علجية عيش - الصفر الذي أرهق الفلاسفة ( بين مالك بن نبي و مهدي عامل)

حين يُعْتَقَلُ الفكر يتوقف الزمن
----------------------------------
ما إن فتحت حسابي صادفتني ذكرى عيد ميلاد أحد الأصدقاء و هو إطار جامعي ( مخبري) إنه الدكتور (م، د) معتقل سياسي، احتفلت إدارة الفسبوك بعيد ميلاده أمس و قد غمرتني الفرحة ، ظننتُ أنه تم إطلاق سراحه، سارعت إلى دخول صفحته فإذا بالتاريخ كما هو ، لم يتغير، كان أخر منشور له بتاريخ 2023، أدركت حينها أنه لا يزال في المعتقل كباقي رفاقه من أصحاب الرأي ، وقد تملكني شعور بخيبة الأمل ، لأن كوادر الدولة الجزائرية هم رهن الإعتقال بدون تهمة و بدون محاكمة (ليس هذا هو موضوعنا طبعا)
إن الإعتقال مفهوم يعبر عن الجمود، و اللاحركة ، و قد أشرت إليه في مقال سابق، ليس جمود الحركة فحسب، و إنما جمود الفكر، لأن عملية التفكير متوقفة إلي حين (؟)، كيف تفكر في مستقبل أمّتك و أنت وراء القضبان الحديدية، مقيد، محبوس بين أربعة جدران؟، هذه طبعا سياسة النظام يريد دوما إسكات "الصوت" و نعني به صوت الحق، و إعاقة أصحابه عن أداء واجبهم، و هذا هو مصير كل من يقول " لا " ، أو أراد أن يغير النظام ، أو يدعو إلي تطبيق شرع الله.

و هو يعالج المشكلة الحضارية ، لم يترك مالك فكرة إلا وعالجها ، و قد تحدث عن مسألة الحق و الواجب ، حيث وضع لها المعادلة التالية:

( الحق + واجب = صفر)

مشكلتنا مع "الصفر" ، إذن هي معادلة من الصعب فك شفرتها ، و الصفر هنا لم ينظر إليه مالك بن نبي كرقم (عدد)، كما ينظر إليه المختصون في الرياضيات و لو أن معادلته عملية حسابية ، لكنه نظر إليه ( الصفر) كمفهوم فلسفي ، فالصفر في الفلسفة يعني تساؤلات حول الوجود و العدم، و نحن نعبر عنه بـ: اللاشيئ، أي شيئ غير موجود، منعدم، ( الهدف/ الغاية/ روح ) و تجدنا نتساءل إن كان مالك بن نبي يقصد بالصفر "العدمية" ؟ أم أمور أخري تكبر فكرنا ؟، هل تقوم بواجبك تجاه شيئ لا تراه و لا تلمسه و الصفر يعني لا شيئ، وكيف تحصل على حقك من لا شيئ ؟، فالنتصور انه عندما يعتقل شخص ما و يوضع في زنزانة مظلمة، يصبح مقيدا، محروما من الحرية ، فلا هو نال حقه منها و لا هو قام بواجبه و هو خارج السجن ، و هو الذي اعتاد على خدمة بلده و المجتمع ، قد يكون هذا السجين طبيبا أو مهندسا أو باحثا في مخبر ، أو معلما يربي النشئ، أو عالما، أو داعية إلى السلام ، أو مفكرا صاحب نظريات

هي الحرب على العقول المفكرة المبدعة، أراد النظام سلبها حريتها، و حجب النور عنها ، ليس في الجزائر فحسب بل في كل أقطار المعمورة ، في فلسطين ، في سوريا ، في لبنان، في تونس ..الخ، كان الجمود و الركود و كأن عنصر الحياة متوقف و أصبحنا نعيش في العدم، و كما يقال "الحياة صراع" ، نعم هي صراع بين الذات و الأخر، بين الثابت و المتغير، بين المقدس و المدنس، بين الحق و الباطل، و في الصراع قد يحدث الإغتراب، تدخل الإنسانية عام التشيؤ، فتفقد جوهرها، ويختلط الأصلي بالمزيّف .
يلتقي مالك بن نبي مع المفكر اللبناني مهدي عامل، و لو أن لكل منهما إيديولوجيته، فعامل مهدي تكلم عن جوهر الصفر، و هنا نتساءل : هل الصفر الذي تحدث عنه مالك بن نبي هو الصفر نفسه الذي تحدث عنه مهدي عامل على لسان زميله الياس خوري؟ إذ يقول في الصفحة 16 من كتابه" نقد الفكر اليومي" و هو يتحدث عن "الفكر البائس" الذي تتساوى فيه الأضداد جميعا، إذ يقول: هو فكرٌ عاجز عن إدراك العقل التاريخي، يستبدل ديالكتيكية عصر الثورات بصفر كليٍّ يغمر سطح الأشياء، فتحتجب الأعماق و تحتجب الحركة.

و يضيف: و يبقي للفكر لغته الحمقاء و صفرُ يحسبه من موقع ذاك الزمن الذاهب في الموت، اكتشافا بسيطا ناصعا بأن الأشياء لم تعد ممكنة، فيضطرب و يتعثر و يسقط في الصفر حتى القاع، فالخصم لبس ثيابنا و جلس بيننا و أعادنا من جديد إلى نقطة الصفر، كيف نجمع الصفر؟ و كيف نخترع من الصمت لغة؟ في الصفر الكلّي يتوقف الزمن عن دورانه، لا الماضي يمضي و لا الأتي يأتي و الزمن لا يراوح مكانه، يتصدّع و ينهار و لا يتّضح غير المستحيل، إنه زمن مكسور من جهة الماضي مبتور من جهة المستقبل و الحاضر فيه يتفتت
فهذة صورة عن حياة الزنزانة، الزمن يتصدّع و ينهار، و لا يتّضح غير المستحيل، كل شيئ بداخلها يتوقف، الزمن و الفكر فيعجز السجين عن الرؤية الواضحة، و هنا نتساءل هل ينتصر الفكر و تنتصر الكتابة و ينتصر التاريخ، تبقي هذه التساؤلات عبارة عن تساؤلات ، فمن لا يقرأ التاريخ لا يستطيع كتابته.
هذه نظرتي لمعادلة مالك بن نبي و لست أدري إن أصبتُ أم أخطأتُ، فأنا أجتهد فقط
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...