د. أحمد الحطاب - التَّوسُّع كمفهوم سياسي استراتيجي

التَّوسُّع يمكن أن يكون جغرافيا، كما يمكن أن يكونَ معنويا (فكرياً). فإذا كان جغرافيا، فمعناه أن بلدا من البلدان، بحُكم قوته العسكرية أو الاقتصادية، تجاوز حدوده الجغرافية ليبسطَ نفوذَه أو سيطرتَه على رقعةٍ أرضية لا يملكها قانونيا. أو بعبارةٍ أخرى، ليحتلُ رقعةً أرضية بالقوة. وخير مثالٍ يمكن سياقُه في هذا الصدد، هو التوسُّع الاستعماري الغربي (الكلونيالي) l'expansion coloniale occidentale التي بدأت في القرن التاسع عشر وانتهت في النصف الثاني من القرن العشرين.

أما إذا كان التَّوسُّع معنويا، فالهدفُ منه هو أن بلداً من البلدان يريد أن يبسطَ نفوذاً فكرياً une influence intellectuelle على عقليات mentalités ناس آخرين ينتمون لبلد آخر أو لبلدانٍ أخرى. أو بعبارةٍ أخرى، جعل هذه العقليات تميل إلى تبنِّي هذا النفوذ الفكري الذي قد يكون سياسيا أو عقائدياً أو اجتماعيا أو ثقافيا أو اقتصادياً… وخير مثال يمكن سياقُه، في هذا الصدد، هو النظرية الماركسية la théorie marxiste التي، كتيارٍ فكري، انتشرت خلال القرن التاسع عشر، والتي تبنتها كثيرٌ من قيادات البلدان، وخصوصا، البلدان السائرة في طريق النمو أو ما كان يُسمى، آنذاك، بالعالم الثالث" le tiers monde، والتي أسفرت عن أنظمة حكمٍ اشتراكية أو شيوعية des systèmes de gouvernement socialistes ou communistes.

أما ما يُسمى ب"الاستراتيجية"، فهي القدرة على تنسيق الأفعال coordonner les actions للقيام بمٌناورات ذكية des manœuvres intelligentes لتحقيق هدف من الأهداف. والمناورات يمكن أن تكونَ عسكريةً أو سياسيةً أو اقتصاديةً أو ثقافيةً أو عقائديةً أو أخلاقيةً… وهذا يعني أن كل تيار فكري له استراتيجية خاصة به، ينشر من خلالِها، أفكارَه بين الناس.

ورحوعاً إلى عنوان هذه المقالة، أي "التَّوسُّع كمفهوم سياسي استراتيجي" خير مثالين يمكن سياقهما، في هذا الصدد، هما إسرائيل وإيران.

إسرائيل هدفُها الاحق هو التَّوسُع الجغرافي. واستراتيجيتُها لتحقيق هذا التوسُّع، هو احتلال أراضي البلدان المُجاورة بالقوة. وقد شرعت في تحقيق هذا التوسُّع الجغرافي باحتلالها للأراضي الفلسطسنية سنة 1948، وخصوصا، بعد حرب 1967. وهي اليوم موجودة فعليا في جولان سوريا وفي جنوب لبنان. وقد كانت موجودة في سيناء مصر. وما حرب الإبادة التي تشنها على قطاعِ غزة، إلا جزءٌ من هذه الاستراتيجية.

أما إيران، فهي الأخرى تسعى إلى التوسُّع، لكن التوسُّع الفكري الديني، أي تسعى إلى بسط نفوذِها فكريا على عقليات الناس في بلدان أخرى، أي تغيير هذه العقليات لجعلِها تؤمن بالتَّوجُه العقائدي الإيراني المبني على التشيُّع، أي على ما يعتقد القادة الإيرانيون الدينيون أنه الإسلام الصحيح. واعتقادُهم هذا هو الذي جعلهم يقدِّسون ما يُسمونه الأئمة الإثنى عشر، بدأً بعلي بن أبي طالب وانتهاءً بالمهدي الذي يعتقدون أنه اختفى وسيعود في آخِرِ الزمان ليُصلح أمور الناس، وهو المهدي المنتظر. واعتقادُهم هذا هو الذي جعلهم، كذلك، يدخلون في صراعٍ دائمٍ مع الإسلام السُّني.

وقد نجحت شيئا ما إيران في نشر نفوذها الفكري العقائدي في بلدانٍ عربيةٍ إسلامية كاليمن والبحرين وسوريا ولبنان والعراق. وفي الحقيقة، نشر أو انتشار النفوذ الفكري العقائدي ليس إلا ذريعة تتخذها إيران لبسط نفوذِها الجيوسياسي l'influence géopolitique على أوسع نطاق le plus largement possible، وبالأخص، في منطقة الشرق الأوسط. واستراتيجية إيران لنشر نفوذِها الجيوسياسي، تعتمد على وجود جاليات شيعية، على الأقل، في البلدان الخمسة المُشار إليها أعلاه.

ونتيجةً لهيمنة الاتجاه الفكري العقائدي، فإن الدولة الإيرانية لها رأسان. رأسٌ فكري عقائدي مُهيمِن يجمع بين السياسة والدين وهو المُسيِّر الحقيقي للبلاد، علما أن هذا التيار جسَّده آيةُ الله الخُميني ابتداءً من سنة 1979، ويُجسِّده، حاليا، آية الله الخامنائي. ورأس سياسي يتمثَّل في رئاسة الجمهورية الإيرانية، علما أن رئيس الجمهورية يمكن أن يكونَ مُحافِظا، أي له نفس الاتجاه الفكري العقائدي المهيمِن. كما يمكن أن ينتميَ للتيار الإصلاحي le courant réformateur علما أن الكلمةَ السائدة والأخيرة يمتاز بها الرأس المهيمِن.

وحتى إسرائيل اعتمدت وتعتمد، في احتلالِها لأرض فلسطين، على التيار الفكري الصهيوني الذي يعتقد، اعتقادا راسِخا، بأنه يوجد رابطٌ تاريخي وعقائدي بين الشعب اليهودي le peuple juif وأرض فلسطين التي يعتبرها هذا التيار الفكري الصهيوني الأرضَ الموعودة la terre promise. والأرض الموعودة، أو الأرض المقدَّسة، هي أرض "كنعان" التي وَعَدَ الله، سبحانه وتعالى، نبيَّه إبراهيم وذرِّيتَه، كما وَرَدَ ذلك في التوراة وفي القرآن الكريم.

وكيفما كان الحال، سواءً تعلَّق الأمرُ بإسرائيل أو بإيران، فإن كل ما هو عقائدي تحوَّل إلى سياسي محض يتمثَّل في توسُّعٍ إما جغرافي وإما توسُّع فكري عقائدي على حساب الغير. يبقى الفرقُ بين استراتيجيتين، الأولى الإسرائيلية تعتمد على قوة السلاح لضمان توسُّعِها الجغرافي. أما الثانية الإيرانية، فتعتمِد على أدرعٍ شيعية موجودة، على الأخص، في بلدان الشرق الأوسط.

والتوسع، سواءً كان جغرافيا أو فكريا ليس حكرا على هاتين الدولتين. بل الحرب الأوكرانية الروسية ليست إلا مظهرا من مظاهر ما تبقى من النفوذ الشرقي السوفياتي الذي يتصارع، فكريا، مع العالم الغربي المُتكتِّل عسكريا، من خلال حلف "الناتو". فما يراه العالم الشرقي خيرا، يراه العالم الغربي شرا. وما يراه العالمُ الغربي خيرا، يراه العالم الشرقي شرا، وهكذا، إلى أن يرِث الله، سبحانه وتعالى، الأرضَ ومَن/ما عليها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...