أدب السجون إبراهيم حالي - ٠ الدقائق ما قبل الأخيرة على حافة وطن...

حين استُدعيت إلى مقر إدارة الأمن، شعرت أمه أن شيئًا ما انكسر في الهواء، حتى قبل أن تُفتح النافذة المعدنية التي تفصلها عن الضابط. لم تكن نظراته تخفي شيئًا، رغم جفاف نبرته وهو يقول:

اجلسي، يا أمّ…

جلست كما يُجلس الخوف أقداماً على جمرٍ صامت.
تابع حديثه دون أن يترك لها فرصةً لتستفيق من الذهول والحيرة: والحزن الدفين :

ابنك متهم بإثارة الفتنة، والإساءة للزعيم، وتحريض زملائه على التمرد. هو الآن رهن الاحتجاز، وسيمثل أمام لجنة عسكرية خلال أيام.

تجمدت الكلمات في فمها، كما تتجمد العروق حين يخونها الدم.
حاولت أن تتحدث، أن تسأله، أن تبكي… لكن كل ما خرج منها كان أنينًا خافتًا، لا يكاد يُسمع:

ولدي… ما الذي فعلتموه به؟

لم يرفع عينيه. قلب بعض الأوراق أمامه، كأنه يطالع وصفة طبية قديمة او دفتراً متهالك لمن قضو هنا .

يمكنك رؤيته. خمس دقائق فقط.

اقتادها الجندي إلى غرفة ضيقة، نافذتها الصغيرة تشبه جرحٍ قديم لم يندمل ، تطلّ على ساحة جرداء محاطة بسياج شائك.

فتح الباب وأشار دون كلمة.

دخلت وهي تشعر أن ساقيها ليستا لها.
كان هناك، في العتمة، ابنها يجلس على كرسي خشبي، يداه مقيدتان بسلسلة رفيعة، رأسه منكّس، شعره منفلت، وعيناه غائرتان كأنهما تنظران من بئرٍ بلا قاع.

سمع وقع خطواتها، فرفع عينيه. ارتجف جسده كله. حاول أن ينهض، لكنه لم يستطيع .
ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة تحمل مرارة الالم والخيبة … كتلك التي تأتي حين لا يكفي الندم ولا تنفع الكلمات.

وقفت عند العتبة. كانت المسافة بينهما قصيرة، لكنها بدت أطول من سنوات الغياب كلها.
نظرت في عينيه، وفي تلك النظرة كانت كل الأسئلة، كل الصلوات، وكل الأشياء التي قِيلت و لم تُقال .

قال بصوتٍ مشروخ:

– أمي… آسف أنك جئتِ هنا ؟

اقتربت وجلست أمامه على الأرض، كما كانت تفعل حين ما كان صغيرًا و يمرض فجأة.
مدّت يدها ولمست يده. كانت باردة كأحجار الجبال،
شعر بنبضه يعود شيئًا فشيئًا.

هل… هل ضربوك؟
همست وهي تنظر في عينيه المتعبتين.

لا… فقط يحققون معي.

لم تُصدّق، لكنها لم تُكذّبه. لا وقت للحقائق الآن.
سألت:

لماذا يا ولدي؟ لماذا كل هذا؟

أدار وجهه المتعب للحظة، ثم ابتسم ابتسامة عميقة، لا يُعرف إن كانت اعترافًا أم وداعًا.

تعبت، يا أمي… نحن جميعًا تعبنا.
لا شيء يشبه ما وعدونا به. هذا الوطن أكل أبناءه، والخوف صار هواءنا اليومي.
لم أعد أستطيع أن أكون بندقية… بلا إرادة، بلا حلم.

نزلت دمعة على خده، ولحقتها دمعة على خدّها. لم يمسح أحدهما دمعة الآخر.

ثم جاء الصوت الجاف للجندي:

انتهت الزيارة.

تجمدت اللحظة. لم يتحرك أحد.
كأن الزمن تآمر مع الحزن ليطيل البقاء قليلاً.

قال ابنها بصوت خافت:

أمي… رجاءً لا تأتي هنا مرةً أُخري لا تبحثي عني كثيرًا. فقط… ادعي لي.

أومأت برأسها، ثم انحنت فجأة وقبّلت يده المكبّلة.
لم تبكِ، فقد صارت الدموع ترفًا لا يُتاح لمن يعيش في وطنٍ لا يرحم حتى الأمل في قلوب الأمهات.

نهضت، واستدارت، وخرجت دون أن تلتفت.
كانت تخشى أن تنهار لو رأت عينيه مرة أخرى.

وحين أغلق الحارس الباب خلفها، بدا لها وكأن صوت رصاصة تزامن مع الإغلاق الحاد.
لا تدري من أصابت، لكنها أحسّت في تلك اللحظة أن شيئًا ما انقبض في صدرها.


إبراهيم حالي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...