المقاربة رقم 11.
بعد وقوفي عند سورة البقرة ، في المقاطع السابقة ، بحثا عن عدة تمظهرات نصية فرضتها طبيعة اشتغال السياق بمحددات مختلفة ، سأنتقل إلى مقطع آخر جديد ، محددا بعدة آليات إجرائية ، لألامس كيفية اشتغال الدلالة وصيغ تمحورات الضمائر وتحولها لتعطينا خطابا ينمو ويبنى بجماليات متعددة.
يبتدئ المقطع الموالي من الآية رقم 142 :
(۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (142) .
وينتهي عند الآية رقم 157 :
) أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ (157) ۞).
قمت بتقطيع هذا المقطع بناء على عدة آليات إجرائية ، سأحددها حسب المستويات التالية :
-1- عامل الدلالة : المقطع ككل محدد في خاصية تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
-2- رغبة الرسول الملحة في هذا التغيير ، مع الاستجابة الإلهية .
-3 ثورة أهل الكتاب( اليهود والنصارى وعدم الانصياع للأوامر الإلهية.
شكلت هذه الخاصية الدلالية موضوعا مهما أهلنا في عزل المقطع دلاليا عن باقي المقاطع السابقة.
كما أن هناك عوامل أخرى ساهمت في لعبة التقطيع ، منها :
-1- عامل المكان : سيصبح المكان المحدد في المسجد الحرام الفضاء المكاني الجديد الذي يبني الدلالة في هذا المقطع الجديد.
-2- عامل الزمن : سنصبح أمام زمن جديد سيحدد في زمن ما بعد تجاوز المسجد الأقصى كزمن خاص مكانيا كقبلة لأهل الكتاب و أهل البيت .
كما سنعتمد على بعد المقولات الإثنانية في مجال التقطيع ، حسب التحديد التالي:
-1- ما بعد وماقبل: هنا سنتكلم عن ومابعد القبلة الأولى المحددة في المسجد الأقصى، ثم ما قبل اختيار المسجد الحرام كقبلة لأهلا الكتاب و أهل البيت.
هذا دون أن نغيب عوامل التواصل وعوامل السرد بصفتهما محددات مهمة ساهمت في عزل المقطع التالي عن باقي المقاطع السابقة.
سأدرس هذه البنيات بشكل مفصل في مقاربة خاصة لقراءة المتن القرآني/ سورة البقرة نموذجا.
1-. تمظهرات عوامل التواصل في هذا المقطع.
-العامل التواصلي الأول هو مرسل الرسالة : الإله الذي سيتمظهر بعدة تجليات.
1-1- تجلي أول : مرسل الرسالة.بتمظرات مختلفة :
1-2- ضمير الغائب : (سيقول السفهاء من الناس).
1-3- تمظهر ثان بضمير المتكلم : يخاطب المرسل إليه الأول الرسول'ص' بضمير مباشر / الأنا المتكلمة : "قل".
1-4- العامل التواصلي الثاني الذي سيتحدد بصفة المرسل : السفهاء/ أهل الكتاب( النصارى واليهود).
1-5- سيتمظهرالعامل بصفة المتكلم الجماعي ، اعتمادا على ضمير المرسل الغائب : سيقول.
-2- عامل التواصل الثاني : الرسول "ص" بصفته المخاطب المباشر الأولي .هو الآخر سيتحدد بعدة تمظهرات ، سأحددها كما يلي :
-1- مرسل إليه غير مباشر : ( سيقول السفهاء..).الخطاب موجه للرسول "ص" أولا.
-2-كما سيتحدد بصفته مرسل إليه مباشر :" قل.".
3- مرسل إليه ثان يتحدد في أهل الكتاب / اليهود والنصارى : المخاطبين بضمير الغائب : سيقول أهل الكتاب.
-4- عامل تواصل مرسل إليه ثالث : ( هم) المعني هو أهل البيت .
لأن النص القرآني موجه للجميع.
5- عامل تواصل مرسل إليه رابع هو البشرية كافة : لأن المعني في الخطاب القرآني هم البشرية كلها.
لهذا جاء الخطاب محددا بشكل عام في بعض الآيات منها :
(كَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ (143) ).
في هذه الآية تتحدد جميع الخصائص الخطابية التي تكلمنا عنها سابقا والتي سنحددها كما يلي :
المرسل : الإله : (جعلنا.).
المرسل إليه الأول جامع بين الطبقتين ( أهل الكتاب وأهل البيت ):جعلناكم أمة وسطا ( من يتبع الرسل)+ ( أهل الكتاب ( من ينقلب عليه).
المرسل إليه الثاني : الرسول .
موضوع الرسالة : هداية الله+ بصفته رؤوفا و رحيما.
فيصبح موضوع الهداية موزعا في ثلاثة خصائص محورية :
-1- الخاصية الأولى : الله هو الهادي.
-2- الخاصية الثانية : الله هو من يضيع إيمانهم.
-3 الخاصية الثالثة : الجمع بين الخاصيتين السابقتين في تيمة أن الله : رؤوف و رحيم.
كل هذه البناءات الخطابية تجعلنا نشتغل على خطاب متمفصل بشكل جد عميق ، يعتمد على محاور متعددة تسهم بشكل بنائي في بناء الدلالة بدينامية لم ولن تتوقف أبدا على طول المسار السردي في سورة البقرة/ موضوع الدراسة.
مباشرة ينقطع هذا التعدد في تداخل عوامل التواصل ليصبح الموضوع محصورا بين المرسل الحقيقي / الإله والمرسل إليه المباشر / الرسول"ص" ، يقول هنا :
(قدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ.).144.
في هذه الآية تتحدد خصائص التواصل حسب الصورة التالية :
-1- المرسل :يتضمنها السياق النصي التالي : (إذ نرى) .
يصبح المتكلم هو الإله المحدد بضمير الجماعة الدالة على اسم الجلالة.
-2- المرسل إليه : الرسول"ص" : (تقلب وجهك) .
هنا سنصبح أمام المرسل إليه المحدد في ضمير المخاطب المفرد.
-الموضوع العام : تقلب وجه الرسول"ص".
في هذه الآية تتحدد عوامل التواص بعدة علامات أحددها كما يلي :
-عامل التواصل الأول : المرسل المركزي: الإله المحدد في ضمير المتكلم الجماعي : ( نرى).الضمير الدال على الخالق.
-عامل تواصل مفرد محدد في فعل قل : الآمر بفعل القيام( الأنا الإلهية المفردة.كما هو الأمر في فعل( فلنوليك).( فول..)
-عامل تواصل محدد بضمير الغائب : أنه الحق من ربهم/ كلمة ربهم دالة على العامل المرسل. وأيضا نفس المعنى يتمظهر في كلمة ( وما الله..).
نفس الشيء يقال على عامل التواصل الثاني / المرسل إليه المركزي/ الرسول"ص".يحدد بالتمظهرات التالية :
- يظهر بشكل منادى مباشر : تقلب وجهك./ كما في كلمة (فلنولينك) .
-كما يظهر كطرف في المخاطب الجماعي : ( حيث ما كنتم... ليعلمون....).هنا سيصبح الرسول جزء من الجماعة المعنية في الضمير الجماعي.لأن الموضوع في كليته موجها لكل المخلوقات وما الرسول"ص" إلا طرف منهم.
-نسجل هنا تعدد الرسائل في حين الموضوع واحد :
-الرسالة الأولى : تقلب وجه الرسول"ص" (قلق وحيرة) .
-الرسالة الثانية :تحديد وجهة القبلة.
- الرسالة الثالثة : الإقرار بأن كلام الله كله هوالحق بما في الكلمة من معنى.
الرسالة الرابعة : المجال العام يتحدد في أن الله يعلم كل شيء.
أما الموضوع الأساسي يتحدد في :
- تغيير وجهة القبلة مادام أن علم الله يتجاوز كل العلوم.
ما سيأتي بعد هذه الآية إلى حدود الآية 157 سيتكلم كله وبتفصيل في مجالات هذه المواضيع بشكل دقيق ، ذاك ما سنراه في التحليل التالي :
يقوق في الآية : ( وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ.145.
هنا سيحدد تمرد أهل الكتاب على أوامر الله وطلبات الرسول ، وهي مسألة تحدد في ماقاله الخالق سابقا بكونه عليم بكل شيء.لتوضيح ذلك سنقف عند الآية :
(ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ (146) .
في هذه الآية سيطرح موضوع تمرد أهل الكتاب على تطبيق الأوامر الإلهية رغم معرفتهم بكل شيء، وتوصلهم بشكل جيد أن ما أمرهم به الله هو كلام الحق ، وما نهاهم عنه الرسول هو الموضوع الصائب. رغم كل ذلك يرفضون الأوامر الربانية بشكل واضح ، مما جعل طرفا منهم من المغضوب عليهم وطرفا آخر من الضالين.
أما عن كلام الله بأن (ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ .147).فذاك معناه أن الإله يظل رحيما بعباده طالبا منهم العودة إلى الحق / وعدم التمرد.
رغم كل ذلك ترك الإله المجال مفتوحا لعباده ، بأن يختاروا الوجهة الملائمة لكل واحد منهم ، طبعا بشروط محددة أساسها :
- أن المطيع من أهل الله.
- أن الرافض سيكون من أنصار الشيطان.
- لكل واحد منهما العاقبة التي تنتظره غدا يوم الذين.
هذا الخطاب هو الذي تحيل عليه الآية التالية :
(وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (148) ).
بعدا مباشرة سيتغير الضمير من الجماعة / المخاطبة أهل الكتاب ، إلى الضمير المفرد الذي يخاطب به الرسول "ص" بصيغة مباشرة محددا الوجهة التي يلزمه اإتباعها ، بصفتها أوامر عليا من الخالق ، الذي له القدرة المطلقة على القيام بكل شيء ، يقول :
(وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ (149) وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ.150.).
تحدد هذه علامات طبيعة العلاقة بين كل عوامل التواصل التي تسهم بصور متنوعة في بناء الدلالة في عمقها النهائي المتحول بشكل دينامي والذي لم يتوقف أبدا على طول الخطاب.
نلاحظ ،عندما يريد تحويل الموضوع يغير الضمير المنادى أو المخاطب ، فبتغيير الضمير المخاطب المفرد الذي يخص الرسول " ص" في الآية السابقة يأتي في الآية رقم 151 ليخاطب كافة الناس ( كما أرسلنا فيكم رسولا) هو تغيير دلالي يحدد طبيعة المواضيع التي تتشابك لبناء كلية نصية منسجمة ومتماسكة .
هنا تتحدد طبيعة العلاقات التي تربط كافة المخلوقات فيما بينها ، بناء على المرسل المركزي ، الذي ينجز رسالة بمعالم محددة وواضحة ، يعلم حيثياتها الخالق ، بصفته هو الفاعل في كل جزئيات الخطاب. فيصبح الرسول / المبعوث هو المنظم لكل هذه العلاقات ، لأنه يعلم الناس ، ما يعلمون وما لا يعلمون ، كل هذه الإشارات المتداخلة تحددها الآية التالية :
(كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ (151) .
النتيجة الطبيعية التي يمكن أن نخلص إليها بعد هذه التداخل بين كل هذه المكونات هو عودة الخالق إلى المخلوقات عامة طالبا منهم الاعتراف والاقتناع بموضوع الرسالة الربانية، لأن كل الآيات تدل على ما سبق ذكره ، لهذا جاءت الآية الموالية بناء على عامل التوالد لتحدد طبيعة هذه الخلاصة ، يقول الخالق في هذا المجال :
(فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ .152).
هذه الخلاصة ستجعل الخالق تغيير الوجهة نحو دلالة مغايرة يحددها طبيعة تعبير المخاطب بشكل جد مخصص ، لأنه سيتجه صوب المؤمنين التابعين والموالين لله ولرسوله ليزيد من توضيح ما يلزم القيام به لتقوية رسالتهم ، محددا المآل التي سيصلون إليها كجزاء لما يقومون به بتمسكهم بقضية النص المحوري / الإيمان ، تلك التي حددها كما يلي :
- ضرورة الاستعانة بالصبر لإتمام الرسالة.
- الذي يقاتلون في سبيل الله هم أحياء.
- ما الجوع والخوف ونقص الأموال ما هي إلا ابتلاء من الله لمعرفة مستوى صبر المؤمن.
- توجيه رسالة للرسول تخص تحديد موضوع ومجال البشرى للصابرين.
هذه العلامات المتلازمة هي التي أشارت إليها الآية التالية :
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ (154) وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ (155) ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ.).
بعد وقوفنا عند آيات هذا المقطع بالتحليل، حسب موقعها الترتيبي، يمكننا أن نخلص إلى الاستنتاجات التالية :
-1- مقطع يحدد التحول الدلالي بتحول الطرف المخاطب في كل آية.
-2- يتغير الموضوع بتغيير المخاطب .
-3التركيز على تناوب الضمائر كمؤشرات نصية تحدد طبيعة التحولات لكل عوامل التواصل ، التي تنجز رسائل مختلفة.
-4- تتعدد الرسائل في حين الموضوع هو واحد.
-5- يتحول كل عامل تواصل من قطب إلى آخر حسب الدور الدلالي المطالب بإنجازه.
-6- تعدد المرسلين وتعدد المرسل إليهم تتحكم فيه طبيعة الدلالة التي تستدعيها السياقات النصية.
الخلاصة : وجدت نفسي أمام خطاب يشتغل بشكل دينامي ، لا يتوقف على مستوى التحولات ، الهدف المرجعي هو إنجاز خطاب يصعب التحكم فيه.إلا المميز فيه هو أن كل تحول يلزم عدة مؤشرات نصية جديدة تستدعي التغيير الدلالي الجديد ، يتحقق كل هذا بناء على خاصيات السلاسة التي تسهم في البناء، كما تنجز خطابا بمظاهر هامة تتحكم فيها خصائص متنوعة ، منها عامل السهولة في بناء المعنى ، وتبليغ الخطاب ، طبعا بنهج تقنيات جمالية نصية تنجز دلالات ذات أبعاد جمالية مبهرة.
بعد وقوفي عند سورة البقرة ، في المقاطع السابقة ، بحثا عن عدة تمظهرات نصية فرضتها طبيعة اشتغال السياق بمحددات مختلفة ، سأنتقل إلى مقطع آخر جديد ، محددا بعدة آليات إجرائية ، لألامس كيفية اشتغال الدلالة وصيغ تمحورات الضمائر وتحولها لتعطينا خطابا ينمو ويبنى بجماليات متعددة.
يبتدئ المقطع الموالي من الآية رقم 142 :
(۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (142) .
وينتهي عند الآية رقم 157 :
) أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ (157) ۞).
قمت بتقطيع هذا المقطع بناء على عدة آليات إجرائية ، سأحددها حسب المستويات التالية :
-1- عامل الدلالة : المقطع ككل محدد في خاصية تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
-2- رغبة الرسول الملحة في هذا التغيير ، مع الاستجابة الإلهية .
-3 ثورة أهل الكتاب( اليهود والنصارى وعدم الانصياع للأوامر الإلهية.
شكلت هذه الخاصية الدلالية موضوعا مهما أهلنا في عزل المقطع دلاليا عن باقي المقاطع السابقة.
كما أن هناك عوامل أخرى ساهمت في لعبة التقطيع ، منها :
-1- عامل المكان : سيصبح المكان المحدد في المسجد الحرام الفضاء المكاني الجديد الذي يبني الدلالة في هذا المقطع الجديد.
-2- عامل الزمن : سنصبح أمام زمن جديد سيحدد في زمن ما بعد تجاوز المسجد الأقصى كزمن خاص مكانيا كقبلة لأهل الكتاب و أهل البيت .
كما سنعتمد على بعد المقولات الإثنانية في مجال التقطيع ، حسب التحديد التالي:
-1- ما بعد وماقبل: هنا سنتكلم عن ومابعد القبلة الأولى المحددة في المسجد الأقصى، ثم ما قبل اختيار المسجد الحرام كقبلة لأهلا الكتاب و أهل البيت.
هذا دون أن نغيب عوامل التواصل وعوامل السرد بصفتهما محددات مهمة ساهمت في عزل المقطع التالي عن باقي المقاطع السابقة.
سأدرس هذه البنيات بشكل مفصل في مقاربة خاصة لقراءة المتن القرآني/ سورة البقرة نموذجا.
1-. تمظهرات عوامل التواصل في هذا المقطع.
-العامل التواصلي الأول هو مرسل الرسالة : الإله الذي سيتمظهر بعدة تجليات.
1-1- تجلي أول : مرسل الرسالة.بتمظرات مختلفة :
1-2- ضمير الغائب : (سيقول السفهاء من الناس).
1-3- تمظهر ثان بضمير المتكلم : يخاطب المرسل إليه الأول الرسول'ص' بضمير مباشر / الأنا المتكلمة : "قل".
1-4- العامل التواصلي الثاني الذي سيتحدد بصفة المرسل : السفهاء/ أهل الكتاب( النصارى واليهود).
1-5- سيتمظهرالعامل بصفة المتكلم الجماعي ، اعتمادا على ضمير المرسل الغائب : سيقول.
-2- عامل التواصل الثاني : الرسول "ص" بصفته المخاطب المباشر الأولي .هو الآخر سيتحدد بعدة تمظهرات ، سأحددها كما يلي :
-1- مرسل إليه غير مباشر : ( سيقول السفهاء..).الخطاب موجه للرسول "ص" أولا.
-2-كما سيتحدد بصفته مرسل إليه مباشر :" قل.".
3- مرسل إليه ثان يتحدد في أهل الكتاب / اليهود والنصارى : المخاطبين بضمير الغائب : سيقول أهل الكتاب.
-4- عامل تواصل مرسل إليه ثالث : ( هم) المعني هو أهل البيت .
لأن النص القرآني موجه للجميع.
5- عامل تواصل مرسل إليه رابع هو البشرية كافة : لأن المعني في الخطاب القرآني هم البشرية كلها.
لهذا جاء الخطاب محددا بشكل عام في بعض الآيات منها :
(كَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ (143) ).
في هذه الآية تتحدد جميع الخصائص الخطابية التي تكلمنا عنها سابقا والتي سنحددها كما يلي :
المرسل : الإله : (جعلنا.).
المرسل إليه الأول جامع بين الطبقتين ( أهل الكتاب وأهل البيت ):جعلناكم أمة وسطا ( من يتبع الرسل)+ ( أهل الكتاب ( من ينقلب عليه).
المرسل إليه الثاني : الرسول .
موضوع الرسالة : هداية الله+ بصفته رؤوفا و رحيما.
فيصبح موضوع الهداية موزعا في ثلاثة خصائص محورية :
-1- الخاصية الأولى : الله هو الهادي.
-2- الخاصية الثانية : الله هو من يضيع إيمانهم.
-3 الخاصية الثالثة : الجمع بين الخاصيتين السابقتين في تيمة أن الله : رؤوف و رحيم.
كل هذه البناءات الخطابية تجعلنا نشتغل على خطاب متمفصل بشكل جد عميق ، يعتمد على محاور متعددة تسهم بشكل بنائي في بناء الدلالة بدينامية لم ولن تتوقف أبدا على طول المسار السردي في سورة البقرة/ موضوع الدراسة.
مباشرة ينقطع هذا التعدد في تداخل عوامل التواصل ليصبح الموضوع محصورا بين المرسل الحقيقي / الإله والمرسل إليه المباشر / الرسول"ص" ، يقول هنا :
(قدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ.).144.
في هذه الآية تتحدد خصائص التواصل حسب الصورة التالية :
-1- المرسل :يتضمنها السياق النصي التالي : (إذ نرى) .
يصبح المتكلم هو الإله المحدد بضمير الجماعة الدالة على اسم الجلالة.
-2- المرسل إليه : الرسول"ص" : (تقلب وجهك) .
هنا سنصبح أمام المرسل إليه المحدد في ضمير المخاطب المفرد.
-الموضوع العام : تقلب وجه الرسول"ص".
في هذه الآية تتحدد عوامل التواص بعدة علامات أحددها كما يلي :
-عامل التواصل الأول : المرسل المركزي: الإله المحدد في ضمير المتكلم الجماعي : ( نرى).الضمير الدال على الخالق.
-عامل تواصل مفرد محدد في فعل قل : الآمر بفعل القيام( الأنا الإلهية المفردة.كما هو الأمر في فعل( فلنوليك).( فول..)
-عامل تواصل محدد بضمير الغائب : أنه الحق من ربهم/ كلمة ربهم دالة على العامل المرسل. وأيضا نفس المعنى يتمظهر في كلمة ( وما الله..).
نفس الشيء يقال على عامل التواصل الثاني / المرسل إليه المركزي/ الرسول"ص".يحدد بالتمظهرات التالية :
- يظهر بشكل منادى مباشر : تقلب وجهك./ كما في كلمة (فلنولينك) .
-كما يظهر كطرف في المخاطب الجماعي : ( حيث ما كنتم... ليعلمون....).هنا سيصبح الرسول جزء من الجماعة المعنية في الضمير الجماعي.لأن الموضوع في كليته موجها لكل المخلوقات وما الرسول"ص" إلا طرف منهم.
-نسجل هنا تعدد الرسائل في حين الموضوع واحد :
-الرسالة الأولى : تقلب وجه الرسول"ص" (قلق وحيرة) .
-الرسالة الثانية :تحديد وجهة القبلة.
- الرسالة الثالثة : الإقرار بأن كلام الله كله هوالحق بما في الكلمة من معنى.
الرسالة الرابعة : المجال العام يتحدد في أن الله يعلم كل شيء.
أما الموضوع الأساسي يتحدد في :
- تغيير وجهة القبلة مادام أن علم الله يتجاوز كل العلوم.
ما سيأتي بعد هذه الآية إلى حدود الآية 157 سيتكلم كله وبتفصيل في مجالات هذه المواضيع بشكل دقيق ، ذاك ما سنراه في التحليل التالي :
يقوق في الآية : ( وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ.145.
هنا سيحدد تمرد أهل الكتاب على أوامر الله وطلبات الرسول ، وهي مسألة تحدد في ماقاله الخالق سابقا بكونه عليم بكل شيء.لتوضيح ذلك سنقف عند الآية :
(ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ (146) .
في هذه الآية سيطرح موضوع تمرد أهل الكتاب على تطبيق الأوامر الإلهية رغم معرفتهم بكل شيء، وتوصلهم بشكل جيد أن ما أمرهم به الله هو كلام الحق ، وما نهاهم عنه الرسول هو الموضوع الصائب. رغم كل ذلك يرفضون الأوامر الربانية بشكل واضح ، مما جعل طرفا منهم من المغضوب عليهم وطرفا آخر من الضالين.
أما عن كلام الله بأن (ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ .147).فذاك معناه أن الإله يظل رحيما بعباده طالبا منهم العودة إلى الحق / وعدم التمرد.
رغم كل ذلك ترك الإله المجال مفتوحا لعباده ، بأن يختاروا الوجهة الملائمة لكل واحد منهم ، طبعا بشروط محددة أساسها :
- أن المطيع من أهل الله.
- أن الرافض سيكون من أنصار الشيطان.
- لكل واحد منهما العاقبة التي تنتظره غدا يوم الذين.
هذا الخطاب هو الذي تحيل عليه الآية التالية :
(وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (148) ).
بعدا مباشرة سيتغير الضمير من الجماعة / المخاطبة أهل الكتاب ، إلى الضمير المفرد الذي يخاطب به الرسول "ص" بصيغة مباشرة محددا الوجهة التي يلزمه اإتباعها ، بصفتها أوامر عليا من الخالق ، الذي له القدرة المطلقة على القيام بكل شيء ، يقول :
(وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ (149) وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ.150.).
تحدد هذه علامات طبيعة العلاقة بين كل عوامل التواصل التي تسهم بصور متنوعة في بناء الدلالة في عمقها النهائي المتحول بشكل دينامي والذي لم يتوقف أبدا على طول الخطاب.
نلاحظ ،عندما يريد تحويل الموضوع يغير الضمير المنادى أو المخاطب ، فبتغيير الضمير المخاطب المفرد الذي يخص الرسول " ص" في الآية السابقة يأتي في الآية رقم 151 ليخاطب كافة الناس ( كما أرسلنا فيكم رسولا) هو تغيير دلالي يحدد طبيعة المواضيع التي تتشابك لبناء كلية نصية منسجمة ومتماسكة .
هنا تتحدد طبيعة العلاقات التي تربط كافة المخلوقات فيما بينها ، بناء على المرسل المركزي ، الذي ينجز رسالة بمعالم محددة وواضحة ، يعلم حيثياتها الخالق ، بصفته هو الفاعل في كل جزئيات الخطاب. فيصبح الرسول / المبعوث هو المنظم لكل هذه العلاقات ، لأنه يعلم الناس ، ما يعلمون وما لا يعلمون ، كل هذه الإشارات المتداخلة تحددها الآية التالية :
(كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ (151) .
النتيجة الطبيعية التي يمكن أن نخلص إليها بعد هذه التداخل بين كل هذه المكونات هو عودة الخالق إلى المخلوقات عامة طالبا منهم الاعتراف والاقتناع بموضوع الرسالة الربانية، لأن كل الآيات تدل على ما سبق ذكره ، لهذا جاءت الآية الموالية بناء على عامل التوالد لتحدد طبيعة هذه الخلاصة ، يقول الخالق في هذا المجال :
(فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ .152).
هذه الخلاصة ستجعل الخالق تغيير الوجهة نحو دلالة مغايرة يحددها طبيعة تعبير المخاطب بشكل جد مخصص ، لأنه سيتجه صوب المؤمنين التابعين والموالين لله ولرسوله ليزيد من توضيح ما يلزم القيام به لتقوية رسالتهم ، محددا المآل التي سيصلون إليها كجزاء لما يقومون به بتمسكهم بقضية النص المحوري / الإيمان ، تلك التي حددها كما يلي :
- ضرورة الاستعانة بالصبر لإتمام الرسالة.
- الذي يقاتلون في سبيل الله هم أحياء.
- ما الجوع والخوف ونقص الأموال ما هي إلا ابتلاء من الله لمعرفة مستوى صبر المؤمن.
- توجيه رسالة للرسول تخص تحديد موضوع ومجال البشرى للصابرين.
هذه العلامات المتلازمة هي التي أشارت إليها الآية التالية :
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ (154) وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ (155) ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ.).
بعد وقوفنا عند آيات هذا المقطع بالتحليل، حسب موقعها الترتيبي، يمكننا أن نخلص إلى الاستنتاجات التالية :
-1- مقطع يحدد التحول الدلالي بتحول الطرف المخاطب في كل آية.
-2- يتغير الموضوع بتغيير المخاطب .
-3التركيز على تناوب الضمائر كمؤشرات نصية تحدد طبيعة التحولات لكل عوامل التواصل ، التي تنجز رسائل مختلفة.
-4- تتعدد الرسائل في حين الموضوع هو واحد.
-5- يتحول كل عامل تواصل من قطب إلى آخر حسب الدور الدلالي المطالب بإنجازه.
-6- تعدد المرسلين وتعدد المرسل إليهم تتحكم فيه طبيعة الدلالة التي تستدعيها السياقات النصية.
الخلاصة : وجدت نفسي أمام خطاب يشتغل بشكل دينامي ، لا يتوقف على مستوى التحولات ، الهدف المرجعي هو إنجاز خطاب يصعب التحكم فيه.إلا المميز فيه هو أن كل تحول يلزم عدة مؤشرات نصية جديدة تستدعي التغيير الدلالي الجديد ، يتحقق كل هذا بناء على خاصيات السلاسة التي تسهم في البناء، كما تنجز خطابا بمظاهر هامة تتحكم فيها خصائص متنوعة ، منها عامل السهولة في بناء المعنى ، وتبليغ الخطاب ، طبعا بنهج تقنيات جمالية نصية تنجز دلالات ذات أبعاد جمالية مبهرة.