حين يكتب الروائي عن الناس، يكتبهم كما رآهم لا كما أرادوا أن يُروا.
وحين يكتب من "قلب الشارع"، كما قال شريف محيي الدين إبراهيم في شهادته المؤثرة عن روايته شارع العَزَب، فهو لا يدوّن فقط يوميات العابرين، بل يغامر بخلخلة أسطورة "الستر" التي يعيش تحتها مجتمعٌ لا يحتمل أن يرى وجهه الحقيقي في المرآة.
"شارع العَزَب"... حين غيّرت الطريق، عنوان النصّ الاعترافي الذي نشره إبراهيم، ليس مجرد مقال ترويجي، بل شهادة أدبية وفلسفية بالغة الصدق، تختلط فيها مشاعر الوجع بالخيانة، والحب بالخذلان، والحقيقة بالخوف منها.
فيه نقرأ اعترافات كاتب لم يخن أحدًا، بل كتب الجميع بما فيهم نفسه، ثم وجد نفسه متهمًا لأنه كتب.
"كتبتهم جميعًا. كتبت بصدق، وفي الصدق شيء من الفضيحة، وشيء من البراءة."
هكذا يصف شريف تجربته، في جملة تختصر الصراع الأخلاقي الذي يعيشه كل كاتب صادق: هل نكتب الحقيقة كما نراها؟
أم نُجمّلها كما يريدها الناس؟ وهل يجوز أن نعرض وجوه الذاكرة للضوء، حتى لو احترقت؟
الرواية التي صدرت عن دار إضافة، وظهرت كحلقات متسلسلة في نادي القصة السعودي، واحتفى بها نقاد وجلسات ندوة، لم تحصد التصفيق فقط، بل أيضًا انقسام العائلة والأصدقاء، واتهامات بالتشهير، وتهديدات مبطنة وصريحة، حتى أُلغيت ندوة الاحتفاء بها. وكأن الرواية، بدل أن تكون حدثًا أدبيًا، تحوّلت إلى محكمة ضمير، والكاتب من راوي إلى متهم.
لكن المدهش أن الكاتب لم يصمت، بل "بدّل الطريق". كتب قصصًا قصيرة بدت للوهلة الأولى أعمالًا مستقلة، لكنها كما يعترف:
"كلها امتدادات خفية للرواية... شخصيات أعيدت للحياة بأسماء جديدة، بصراعات لم تُكمل، وبأسرار لم يُسمح لي أن أُسميها."
هكذا تحوّلت رجل الحديقة، وجدار عم حبيب، وصديقي صلاح، إلى أجنحة سرّية للرواية الأصلية، كأن الكاتب يبني رواية كبرى متشظية، يخفيها في هوامش القصّ، ويكتبها "بالماء" لا بالحبر، كما قال في استعارة بديعة.
هذا الأسلوب في "التهريب السردي" ليس فقط حيلة فنية، بل موقف وجودي.
الكاتب هنا لا يهادن، لكنه لا يواجه مباشرة. لا يفضح، لكنه لا يكذب. إنما يُراوغ الحقيقة بلغة المحبة، ويكتب كما تُروى الحكايات في المجالس لا في المحاضر.
لقد قدّم شريف محيي الدين إبراهيم في هذه الشهادة نصًا يُوازي الرواية نفسها في عمق أثره، إن لم يفقها. وقد أكّد أن الكاتب الصادق في مجتمعاتنا يُعاقَب لأنه يرى، ويُتهم لأنه يكتب، ويُحاكم لأنه اقترب من الحقيقة أكثر مما ينبغي.
لكن الأدب الحقيقي لا يخشى الغضب. إنه يُولد منه.
"أنا لم أتوقف عن شارع العَزَب... أنا فقط كتبتها كما لا يراها الغاضبون."
بهذه الجملة الأخيرة، يحسم الكاتب موقفه: الكتابة مستمرة، حتى لو تحوّلت من صراخ إلى همس، ومن جهر إلى مراوغة.
وفي زمن تتراجع فيه الكتابة إلى أمان المجاملة، يبدو أن شريف محيي الدين اختار الطريق الأصعب: أن يكتب ما لا يُقال، وأن يواجه الصمت بالسرد، وأن ينقذ من أحب من النسيان، حتى لو خسرهُم في الحاضر.
وحين يكتب من "قلب الشارع"، كما قال شريف محيي الدين إبراهيم في شهادته المؤثرة عن روايته شارع العَزَب، فهو لا يدوّن فقط يوميات العابرين، بل يغامر بخلخلة أسطورة "الستر" التي يعيش تحتها مجتمعٌ لا يحتمل أن يرى وجهه الحقيقي في المرآة.
"شارع العَزَب"... حين غيّرت الطريق، عنوان النصّ الاعترافي الذي نشره إبراهيم، ليس مجرد مقال ترويجي، بل شهادة أدبية وفلسفية بالغة الصدق، تختلط فيها مشاعر الوجع بالخيانة، والحب بالخذلان، والحقيقة بالخوف منها.
فيه نقرأ اعترافات كاتب لم يخن أحدًا، بل كتب الجميع بما فيهم نفسه، ثم وجد نفسه متهمًا لأنه كتب.
"كتبتهم جميعًا. كتبت بصدق، وفي الصدق شيء من الفضيحة، وشيء من البراءة."
هكذا يصف شريف تجربته، في جملة تختصر الصراع الأخلاقي الذي يعيشه كل كاتب صادق: هل نكتب الحقيقة كما نراها؟
أم نُجمّلها كما يريدها الناس؟ وهل يجوز أن نعرض وجوه الذاكرة للضوء، حتى لو احترقت؟
الرواية التي صدرت عن دار إضافة، وظهرت كحلقات متسلسلة في نادي القصة السعودي، واحتفى بها نقاد وجلسات ندوة، لم تحصد التصفيق فقط، بل أيضًا انقسام العائلة والأصدقاء، واتهامات بالتشهير، وتهديدات مبطنة وصريحة، حتى أُلغيت ندوة الاحتفاء بها. وكأن الرواية، بدل أن تكون حدثًا أدبيًا، تحوّلت إلى محكمة ضمير، والكاتب من راوي إلى متهم.
لكن المدهش أن الكاتب لم يصمت، بل "بدّل الطريق". كتب قصصًا قصيرة بدت للوهلة الأولى أعمالًا مستقلة، لكنها كما يعترف:
"كلها امتدادات خفية للرواية... شخصيات أعيدت للحياة بأسماء جديدة، بصراعات لم تُكمل، وبأسرار لم يُسمح لي أن أُسميها."
هكذا تحوّلت رجل الحديقة، وجدار عم حبيب، وصديقي صلاح، إلى أجنحة سرّية للرواية الأصلية، كأن الكاتب يبني رواية كبرى متشظية، يخفيها في هوامش القصّ، ويكتبها "بالماء" لا بالحبر، كما قال في استعارة بديعة.
هذا الأسلوب في "التهريب السردي" ليس فقط حيلة فنية، بل موقف وجودي.
الكاتب هنا لا يهادن، لكنه لا يواجه مباشرة. لا يفضح، لكنه لا يكذب. إنما يُراوغ الحقيقة بلغة المحبة، ويكتب كما تُروى الحكايات في المجالس لا في المحاضر.
لقد قدّم شريف محيي الدين إبراهيم في هذه الشهادة نصًا يُوازي الرواية نفسها في عمق أثره، إن لم يفقها. وقد أكّد أن الكاتب الصادق في مجتمعاتنا يُعاقَب لأنه يرى، ويُتهم لأنه يكتب، ويُحاكم لأنه اقترب من الحقيقة أكثر مما ينبغي.
لكن الأدب الحقيقي لا يخشى الغضب. إنه يُولد منه.
"أنا لم أتوقف عن شارع العَزَب... أنا فقط كتبتها كما لا يراها الغاضبون."
بهذه الجملة الأخيرة، يحسم الكاتب موقفه: الكتابة مستمرة، حتى لو تحوّلت من صراخ إلى همس، ومن جهر إلى مراوغة.
وفي زمن تتراجع فيه الكتابة إلى أمان المجاملة، يبدو أن شريف محيي الدين اختار الطريق الأصعب: أن يكتب ما لا يُقال، وأن يواجه الصمت بالسرد، وأن ينقذ من أحب من النسيان، حتى لو خسرهُم في الحاضر.