كلمة محمد علي رئيس لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب التونسي في فعالية اليوم العالمي لانهاء الافلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين

السيدات والسادة،

السادة ممثلو الهياكل المهنية والمنظمات الوطنية والدولية،
السيدات والسادة الصحفيون والصحفيات،

الحضور الكرام،

نلتقي اليوم في مناسبة بالغة الأهمية، نحيي من خلالها اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، تحت شعار “من الإفلات من العقاب إلى التربية على المساءلة والحرية”.
إنّ حرية الصحافة ليست مجرد نص قانوني أو التزام شكلي، بل مؤشر حيّ وموضوعي على مدى التزام الدولة بمبادئ المواطنة وسيادة القانون، وعلى مدى احترامها للحق العام في المعرفة والحقيقة.
إنّ الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين لا يهدد هؤلاء وحدهم، بل يشكل تهديدًا مباشرا لثقة المواطنين في المؤسسات وللحق في المعلومة الحرة.
لقد أثبتت التجارب في تونس وما بعدها أنّ المعالجة القانونية وحدها لا تكفي.
القوانين الثورية، التي صدرت في سياق التحولات الكبرى بعد الثورة كالمرسومين 115 و 116
وغيرهما، كانت ضرورية لتأسيس الحرية، لكن اتضح مع الوقت انها لم تكن كافية لضمان العدالة الفعلية أو حماية الصحفيين من الانتهاكات المعاصرة, او حتى منع التراجع عنها
فالتحديات الجديدة، سواء الرقمية أو الأمنية أو السياسية، تتطلب مقاربات متكاملة تشمل القانون والممارسة والسياسة العامة، ولا يمكن حصرها في نصوص مكتوبة فقط.
إنّ المرسوم عدد 54 لسنة 2022 جاء في إطار حماية الفضاء الرقمي من الجرائم الإلكترونية، وهي أهداف مشروعة في الأصل، لكنها للأسف استُخدمت في كثير من الأحيان لتقييد حرية التعبير وملاحقة الصحفيين بسبب آرائهم أو تقاريرهم النقدية.
وقد أثبت التطبيق العملي أن صيغته الحالية واسعة وغامضة، ما أتاح للسلطة التنفيذية استخدامه بطرق تضييقية على حرية الإعلام والكلمة الحرة.
ومن هذا المنطلق، نثمن ونؤكد على المبادرة التشريعية الجادة التي أطلقها البرلمان لتنقيح المرسوم 54، وهي في طور النقاش داخل اللجنة المختصة.
هدف هذه المبادرة هو إعادة التوازن بين حماية الأمن الرقمي وصون الحقوق والحريات الأساسية، ومنع أي استخدام تعسفي للقانون لممارسة الترهيب أو إسكات النقاش الحر.
إنّ ما نراه اليوم من تعاطٍ مفرط للسلطة التنفيذية مع حرية الصحافة، سواء عبر المتابعات القضائية والأمنية و الضغوط الإدارية، يعدّ تجاوزًا خطيرًا للصلاحيات وخرقًا لروح الدستور.
السلطة التنفيذية ليست طرفًا ضد الصحفيين، ولا يجوز لها أن تتحوّل إلى أداة لضبط النقاش العام بالقوة أو التهديد.
البرلمان، كمؤسسة تشريعية كاملة، ملزم بالتصدي لأي محاولة لتوظيف القوانين للضغط على الصحفيين، ومحاسبة كل تجاوز، مهما كان موقعه في السلطة.
إنّ حماية حرية الصحافة والمساءلة ليست مهمة لجنة واحدة ، بل مسؤولية البرلمان بأكمله.
وتتطلب هذه المسؤولية أن يشمل العمل:
• حماية الصحفيين والممارسين الإعلاميين من أي مضايقات أو ملاحقات غير مبررة.
• مراجعة وتعديل النصوص القانونية التي يُساء استخدامها، خصوصًا المرسوم 54، بما يحقق العدالة ويحمي الحق في التعبير.
• الحوار التشاركي الحقيقي بين كل الأطراف: السلطتين التنفيذية والتشريعية ، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والهياكل المهنية، والمجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية، لضمان أن تكون القوانين فعالة ومتوازنة ومتسقة مع واقع الإعلام اليوم.
إنّ التشاركية هي الضمان الحقيقي لتحويل النصوص القانونية من كلمات مكتوبة على الورق إلى أدوات حماية فعلية لحرية التعبير والصحفيين
السيدات والسادة،
إنّ محاربة الإفلات من العقاب وحماية حرية الصحافة ليست مهمة قانونية بحتة، بل مسؤولية وطنية جماعية.
فلنجعل من هذا اليوم محطة لتجديد العهد مع الحق في الكلمة، ومع الصحفيين الذين يدافعون عن الحقيقة، ومع البرلمان الذي يجب ان يلتزم بمساءلة كل من يتجاوز القانون باسم القانون.
إنّ شعار هذا اليوم، “من الإفلات من العقاب إلى التربية على المساءلة والحرية”، ليس شعارًا رمزيًا فحسب، بل خطة عمل وطنية لإعادة التوازن بين السلطة والمساءلة، بين الأمن والحرية، وبين القانون والممارسة الفعلية.
فلنكرس عملنا نحو تونس اخرى ممكنة عادلة، ونزيهة، ومسؤولة، وتحمي الحريات وتكفل العدالة لكل المواطنين والصحفيين.
شكراً لكم،
وعاشت حرية الصحافة رغمً كل محاولات التلجيم والتركيع







*

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...