د. أحمد الحطاب - الحوار الإلهي الرائع

عندما نقول : "هذا الشيءُ رائع"، فالمقصود هو أن هذا الشيءَ يُبهِرُ البصرَ أو السمع، أو بعبارةٍ أخرى، أن هذا الشيءَ يثير الإعجابَ والتَّنويه. والإعجابُ يحدث عندما يشعر الإنسانُ بقدرٍ من السرور والفرح عندما تُبصِر عيناه شيئا جميلاً. والتنويه يحدث عندما يحظى شيءٌ من الأشياء بالإشادة والتقدير. والشيءُ الجميل أو المُنوَّه به، هو شيءٌ يُثلِج الصدرَ أو نقول إنه العدو مُستَحسن.

والشيءُ المُستحسنُ يمكن أن ينتَميَ إلى عالم الإبداع والفن. حينها، كم من مرَّةٍ، قلنا ونقول وسنقول إن هذه "المسرحية رائعة" أو إن هذه "القطعة الموسيقية أو الأغنية رائعة" أو إن هذه "القصيدة الشِّعرية رائعة". والشيءُ المُستحسن قد ينتمي إلى دنيا الأخلاق، فنقول "فلانٌ أخلاقه رائعة". وقد ينتمي الشيءُ المُستحسنُ إلى عالم الفكر، فنقول "إنتاجٌ فكري رائع".

لكن، حسب ما جاء في عنوانِ هذه المقالة، ما يستحق الروعةَ، ومن خلالها، الإعجابَ والتَّنويهَ والاستِحسانَ، هو الحِوارُ. والحِوار هو الحديث الذي يدور بين شخصين أو بين جماعة من الأشخاص. لكن، دائما حسب عنوان هذه المقالة، الحوار هنا، هو حوارٌ إلهي، أي أن الله، سبحانه وتعالى، أقام حواراً مع طرفٍ آخر. فمَن هو هذا الطرف الآخر؟

جوأباً على هذا السؤال، أي "فمَن هو هذا الطرف الآخر"، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، أقامَ، فعلاً حوارات مع أطرف أخرى. من بين الأطراف التي أقام عزَّ. جلَّ حوارات معها، أذكر، على سبيل المثال، الملائكة وإبليس. وفيما يلي، سأركِّز مقالتي، أولا، على الحوار الذي دار بين الله، سبحانه وتعالى، والملائكة، ثانيا، على الحوار الذي دار بين الله، سبحانه وتعالى، وإبليس.

فيما يخصُّ الحوار الأول الدائر بين الله، سبحانه وتعالى، والملائكة، قال، سبحانه وتعالى، لهم، أي للملائكة، في الآية رقم 30 من سورة البقرة : "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة، 30). فكيف دارَ هذا الحِوارُ ولماذا هو رائع؟

في هذه الآية، الحِوارُ دارَ بين الله، سبحانه وتعالى، وبين الملائكة الذين خلقهم من نور. ومن مهامهم، حمل الرسالات الإلهية وعبادة الله وطاعته، أي الامتثال لأوامِرِه. وخَلقُ الملائكة دليلٌ قاطعٌ على القدرة الإلهية. وهو الذي يقول في الآية رقم 117 من سورة البقرة : "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ".

فكيف لإلهٍ بهذه القدرة الخارقة في الخلق والعظمة الامُتناهية، أن يُعطيَ الفرصةَ للملائكة، وهي مخلوقات خُلِقَت من أجل عبادة الله وطاعة أوامره ولا شيءَ غير الطاعة، للدخول في حوارٍ مع الله"؟ بل إن كلامَ الملائكة في الآية رقم 30 من سورة البقرة، المشار إليها أعلاه، فيه شيءٌ من التساؤل الجرِّيء، أي الصريح وفيه شيءٌ من الشجاعة الكلامية والاعتراض.

كان، من المفروض، أن الملائكة، كمخلوقات أوجدَها اللهُ، سبحانه وتعالى، من أجل عبادته وطاعتِه، أن لا تواجهَ اللهَ، عزَّ وجلّ، بهذه الطريقة الحِوارية الجِرِّيئة. فهل سخط، سبحانه وتعالى، على الملائكة؟ فهل غضب منهم؟ وهل توعَّدهم بجهنَّمَ؟ وهل وصفهم بالكُفر أو بعدم طاعته؟ وهل أبدى، سبحانه وتعالى، ميولاً لجهةٍ دون أخرى؟ هل لامَ الملائكة على اعتراضهم لإرادته؟ فهل أبدى، سبحانه وتعالى، شيئا من التَّّعصب؟ لا، ثم لا، ولا شيءَ من هذا حدث!

بل قال : "...قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ". فهل هناك حوارٌ رائعٌ دار بين خالٍقٍ قدرتُه لامُتناهِية في الخلق، القادر على خلق الأشياء من عدمٍ ومن ما هو موجود، وبين مخلوقات (الملائكة) لا حول ولا قوَّةَ لها؟ وخصوصا أن الملائكة، في نفس السياق، عبَّروا عن تواضعِهم العلمي حيث اعترفوا، من خلال الآية رقم 32 من سورة البقرة، بأن علمَهم ينحصر فيما أتاحَه لهم اللهُ، سبحانه وتعالى، من علمٍ : "قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ". بل، عوض أن يُوجِّهَ لهم اللومَ ويُبدِي غضبَه إزاءهم، أتاح، عزَّ وجلَّ، الفرصةَ للملائكة لمُواصَلة الحوار.

وفيما يخصُّ الحوارَ الثاني، الدَّآئِر بين الله، سبحانه وتعالى، وإبليس أو الشيطان ، قال، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 12 من سورة الأعراف : "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ". فكيف دار هذا الحوارٌ ولماذا هو رائعٌ؟

قبل الجواب على هذا السؤال، لا بدَّ من التَّوضيح التالي. حسب الدين الإسلامي، إبليس هو الشيطان. وهو تجسيد لجميع الشرور، أي هو الرمز الدنيوي للشر. وحسب القرآن الكريم الكريم، إنه العدو الأول للإنسان، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" (البقرة، 168).

في هذه الآية الكريمة، كلام الله موجَّهٌ للناس جمبعا، أي للبشرية جمعاء. يأمرهم، بغض النَّظر عن معتقداتِهم الدينية، بأن يستمتِعوا بما هو حلال طيب في الدنيا، وفي نفس الوقت، يُحدِّرهم من اتِّباع أهوائهم، أي ما يُوسوِس لهم الشيطان به. حينها، يتبادر لذهنِ العُقلاء سؤالٌ يفرض نفسَه علينا هنا، نحن البشر، وهو : كيف لله أن يُجرِيَ حِوارا مع إبليس/الشيطان، وهو رمزٌ للشر والإغواء والوسوسة؟

رغم هذه الصفات الذميمة، فالله، سبحانه وتعالى، أجرى حواراً مع إبليس، نلمسه من خلال الآيات التالية من سورة الأعراف : "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (الأعراف، 12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (الأعراف، 13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (الأعراف، 14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (الأعراف، 15).

أنه، فعلا، حوارٌ رائع. وروعتُه تكمن في إعطاء الفرصة لإبليس ليُدليَ بأجوبتِه كما يريد. فهل تضايقَ، سبحانه وتعالى، من أجوبة أبليس؟ وهل أبدى شيئا من التعصُّب والغضب؟ لا، بل ترك له الفرصةَ للتعبير عن نفسِه. بل الله، عزَّ وجلَّ، استجاب لطلب إبليس المتمثِّل في أن يُبقِيَه موجوداً ضإلى يوم القيامة (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ). فكان له ذلك (قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ). فهل هناك تسامحٌ إلهي أكثر من هذا؟

فعلاً، إنها قمَّة التسامح الإلهي، سواءً في الحوار الأول الذي دار بين الله، عزَّ وجلَّ، والملائكة أو في الحوار الثاني الذي دار بين الله، سبحانه وتعالى، وإبليس. في الحوار الأول، قمة أو روعة التسامح الإلهي تتجلَّيان في كونه خلقَ الملائكةَ ليعبدوه ويُطٍيعوا أوامرَه، ورغم هذه الخاصية، أعطاهم الفرصةَ للتَّعبير عن ما لهم فيه رأيٌ. في الحِوار الثاني، قمة أو روعة التسامح الإلهي تتجلَّبأن في كون أبليس رمزا للشر، ورغم هذه الخاصية، أعْطاه الفرصةََ للتَّعبير عن ما له فيه رأي.

والتسامح الإلهي مُعبَّرٌ عنه في كثير من آيات القرآن الكريم. وأهم هذه الآيات تلك التي يبيِّن فيها للناس أنه غفور رحيم، ورءوفٌ بالعباد. من بين هذه الآيات، أذكر، على سبيل المثال :

1،"إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا" (النساء، 116).

في هذه الآية الكريمة، الله، سبحانه وتعالى، يعتبر الشركَ من أكبر الكبائر، أي من أعظم الذنوب. لكنه مستعِدٌّ ليغفرَ للناس ذنوبَهم الأخرى. وما يثير الانتباهَ، في هذه الآية الكريمة، هو أن فعلَ "يَغْفِرُ" مصاغٌ في المضارع. وهذا يعني إن استعدادَ الله، عزَّ وجلَّ، لمغفرة الذنوب لا يتوقف، حاضراً ومستقبلاً. أليس هذا تسامحٌ إلهي رائع؟

2."أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحج، 65).

في هذه الآية الكريمة، كلام الله، سبحانه وتعالى، موجَّهٌ للناس جميعا، وليس لفئةٍ من الناس دون أخرى. بمعنى أن الرأفةَ الإلهية تشمل جميع الناس، بغض النظر عن معتقداتِهم الدينية. وحسب القواميس والمعاجم العربية، الرأفة هي قمة الرحمة، أو رحمةٌ مبالغٌ فيها.

وفي الختام، التسامح والرأفة والرحمة… صفاتٌ إلهية تدل، دلالةً قطعية، أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يريد الخير لعباده. وهذا هو ما نلمسه عندما نقرأ كثيراً من آيات القرآنَ الكريمَ، من أول سورةٍ إلى آخِرِ سورةٍ منه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...