أدب السجون إبراهيم حالي - لعنة الصرخة...

لم تسعفه ذاكرته المهترئة لمعرفة كم مضى من الزمن. أعوامٌ؟ عقود؟
لكنه لم يعد يهتم، ولم يَعُد يُفرق معه شيء.
كل ما يعرفه أنه ما زال هنا، في هذا القبر الإسمنتي، كهف لا يعلم إن كان تحت الأرض أم فوقها.
المكان ساكن كالمقابر، هامد كجثة منسية في قعر بئرٍ مهجور.
لا ضوء، لا صوت، إلا صرير الصراصير وخطى الفئران المترددة، التي تتغذى على جروحه المتقيحة بفعل الأغلال حين يغفو.

سمع وقع أقدام تقترب، لم ينهض. اعتاد على هذا الطارق اليومي، من يزجّ له بفتات الطعام من نافذة صغيرة في أسفل الباب الحديدي ثم يرحل.
لم يَعُد يخاف. لم يَعُد يحس. صارت مشاعره باردة كجدران هذا القبو.
حتى الألم، حتى الروائح، لم يَعُد يشعر بها. قدماه المتقرحتان فقدتا الإحساس، وتكاد عيناه تنسيان كيف ترفّ، كما نسيتا كيف تريان.

لكن في هذا اليوم، جاء الصوت مختلفًا.
أمره السجّان أن ينهض، بصوتٍ جاف، كأنه يُخاطب شيئًا لا شخصًا.
لم يستجب. لم يكن رفضًا، بل نسيانًا لطريقة الرفض.
سحبه من يده المكبّلة، جسده المتهالك تمايل كجوال فحم او كيس نفايات.
صعد به الدرج متعثرًا. لم يعصب له عينيه هذه المرة، لكن الظلام وسنين القبو كانت كفيلة بأن تكون كيسًا أسود.
حين تسلل الضوء من فتحة السقف في الأعلى، أشعله كشهاب في عالمه المعتم. حاول مدّ يده ليصدّه، لكنه سُحب كجثة لا إرادة لها.

ثم أُلقي به في باحة السجن، حاول فتح عينيه. رأى الظلال تتحرك، لا وجوه، لا أجساد.
ووسط هذا الضباب، تسللت إلى أذنه نغمة مألوفة.
صوت مبحوح لأغنية وطنية قديمة.
النغمة لامست شيئًا مدفونًا في أعماقه .
نهض فجأة، كأن الذكرى استدعته.
تذكّر لحظة انتصار الوطن، الحشود، الأمل، الرفاق،الشهداء.
ثم اختفت الذكرى، كما لمعت، كوميض برق.

هزّ رأسه، شعره المتشابك والقذر تناثر على كتفيه وظهره كغابة مهملة، وتساقط منه الغبار والقمل واشياء اخري .

تمتم بصوتٍ متحشرج:
“عندما تختنق الأوطان، لا تجد غير الغناء وسيلةً للبكاء.
تغني بحنجرة مذبوحة، تنعي مدنها كزهرات البنفسج الذابلة، التي هجرتها الفراشات رغم رحيقها…”

تناهت إليه أصوات أخرى. سجناء؟ حرّاس؟ لا يدري.
أحدهم قال إن اليوم ذكرى الاستقلال.
تبسّم ابتسامة ميتة، امتلأ قلبه بالقهر.
وفجأة، ومن أعماقه، انطلقت صرخة حادة .

صرخة اخترقت السماوات، شقّت السكون، صمتت الأغاني، تراجع الحراس وتلعثم السجناء.
الرعب حلّ في الباحة، وتطاير الرصاص عشوائيًا، أصاب البعض، وسقط بعضهم .
لكنه ظل واقفًا،بجسد نحيل، وجهه شاحب، ودموعٌ حمراء تنزلق من عينيه.

سقط فجأة، دون صوت، كشجرة يابسة .
هرعوا نحوه، فحصوه، نادوه، لم يُجب. لم يتحرك.
لكن صوت الأغلال ظل يُصدر رنينًا، كأنه الصدى الأخير لقصة لم تكتمل.

في الخارج، في الحي المجاور، سمع السكان الصرخة. ارتعدوا ارتعبوا .
ومنذ ذلك اليوم، صاروا يهمسون: “لعنة الصرخة”.
أطفالهم يكتمون صرخاتهم خوفًا.
العسكر هاجموا الحي، صادروا الأصوات، اغتصبوا الصمت، زحفوا على البيوت كالعفن.

لكن الصرخة لم تمت.
تسللت من بين قضبان السجن، طارت فوق الأسلاك الشائكة، وشقّت طريقها نحو الصحاري والمنافي، إلى ذاكرة معسكرات اللجوء القديمة.

و بعد سنوات، كان هناك من سمع الصرخة مجددًا وهي تصدر من روح غريقة تشبعت بالملح شقت أعماق البحار…


إبراهيم حالي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...