محمد بشكار - لنا في القصيدةِ بيتٌ و في المغرب دارٌ للشِّعر..!

محمد بشكار

كبُرَ البيْتُ في القصيدة و ليس المؤسسة فقط، ليصير داراً للشِّعْر في المغرب مقرُّها مدينة تطوان، بطوابق فسيحة لا تُطبقُ على الأنفاس، و لا تحتاج أن يكتبها امرؤ القيس كي تكون مُعلَّقةً بالأمل في أفئدتنا نحن الشعراء المغاربة الذين هرمنا و لمَّا نزل في ذروة الشباب كي نصوغ بالكلمات سَكَناً بحجم السماء يسع حلمنا في غدٍ أجمل للإبداع الشعري، و لكن يبدو أن التهريب في زمننا شَمَلَ حتى البيوت في القصيدة؛ فثمَّةَ من اختطف في البيت الباب ليدخل و يخرج من الكلام لوحده مُنصِّبا لسانه ناطقا بالألسنة غير الخرساء لكل الشعراء الأحياء والأموات إلى آخر الدعاء، و لا ينسى أن يختطف مع باب بيتنا الشِّعري العتبة لتعينه على سياسة العرقلة كلما اتَّضح في شاعر زَيْغٌ إلى سُبُلٍ قد تمضي بطموحها البعيد إلى ما قد يمُسُّ بمصالحه الشخصية الأضيق من تذكرة سفرٍ في الجيب إلى أقرب بلد قد تصله الطائرة مشياً على الأقدام..!
و ثمَّة من ليس بحكمة الحمار لينوء بالأسفار في دماغه، و لكنه يستطيع أن يُهرِّبَ على كاهله جداراً من البيت، و يمضي قَصِيّاً في إرضاء نزواته الذاتية في التلميع و التمييع دون أن يعتكز ساريةً أو اثنتين تستر شللهُ البادي للعريان في كتابة الشِّعر؛ سرقوا بيتنا في القصيدة و لم يتركوا لنا سقفاً أو نافذة، و لكن يبدو أن الله لا يُغلقُ باباً حتى يفتح آخر أرحب في دار للشعر المغربي، الذي نتمنى أن يُمثِّل هذا الجنس الأدبي الذي لا جنسية له باعتباره إنسانياً و عالمياً، بوطنية صادقة تُجمِّعُ بين الشعراء المغاربة الحقيقيين و الأصيلين و لا تُفرِّقُهُم بتغليب العنصر الطفيلي الذي يأكل بالسوسة بذرة أي مشروع شعري قبل أن تصير نواةً في ثمرة فبالأحرى أن تسبق شجرتها الطيبة بزهرة تُبَشِّرنا بغلَّة شِعْرٍ عميم..!
حقّاً استبشرنا خيراً و شِعراً و نحن ننظر صباح الجمعة 26 فبراير 2016 لوزير الثقافة السيد محمد الأمين الصبيحي يُرصِّع بالتوقيع على مذكِّرة تفاهم بين الوزارة المغربية و دائرة الثقافة و الإعلام بإمارة الشارقة، أول لبنةٍ لإنشاء دار الشعر في المغرب، و هو بهذا الصنيع الجليل إنما يضع أول حرفٍ في قصيدة تعوَّدْنا تدبير كتابتها بما أوتينا من خيالٍ جامح، و لكنها هذه المرة من تأسيس أكبر جهازين داعمين للثقافة هما الوزارة المغربية و الدائرة الإماراتية، لتغدو الكتابة في هذا الأفق الشعري على أرض الواقع..!
نريدُ داراً تجمع بين حُسنيي الإدارة و الضيافة في بعدها المغربي الأصيل؛ الإدارة التي تستبعد كل محسوبية و زبونية و هي تُسطر بالخط النابع من القلب و العقل متوازنا و مستقيما و ليس بنصف دائرةٍ ضيقة، برامج لأماسي الشعر و تكريماته و مهرجاناته و جوائزه و إصداراته التي تتسع للديوان و النقد و الترجمة، و إقاماته في البلد و خارجه و ورشاته؛ على أن تخص هذه البرامج الشاعر الذي هو شاعر حقيقي و ليس ممن ينتسب للشعر قسراً بمجموعة ورقية أصدرها على نفقته الخاصة إشباعاً لجشع ناشر؛ أما حُسن الضيافة التي يجب أن يهيء دار الشعر في المغرب أجواءها الحضارية، فتتجلى في الإعتناء بالشاعر من حيث كل حقوقه التي تكفل له وضعاً اعتبارياً في بلده يساعده على الإبداع الذي لا تنطفىء ذبالته قبل الأوان، و حين يَمْثُلُ في بلدان الغير سفيراً للشعر المغربي بحقيبةٍ غير مثقوبة..!
نريدُ داراً تبقى مفتوحة في أبوابها و هواتفها و بريدها الإلكتروني 24/24 ساعة، لأن الشعر و هو يشتغل على الحياة، لا يحتاج موعدا لاستقبال الحالات الطارئة..!
نريدُ داراً تعترف بالشاعر المغربي ابناً من صُلب و ترائب الأساس الذي يُرسِّخ بنيان تراثنا الشعري و يشمخُ به بين الأمم منيفاً، كي يستطيع أن يعترف بنفسه دون أن يُهدِّم عزيمته أحدُ الأدعياء من مهتبلي الفُرص، و يرفع قصيدة بلده بثقة عالية؛ نريد داراً تُعيد لذاكرتنا الشعرية المغربية رشدها، دون أن تحمل في الباب المُشرع على الكون، رقماً إلى جانب اسم الزقاق، ليصير الشعراء جميعا مجرد عنوان بريدي في بطاقة تعريف أو رقم حساب في بطاقة بنكية مدسوسة بجيب أحدهم لا يُخرجها إلا لمآرب شخصية..!
لن أحلم أبعد من الوسادة التي عودتنا النوم سحيقا عبر العصور، و أقول بعنوان ديواني الذي أصدرته رابعاً "عبثاً كم أريد.."، ولكنني سأبقى بين الحلم و اليقظة و كُلِّي أملٌ أن لا يتسرَّب كابوسٌ يئد هذا المولود في مهده، و يعود بشعرائنا إلى عراءٍ بعدما وجدوا في دار الشعر بالمغرب سقفا آخر يأوي عزلتهم القاسية عِوض سقف السماء ..!


( افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 3 مارس 2016)





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...