المستشار بهاء المري - في زمن الضوء الأزرق.

من خلف الشاشات الباردة، هناك وجوه دافئة صدَّقت الحب، وآمنت بالثقة، ومَنحت مساحاتها لأشخاص لم يكونوا أهلاً لها. مُعيدة جامعية أحبَّت، فوثقت، وأعطت من قلبها، ثم اختارت أن تحفَظ كرامتها برفض الاستمرار، فإذا بمن أحبته يتحول إلى جَلادٍ رقمي، يبتزُّها، ويشوِّهها، ويُنزل بأهلها سبًا وشتما، وكأن رفضها له مبررٌ لانتقام لا نهاية له.
لم تكن تلك الفتاة ضحية تقصير قانوني فقط، بل ضحية أزمة أخلاقية تتفاقم، وتهدد نسيج المجتمع وقيَمِه الراسخة. لم يكتفِ الجاني بسرقة خصوصياتها، بل زَيَّف حسابًا باسمها، ونشَر صورًا فاضحةً لها ومحادثات مبتذلة بينهما، واستخدم ألفاظًا نابية لطعن أسرتها. جريمة كاملة الأدوات، لكنها مفرغة من كل معاني الإنسانية.
هذه ليست مجرد "حادثة شخصية"، بل نموذج صارخ لانهيار الضمير، وتآكل منظومة القيم في زمن يختلط فيه العام بالخاص، والحب بالاستغلال.
ما حدث هو اغتيال أخلاقي، نُفِّذ بأدوات بسيطة، لكنه ضَرب في عُمق الإنسان: في ثقته، وأمانه، وكرامته. فحين تُنتَهك الخصوصية، وتُستخدم التكنولوجيا لاغتيال السمعة، لا يكون السؤال عن نوع الهاتف أو التطبيق، بل عن الضمير الذي نام… أو مات.
هل نحن نعيش أزمة "وسائل"؟ أم أزمة "نفوس"؟ هل المشكلة في الإنترنت؟ أم فيمن يَستخدمه كسلاح؟ الواقع يُثبت أن هناك خللاً داخلياً، باتت فيه بعض النفوس ترى في التقنية فرصة للبطش، لا أداة للتواصل، وتَستخدم المعرفة للهدم بدل البناء.
في القوانين المصرية، مثلًا، يعاقب قانون رقم تقنية المعلومات على الاعتداء على الخصوصية بالسَجن والغرامة، وقانون العقوبات، يُشدد العقاب على من يُشهِّر باستخدام وسيلة نشر عَلنية. ومع ذلك، لا تزال الحالات تتكاثر، والردع وحده لا يكفي دون وقاية أخلاقية مبكرة.
في الدين، هناك خط أحمر اسمه "السَتر". قال النبي محمد ﷺ: "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة". أما من يفضح ويبتز ويشهِّر، فهو يقع في دائرة الإثم العظيم. ويكفي أن نقرأ قول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" النور: 19.
لسنا ضد التقدم الرقمي، بل مع أنْ يُواكبه وعي إنساني وأخلاقي. الإنترنت ليس هو الجاني، إنما من يفتقد البوصلة التربوية، ويستغل الفراغ القيمي لتحويله إلى فخاخ للابتزاز والتشهير.
فأين دور الأسرة؟ أين المدرسة؟ أين الإعلام؟ أين القدوة؟ كيف نربّي أطفالاً يحفظون كلمات المرور لكن يجهلون معنى صيانة العِرض؟ لا بد من غرس القيم في عقولهم مع كل تطبيق جديد يحملونه. لا يكفي أن نُعلمهم "كيف يصنعون حسابًا وهميًا"، بل أن نُعلمهم "كيف يصونون وجهًا حقيقيًا".
احذروا الخلط بين "الخصوصي" و"العام". ما يُمنح في إطار علاقة خاصة يجب أن يبقى في دائرة الاحترام، حتى بعد انتهائها. الحب لا يُبرر تسليم المفاتيح، والستر لا يعني الضعف، والمواجهة القانونية ليست نقصًا في الكرامة بل دفاع عنها.
وإلى أولئك الذين يظنون أن "الفضيحة" وسيلة ضغط، تذكروا: مَن يَفضُح اليوم… قد يُفضَح غدًا. ومن يخون الثقة، يخسر إنسانيته قبل أن يخسر قضيته.
في عصرٍ لم يعد فيه الخطر يأتي من الخارج، بل ينبثق من شاشاتنا، بتنا أمام تحدٍّ جديد يتطلب ليس فقط تشريعًا قويًا، لكن قبل ذلك، ضميرًا حيًا.
فالقانون قد يُصدر حكمًا، لكن الضمير هو القاضي الأبقى.
فلنربِّ أبناءنا على أن احترام الخصوصية عقيدة أخلاقية، لا خيارًا شخصيًا، وأن من يُفرّط بها لا يَعتدي على فرد، بل يُخرّب مجتمعًا بأكمله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...