محمد بشكار - نكتُبُ الرِّسالة و لا ننتظر جواباً..!

أفتح كتاب الرسائل و أفتح معهُ قلبي ليس بمِشْرط جراحة يتلوها الألم لا قدَّر الله، إنما بصِدْق الكلمة التي لا تنْطق إلا بوْحاً و فرحاً، و لكن لا بد أنْ أُعْرِبَ بدْءاً عن حيرتي بالسؤال؛ لماذا علينا أنْ نُشْرِعَ هذا الظَّرْفَ غير المُتَنْبَر لكتاب الرسائل، و بين ظُهْرانَيْنَا اليوم أديبتنا المغربية الكبيرة خناثة بنونة، و هي تُعْتبر في ذاتها رسالةً مفتوحةً كُنَّا و مازلنا نقرأها بأعين الفؤاد منذ نعومة و عينا بالأدب المغربي؟؛ أليس كل ما كتبته خناثة بنونة في أنفسنا و شما جريحا قبل أن تخُطَّهُ كلماتٍ على الورق، يكْتَنِفُ في معانيه الوطنية و الإنسانية، رسائل بليغة لا نعْلمُ متى ستصِلُ إلى ضمائر اختارت في حيادها السلبي، أن تكون منفصلة عن ما يخترم المجتمع من فساد، بَدَل أن تحتفظ في مبادئها بصندوق بريد و حيد، عسى إذا لم يستقبل من لغة البرق بعض الإشارات التنويرية يصلح على الأقل بُرْجاً لليمام..!

هل علينا حقّاً أن نفتح كتاب الرسائل و الأديبة خناثة بنونة تُجسِّدُ بكل أعمالها الأدبية و الفكرية أبلغ رسالةٍ للإنسانية جمعاء، منذ أسْقَطَتْ الصَّمت بأنْ جعلت له كلماتٍ ضمّتْنا جميعاً في قصصها الأثيرة و ليس القصيرة، لأنها أطول في رسالتها التي ما زالت تحاول أن تصل بالضوء إلى عتمات العقول كي نستعيد من بعد خرَسٍ أصواتنا؛ و منذ اكتوينا معها بالنار و الإختيار التي لم تكن مجرد روايةٍ قرأناها بقرار تعليمي كي ننجح، إنما تنطوي في قِرْطاسِها على جمرة القضية الفلسطينية التي تعتبر رسالة لا تزال عبثا تحاول في سفرها السِّلمي الوصول إلى ضمير عالمي لا يستقبل الجمر إلا بآذان يملأها الرماد..!
لا مِراء أن أجمل الرسائل و أصدقها فؤاداً، هي تِلْكُمُ التي نسْتَشْعِرُ و نحن نكتبها بعاطفةٍ مشْبوبةٍ لأحد الأصفياء أو الأقرباء، كأننا نبعثُها إلى أنفسنا، فلا نتخذ من الكلمة و هي تنْسابُ عَفْوَ الخاطر دون قمع أو ردع، حجاباً للأسْرار أو جِداراً فيسبوكياً ما أكثر ما يُوظفه اليوم بعض من يدَّعون الحرية في التعبير، حارساً شخصياً لمراقبة الذات أو حتى معاقبَتِها؛ أتحدَّثُ و أنا أغْزِلُ من ريش اليمام فوق نول كتاب الرسائل إلى خناثة بنونة، حنيناً زاجلاً في نفسي، ليس بالهديل إنما بالأنين أسفاً على زمنٍ كانت فيه الرسالة ورقاً يُضمِّدُ ببياضه أحلك ما يخْتلِجُ في أرواحنا حتى تنْفَرِجَ الأسارير؛ لِنقُلْ إن كل الرسائل التي جَرَتْ بينابيع أسطرها بوْحاً بين الأدباء، لم تعْترضْ مجراها الجارف صخرةٌ في أكَمَةِ المُراقبة الذاتية، تبْدأ دائما في رُزْنامةِ يومياتها أو أسابيعها بالورقة الوحيدة، و لا تفتأ تتنامى و هي تُحاول أن تمنع الزمن من الهروب، حتى تصير كتابا سيرذاتياً، أو وثيقةً تاريخيةً، أو شهادةً صادقةً عن العصر؛ لكن أجمل ما يُميِّز فن الرسالة، أنه لا يُنْتِجُ من المؤلفات ذلكُمُ الصِّنْف الذي يُشبه من فرط ثِقله بالمعلومات، جُلْمودَ صخْرٍ حطَّهُ سيْلُ الحبر في المكتبات، ليُغذي نَهَمَ كلَّ باحثٍ عن مرجع يُقوِّي ذيل الهامش، إنما الرسالةُ بمثابة كتابة أدبية يبُثُّها الأديبُ ذاتَهُ بكل شفافية في العاطفة و عنفوان جامحٍ في جُرأة الأفكار؛ ألسنا حين نكتُبُ الرسالة نختلي إلى عُزلتنا في أقصى بياض الورقة، لنُحدِّثها بكل ما في أنفسنا دون خِشية من أن ينتقل الكلامُ إلى غيرنا بأحد الأمراض المُعْدية حين تجتمع الملعقةُ بالكأس في مقهى..!
لذلك و حتى لا تشي الرسالةُ بسرِّها، أوصى بعض الأدباء أن تُحْرَقَ رسائلهم رغم قيمتها الأدبية و التاريخية بعد الموت، كما صنع فرانز كافكا حين حث صديقه ماكس بروت أن يُطعمَ كل رسائلِه النارَ، لكن هذا الأخير أخلف الوصية و نشرها في كتاب؛ و ثمة من الرسائل من رفض بعض الناشرين مثل سهيل إدريس صاحب دار الآداب إصدارها في كتاب خوفا من الفضيحة و خراب البيوت؛ ومِنَ الرسائل ما يصِلُ بين قلبي الأديبين بوريد المحبَّةِ الذي يضُخُّ مع الدم نصوصاً حرًّى بالإبداع، تماماً كما يصِلُ خيطُ الذهب بين أجمل الجواهر و أنْفَسِهَا في قلائدَ تزدانُ بِحِلْيَتِهَا الخُلَّبِ جِيدَ الأدب العربي تُراثاً و حديثاً؛ و لا حاجة أنْ نستحِثَّ الذاكرة ضِدّاً على كل نسيانٍ أثيمٍ يتَهدَّدُنا بخراب الروح، كي نستدعي من خزانتنا الصوفية الإسلامية رسائل إخوان الصَّفا و رسائل ابن عربي، دون أن ننسى في سياق تاريخي آخر الرسالة الشهيرة من ابن خلدون إلى الوزير الأندلسي لسان الدين بن الخطيب، و لن نزيغ قيْدَ نبْضٍ عن ذات الوريد الذي يمتدُّ في وَصْلِهِ العاطفي و الفكري بين قلبين - كما أسلفْتُ - لنستحضر من قُرَّةِ أدبنا الحديث، رسائل أشفُّ في تأملها الرومانسي و الفلسفي من منديل الحب بين جبران خليل جبران و مي زيادة و ماري هاسكل، و بين غسان كنفاني و غادة السمان، و بين الشاعرين الفلسطينيين محمود درويش و سميح القاسم؛ لن نحتاج تمحيصا لندرك أن رسائل من هذه الطبيعة الرمزية و النابعة من ذوات يمتزج في قلقها الوجودي جدلُ الفكر و الشعر، تعتبر إرثا أدبياً إنسانيا يستحق أن نتأبطه بالقراءة بأعين أرواحنا لا أن نَرْكَنَهُ جثة لكفن العنكبوت في المقابر الجماعية لمكتباتنا؛ لم تكن الرسالة مُجرد أداةِ تواصل للإستهلاك اليومي مآلها سلة المهملات، كالتي غدونا نستقبلها اليوم بفَرْكَةِ أصبُعٍ على هواتفنا الذكية من خلال شبكات التواصُل الإجتماعي إما واتساباً أو فيسبوكاً أو تويتراً، و تكون في غالب ثرثرتِها التي لا يضاهيها هزالا إلا لغوُ الزّحام أو صدى الحمَّام، ركيكةً في الأسلوب، ضحلةً في المعنى، و هجينة في لغتها العرنسية؛ لقد انقلبَ رأسُ الزمن و صار يكتب الرسالةَ بالحافر في صيغة ميساجاتٍ إلكترونية باردة من كل إحساس، كأنها صادرةٌ عن آلةٍ و ليس ذاتاً إنسانيةً تضع مع كل كلمةٍ على الورق، روحها في ما يشبهُ الحلول الصوفي؛ فهل نستطيع، و قد صارتِ الأرقامُ وسيلتَنا في الخِطاب، أن نستبدل وجها بوجهٍ لنكذب على أنفسِنا في المرآة..!
رغم أن الأقلام ليست أقداماً، إلا أنها استطاعت في "كتاب الرسائل إلى خناثة بنونة"أن تسافر برْقاً من أغلب دول العالم في سِعتها الجغرافية، كي تصل بأجنحة الكلمة من كل الجنسياتِ إلى أديبتنا خناثة بنونة؛ لنقرأ في هذه الرسائل هديلا بلغات متعددة من بكين و سوريا و هولندا و العراق و إسبانيا و تونس و ليبيا و السينغال و روسيا و مصر و طهران و الكويت و لبنان و جنيف و ألمانيا و اليونان و الإمارات العربية و المغرب طبعاً؛ و لا تختلف هذه الرسائل فقط في لغتها من بلد إلى آخر، بل أيضا في أسلوب الكتابة حسب ما يُمليه التطور الذي طَرَأ على الأدب مع تعاقُب الأجيال؛ فحين نقرأ - تمثيلا لا حصرا- رسائل العلامة المغربي عبد الله كنون، يسترعي انتباهنا ذلكُمُ الترصيع و البديع الذي كان مُهيمناً ببلاغته على الأسلوب الأدبي لحقبة الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي؛ و كذلك الشأن بالنسبة لأسلوب الدكتور عثمان الكعاك من تونس؛ لكن
وئيداً مع انبثاق حساسيات جديدة في الإبداع الشعري و الروائي و القصصي، تجاوزت الأجيال الجديدة أو تخفَّفت من عبء التكلُّف و الصَّنعة في الكتابة التي كانت لا توصل المعنى إلا بعد أن تنتقي له من الكلمات أفخمها سجْعاً و رجْعاً؛ و نجد من فرسان هذا التيار الأدبي الذين ثاروا على تصنيع و ترصيع أشبه بالحلي الجاهزة في محلات الصَّاغة، ليكتبوا الواقع عفْوَ الإبداع، أديبات من أمثال خناثة بنونة و أدباء من معدن؛ عبد الكريم غلاب و عبد الجبار السحيمي و محمد السرغيني
وابراهيم السولامي و محمد شكري و محمد بنيس و نزار قباني و عبد القادر الشاوي، و غيرهم ممن انبثُّوا بالرسائل في هذا الكتاب كثير؛ يمكن إذاً أن نعتبر الرسالة من عيار هذا البوح جنساً أدبياً كباقي الأشكال الإبداعية من قصة و راويةٍ و شعر، قميناً بأن يتخذه الباحثون مرآةً لرصد التطور الجمالي للأدب عبر الحساسيات و الأجيال؛ و يحقُّ لنا أن نُسجِّل دون أن نزيد في الحبر لوناً يزوِّقُ كلامنا قوس قُزح، أن كتاب الرسائل إلى خناثة بنونة سيُثري الخزانة الأدبية المغربية و العربية، ليبقى هذا الفن مع تصرُّم الزمن وثيقة و شهادة بليغة أن ثمة إنساناً كان قبل أن ينقرض يتمتَّع بنعمة الحياة؛ انقضى الزمن الجميل للرسالة بظرفها المُتَنْبَر الذي لا نغلقُه إلا بعد أن نتذوقه بألسنتنا لِنُحْكِمَ العناق على الكلمات، و لنضمن أيضا أن طَعْمَها سيكون لذيذاً في نفس المُرْسَلِ إليه؛ و لا ننسى أن ندْمَغَ أسفلَ الظرف بالعبارة الأثيرة و الغاية في الأدب: شكراً ساعي البريد..!
تحيَّةً و سلاماً
أما بعد
هذه كلمتي التي أبثُّها رسالةً كتبتُها مُتأخراً في الزمن إلى أديبتنا الكبيرة خناثة بنونة، أرجو أن تكون قد وصلتْ إلى الجميع بشيءٍ مني دون ساعي بريد، و لأني موقنٌ أن التاريخ هو القارىء الكبير لكل ما نكتُبُه طيلة حُزننا أو فرحنا في رسالةٍ أو قصيدة، فلن أنتظرَ جواباً في الحين..!


(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" لعدد يومه الخميس 18 فبراير 2016 ، و هي نص الكلمة التي قدمتُ بها كتاب "الرسائل إلى خناثة بنونة" الصادر عن دار أبي رقراق بالرباط، في لقاء أقيم صباح الأربعاء 17فبراير 2016 بقاعة فاطمة المرنيسي بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء في دورته الثاني و العشرين).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...