل والمواليا أكثر حضورا في ا بدائع الزهور من شعر الفصحى, ولم تكن النصوص للاسشتهاد على الواقعة التاريخية فقط, بل اٍن اٍياس كان أحيانا يشتشهد بنصوص تعبر عن وعي الشاعر ووجهة نظره في الواقعة التاريخية, في سنة 665 هجرية منع منع الظاهر بيبرس تداول النبيذ و المسكرات, وكتب الشاعر محمد بن دنيال حينها قصيدة يرثي فيها المجون التي منعها الظاهر بيبرس قال في مطلعها:
مات يا قوم شيخنا اٍبليس = وخلا منه ربعنا المأنوس
ونعانى حدسى به اٍذ توفى = ولعمرى مماته محدوس
وبعد أن يعرض ابن اٍياس قصيدة ابن دنيال كاملة يقول: أن الشاعر اٍبراهيم المعمار الذي توفّي سنة 749 هجرية, ولم يكن معاصرا للظاهر بيبرس وابن دنيال لما عثر على هذه القصيدة قال:(( لمّا وقفت على قصيدة الشيخ شمس الدين ابن دنيال لو أنى أدركت ذلك الزمن لرثيت الخلاعة و المجون بهذا الزجل المصون ), ثم يعرض ابن اٍياس زجل اٍبراهيم المعمار الذي قال فيه:
منعونا ماء العنب يا سين = الله يكفى لا يمنعونا التين
هات تقل لى اٍذا حرمنا الراح = ومنعنا عن الوجوه الصباح
باٍيش بقى نستجلب الأفراح = والخليع كيف تراه يعيش مسكين
على ماء ذا العنب بكى الراووق = والشمع صار بعبرته مخنوق
والوتر بات م الغروب للشروق = من أنينه تسمع له طول الليل حنين
ولقد هان حضرة المحضر = وتلون ذا الزهر وتغيّر
وبغيظه ريحاننا اتنصّر = وعلى وجهه صلب الياسمين
والندامى جميعهم فى شتات = حزنوا كأن مات لهم أموات
هذا قاعد يبكى على ما فات = وذا يندب و ذا الآخر حزين
ولى صاحب زمان معى كان نطبيب = جانى وقال مشتاق أنا يا أديب
فقصدنا المنيه اٍلى شبرا = ما لقينا رحنا طنان لخرا
وفى قليوب قالوا ولا قطرا = درنا من مرصفا اٍلى شبين
وصعدنا قبلى ذا البلدان = ونبشنا طموه لدير شعران
ما أمر الطريق اٍلى حلوان = أخرب الله على طره والتبين
ويستمر المعمار فى سرد أحداث رحلته بين القرى والبلدان المذكورة للبحث عن النبيذ مع صديقه والمشقة التى تعرضا لها اٍلى أن يقول:
أنا مالى غيّه سوى ابن الكروم = و الشراب المعتّق المعلوم
نتبعه و لو يصير فى أقصى الروم = ولو أنى ندخل لقسطنطين
ولا نهوى اٍلاّ الشراب القديم = ومعشيق جديد يكون لى نديم
ننفق المال على ايش يسمى عديم = وانا ممكن فى غاية التمكين
اٍلاّ انى قد أثقلتنى الذنوب = ما بقيت أتحمل لكتر العيوب
وانا ماعاد لى وفق انى سوى أتوب = يا اٍلاهى اكتبنى مع التايبين
وأرخّوا بالله توبة المعمار = واكتبوها بالتبر طول الاعصار
قولوا من هجرة النبى المختار = سبع ماية سنة خمس واربعين
بدائع الزهور لابن اٍياس موسوعة في التاريخ السياسي والاجتماعي, وبه جانب من تاريخ الأدب ويمكن أن نعتبر ما ورد فيه من نصوص شعرية مختارات من شعر العصر المملوكي فصحى وعامية, هذا اٍلى بعض اللمحات النقدية السريعة كقوله عن صَفّي الدين الحِّلي ( ( له شعر جيد، غير أنه كان غير ماهر فى التورية، وكانت غير مذهبه ), وبالفعل لم تكن التورية تتردد بكثرة في شعر الحِلي, وقد صلاح الدين الصفدي وهو من كبار النقاد آنذاك : ( ( التورية من أعلى فنون البديع، وأعلاها رتبة، وأعظمها فى الأذواق السليمة موقعا ) , هذا اٍلى جانب ما ذكرته سابقا بخصوص المنهجية في عرض الحدث التاريخي, وأسلوب ابن إياس الشيق في سرد الأحداث ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...