اهتم الدرس البلاغي العربي بكل ما من شأنه توصيل فكرة النص دون الإسفاف أو التبذير في الاستخدام اللغوي وعد ذلك حشوا يفضي الى ضرر يلحق بالنص بناءا وفكرة ، وماالحشو الّا ذلك الفائض اللغوي الذي لايحتاجه النص ويسهم في ابعاد الفكرة عن ذهن المتلقي وتشظية المراد ، واشارت العرب قديما الى ضرورة الإختصار والتكثيف وقالوا ( اختصروا اختصروا اختصروا حتى يكاد كلامكم يكون امضاءً ) ولعل في الإختصار هذا ورفع الفائض من اللغة فائدة أخرى فضلا عن الفائدة التي ذكرتها آنفا وهي الكشف عن قدرة الناظم في التعبير عن افكاره الكبيرة بأقل الكلمات ، فقط ماتحتاجه الفكرة من توصيل رسالتها البلاغية ، وإذا كان هذا المفهوم مقتصرا على الشعر فقد وجدت توفر امكانية ترحيل هذا المفهوم الى السرد بكل انواعه ( الرواية/ القصة القصيرة/ القصة القصيرة جدا ) خاصة بعد ان استقرت هذه الأنواع على بنائية تميز كل نوع عن الآخر ، لذا اقترح مسمى ( الفائض السردي) على كل سرد زائد عن الحاجة ، وتحديدا في الانواع السردية التي ظهرت الحاجة الى تشكلها طلبا للإختصار والتكثيف كما في القصة القصيرة التي تميزت بكونها فن الإيجاز والقصة القصيرة جدا بعدها ايجاز الايجاز لولادتها من رحم القصة القصيرة ، وبذا فقد كان التكثيف والإختزال والإختصار من متطلبات كتابة قصة قصيرة او قصة قصيرة جدا ناجحة بل ويتعدى الأمر إلى الرواية أيضاً ، ففي القصة القصيرة -- التي تتهيكل على حدث واحد وشخصية واحدة -- على الكاتب تجنب زج شخصيات فائضة عن حاجة القصة عبر قيامها بأحداث هي الاخرى مستقلة وفائضة عن حدث القصة ، كما أن الامتداد في الوصف يعد امرا غير محمود ويضعف من خلق مبدا التشويق وتركيز متابعة المتلقي للحدث وتطوره ، وكذا الأمر بالنسبة للقصة القصيرة جدا التي تقوم على حدث آني ويومي وسريع لايتطلب ولايحتمل زج حدث جانبي يربك بناء الحدث الرئيس ويشتت الضبط الداخلي لحركة الحدث والشخصية ، وعلى صعيد البناء الروائي فإن الاستغراق في الوصف والامتداد في بناء الاحداث الجانبية التي لاتسهم في تقدم وتطور الحدث الرئيسي باتجاه الذروة والحل هو الآخر مضر بعده فائضا سرديا وإن ظن الكاتب بأنها تخدم فكرته ، وهنا تبدو أهمية معرفة قواعد وضوابط بنائية الأنواع السردية من قبل مبدع النص والدارس على حد سواء ، لأن أي خرق لهذه الضوابط يعني الخروج من ممكنات تشكل النوع السردي واستقلالية بناءه الداخلي ، لذا فإن القدرة على الاختصار والتكثيف وبما تتطلبه محددات التجنيس تشي بقدرة القاص على كيفية السيطرة وادارة السرد بما يضمن تركيز آليات السرد وأدواته بما يحقق عامل التشويق وتكريس ثيمة النص .
ويتجلىٰ الفائض السردي في جملة من المظاهر ، منها التفاصيل الزائدة والوصف المطوّل أو بناء مشاهد لاتضيف قيمة إلى الحبكة ، كذلك تؤدي الاستطرادات التي تنحرف عن القصة الرئيسية وتسهم في تشتيت ذهن القاريء ، فضلاً عن استحداث شخصيات ثانوية غير ضرورية و لاتسهم في تقدم وتطور الحدث الرئيسي حتى لتغدو طارئة على الحدث ، ولايضر رفعها من متن القصة ، إذ أن وجود المظاهر الٱنفة الذكر في المتن السردي ستلحق ضررا كبيراً في مستوىٰ قوة تأثير النص على المستويين الجمالي والمعرفي ، إذ تسهم في اضعاف الإيقاع الذي يؤدي إلى بطء تقدم الحدث وفقدان عنصر التشويق ، كما أن تداخل الأفكار ووجود الاستطرادات يؤدي إلى تشويش الفكرة الرئيسية ويجعل من الصعب متابعة القاريء للقصة ، وكل ذلك سيؤدي إلى إحباط القاريء ويُفقد اهتمامه بالنص السردي ، وازاء ذلك فإنه من المهم أن يكون كل عنصر في النص له غرض وهدف واضح ويخدم الحبكة وتطور الشخصيات وتقدم الحدث وتطوره ، ويتبدى الجهد النقدي في رصد هذه المظاهر المسّببة لوجود الفائض السردي في النص عبر دراسة النص بشكل دقيق لتحديد الأجزاء التي لا تساهم في تطوير الحبكة أو الشخصيات ، وتقييم كل عنصر في النص وفقاً لغرضه والإجابة عن السؤال المركزي هل يخدم القصة ام لا ؟ كما يمكن مقارنة النص بنصوص أخرى ذات ايقاع اسرع أو أكثر تركيزاً لتحديد الفروق ، كذلك يمكن تحليل تدفق الأحداث لتحديد الأماكن التي يتباطأ فيها الإيقاع بشكل غير مبرر ، وباستخدام هذه التقنيات النقدية يمكن تحديد الفائض السردي وتحسين النصوص لجعلها أكثر فعالية وجاذبية .
وفي الوقت الذي يخفق فيه الفائض السردي في أن يكون جزءاً فاعلاً في البنية السردية سواء على المستوى الفكري والبنائي ، فإنه من الممكن أن يؤدي دوراً إيجابياً على مستوى تقديم تفاصيل إضافية عن الخلفيات والطباع مما يجعل الشخصيات أكثر واقعية ، كما أنه يسهم في بناء عالم أكثر تنوعاً واثراءً مما يمدّ المتلقي بتجربة جديدة وغنية ، على أن الإفراط في التفاصيل قد يؤدي إلى تشتيت تركيز المتلقي في متابعة الإحداث وتطورها ، لذا صار من الضروري استخدام هذه التفاصيل الفائضة بحذر شديد ، والأمثلة على ذلك كثيرة إلّا أننا من الممكن ذكر بعض النماذج من المرويات السردية الشائعة المشكّلة لذاكرة المتلقي ، كما في (الف ليلة وليلة) إذ أن التوالد الحكائي والخروج من حكاية إلى أخرى تربك متابعة المتلقي للحدث في الحكاية الاولى دون التوصل إلى نهايات لها لتضمينها تفاصيلاً فائضة تشير الى عادات اجتماعية وأكلات تخص هذا المكان أو ذاك لايخدم مركزية الحدث وتقدم حبكته ، إلّا أنها (العادات والتقاليد والاكلات) تمدّ المتلقي بمعرفة إضافية ، وكذا الأمر بالنسبة لرواية ماركيز (الحب في زمن الكوليرا) إذ أن التفاصيل الفائضة التي تضمنتها الحوارات الطويلة التي لامبرر لها على مستوى بناء وتقدم حبكة الرواية ، إلّا أن تلك التفاصيل تتضمن معلومات تثري تجربة المتلقي ، ومن الممكن رصد هذه الظاهرة في أغلب كتب السيرة بمختلف أنواعها ، إذ غالبا ما تتضمن حوادثاً وشخصيات لامبرر لها ولاتخدم الهدف الذي من أجله كتبت السيرة كما في ( الأيام) لطه حسين المتضمنة تفاصيلاً كثيرة وفائضة عن طفولة الكاتب ، لكنها لاتعدو كونها تفاصيلاً فائضة ومن الممكن الاستغناء عنها إذ أن وجودها بسهم في تشتيت مركزية الروي وبناء الأحداث على الرغم من أثرها في إحاطة المتلقي بتجارب إضافية .
ولعل من المناسب الإشارة الىٰ إمكانية تجنب وجود هذا الفائض السردي كيما يحتفظ النص بمركزيته البنائية والفكرية ، عبر مجموعة من الستراتيجيات التي تمكن من تحسين جودة السرد وتقليل الفائض السردي من قبيل :-
1-- تحديد الهدف المركزي للنص الذي يشكّل الرؤية الفكرية والفنية والتركيز على العناصر التي تدعم تلك الرؤية .
2-- اعداد مخطط او ملخص للنص مسبّق لتحديد الأحداث والشخصيات الرئيسية والثانوية المساهمة في تطور الحبكة .
3-- تجنب التفاصيل غير الضرورية وحذف اي تفاصيل لاتسهم في تقدم الحبكة وتطويرها .
4-- استخدام الحكمة في صياغة الحوارات بشكل يعكس مواصفات الشخصيات الداخلية ويتناسب مع مكوناتها الداخلية والخارجية ، ويدفع السرد إلى أمام وتجنب الحوارات الطويلة غير المثمرة .
5-- تنويع السرد باستخدام أساليب متنوعة ( الوصف ، الأحداث ، الحوار) بدون إطالة .
6-- إعادة تحرير ومراجعة ماكتب بحذر وحذف اي اجزاء فائضة ومكررة ، وبهذا الصدد نشير إلى أن عددا كبيرا من الروائيين والقصّاصين المعروفين كانوا يعيدون كتابة نصوصهم غير مرّة .
إن اتباع هذه الاستراتيجيات سيجعل النص محكماً ومشوّقاً ومحافظاً علىٰ ذهن المتلقي من التشتيت .
من خلال ماتقدم من بحث يتضح لنا أن ظاهرة (الفائض السردي) من الظواهر الشائعة التي تتضمنها النصوص السردية أياً كان نوعها ( رواية، قصة قصيرة، قصة قصيرة جدا، سيرة وسواها) وأنها ذات أثرين سلبي لما تشكله من تفاصيل زائدة لاتسهم في تطور وتقدم الحبكة بل وتسهم في تشتيت ذهن المتلقي وتقطع عليه طريق المتابعة والتشويق ، وأثر إيجابي نسبي يتعلق بمدّ المتلقي واحاطته بمعلومات عن أمكنة وعادات وشخصيات تغني تجربته إلّا أنها لاتعدو عن كونها تفاصيل زائدة ومن الممكن رفعها من النص السردي لعدم تمكنها من دفع الأحداث والحبكة إلى منطقة التأثير والتقدم .
ويتجلىٰ الفائض السردي في جملة من المظاهر ، منها التفاصيل الزائدة والوصف المطوّل أو بناء مشاهد لاتضيف قيمة إلى الحبكة ، كذلك تؤدي الاستطرادات التي تنحرف عن القصة الرئيسية وتسهم في تشتيت ذهن القاريء ، فضلاً عن استحداث شخصيات ثانوية غير ضرورية و لاتسهم في تقدم وتطور الحدث الرئيسي حتى لتغدو طارئة على الحدث ، ولايضر رفعها من متن القصة ، إذ أن وجود المظاهر الٱنفة الذكر في المتن السردي ستلحق ضررا كبيراً في مستوىٰ قوة تأثير النص على المستويين الجمالي والمعرفي ، إذ تسهم في اضعاف الإيقاع الذي يؤدي إلى بطء تقدم الحدث وفقدان عنصر التشويق ، كما أن تداخل الأفكار ووجود الاستطرادات يؤدي إلى تشويش الفكرة الرئيسية ويجعل من الصعب متابعة القاريء للقصة ، وكل ذلك سيؤدي إلى إحباط القاريء ويُفقد اهتمامه بالنص السردي ، وازاء ذلك فإنه من المهم أن يكون كل عنصر في النص له غرض وهدف واضح ويخدم الحبكة وتطور الشخصيات وتقدم الحدث وتطوره ، ويتبدى الجهد النقدي في رصد هذه المظاهر المسّببة لوجود الفائض السردي في النص عبر دراسة النص بشكل دقيق لتحديد الأجزاء التي لا تساهم في تطوير الحبكة أو الشخصيات ، وتقييم كل عنصر في النص وفقاً لغرضه والإجابة عن السؤال المركزي هل يخدم القصة ام لا ؟ كما يمكن مقارنة النص بنصوص أخرى ذات ايقاع اسرع أو أكثر تركيزاً لتحديد الفروق ، كذلك يمكن تحليل تدفق الأحداث لتحديد الأماكن التي يتباطأ فيها الإيقاع بشكل غير مبرر ، وباستخدام هذه التقنيات النقدية يمكن تحديد الفائض السردي وتحسين النصوص لجعلها أكثر فعالية وجاذبية .
وفي الوقت الذي يخفق فيه الفائض السردي في أن يكون جزءاً فاعلاً في البنية السردية سواء على المستوى الفكري والبنائي ، فإنه من الممكن أن يؤدي دوراً إيجابياً على مستوى تقديم تفاصيل إضافية عن الخلفيات والطباع مما يجعل الشخصيات أكثر واقعية ، كما أنه يسهم في بناء عالم أكثر تنوعاً واثراءً مما يمدّ المتلقي بتجربة جديدة وغنية ، على أن الإفراط في التفاصيل قد يؤدي إلى تشتيت تركيز المتلقي في متابعة الإحداث وتطورها ، لذا صار من الضروري استخدام هذه التفاصيل الفائضة بحذر شديد ، والأمثلة على ذلك كثيرة إلّا أننا من الممكن ذكر بعض النماذج من المرويات السردية الشائعة المشكّلة لذاكرة المتلقي ، كما في (الف ليلة وليلة) إذ أن التوالد الحكائي والخروج من حكاية إلى أخرى تربك متابعة المتلقي للحدث في الحكاية الاولى دون التوصل إلى نهايات لها لتضمينها تفاصيلاً فائضة تشير الى عادات اجتماعية وأكلات تخص هذا المكان أو ذاك لايخدم مركزية الحدث وتقدم حبكته ، إلّا أنها (العادات والتقاليد والاكلات) تمدّ المتلقي بمعرفة إضافية ، وكذا الأمر بالنسبة لرواية ماركيز (الحب في زمن الكوليرا) إذ أن التفاصيل الفائضة التي تضمنتها الحوارات الطويلة التي لامبرر لها على مستوى بناء وتقدم حبكة الرواية ، إلّا أن تلك التفاصيل تتضمن معلومات تثري تجربة المتلقي ، ومن الممكن رصد هذه الظاهرة في أغلب كتب السيرة بمختلف أنواعها ، إذ غالبا ما تتضمن حوادثاً وشخصيات لامبرر لها ولاتخدم الهدف الذي من أجله كتبت السيرة كما في ( الأيام) لطه حسين المتضمنة تفاصيلاً كثيرة وفائضة عن طفولة الكاتب ، لكنها لاتعدو كونها تفاصيلاً فائضة ومن الممكن الاستغناء عنها إذ أن وجودها بسهم في تشتيت مركزية الروي وبناء الأحداث على الرغم من أثرها في إحاطة المتلقي بتجارب إضافية .
ولعل من المناسب الإشارة الىٰ إمكانية تجنب وجود هذا الفائض السردي كيما يحتفظ النص بمركزيته البنائية والفكرية ، عبر مجموعة من الستراتيجيات التي تمكن من تحسين جودة السرد وتقليل الفائض السردي من قبيل :-
1-- تحديد الهدف المركزي للنص الذي يشكّل الرؤية الفكرية والفنية والتركيز على العناصر التي تدعم تلك الرؤية .
2-- اعداد مخطط او ملخص للنص مسبّق لتحديد الأحداث والشخصيات الرئيسية والثانوية المساهمة في تطور الحبكة .
3-- تجنب التفاصيل غير الضرورية وحذف اي تفاصيل لاتسهم في تقدم الحبكة وتطويرها .
4-- استخدام الحكمة في صياغة الحوارات بشكل يعكس مواصفات الشخصيات الداخلية ويتناسب مع مكوناتها الداخلية والخارجية ، ويدفع السرد إلى أمام وتجنب الحوارات الطويلة غير المثمرة .
5-- تنويع السرد باستخدام أساليب متنوعة ( الوصف ، الأحداث ، الحوار) بدون إطالة .
6-- إعادة تحرير ومراجعة ماكتب بحذر وحذف اي اجزاء فائضة ومكررة ، وبهذا الصدد نشير إلى أن عددا كبيرا من الروائيين والقصّاصين المعروفين كانوا يعيدون كتابة نصوصهم غير مرّة .
إن اتباع هذه الاستراتيجيات سيجعل النص محكماً ومشوّقاً ومحافظاً علىٰ ذهن المتلقي من التشتيت .
من خلال ماتقدم من بحث يتضح لنا أن ظاهرة (الفائض السردي) من الظواهر الشائعة التي تتضمنها النصوص السردية أياً كان نوعها ( رواية، قصة قصيرة، قصة قصيرة جدا، سيرة وسواها) وأنها ذات أثرين سلبي لما تشكله من تفاصيل زائدة لاتسهم في تطور وتقدم الحبكة بل وتسهم في تشتيت ذهن المتلقي وتقطع عليه طريق المتابعة والتشويق ، وأثر إيجابي نسبي يتعلق بمدّ المتلقي واحاطته بمعلومات عن أمكنة وعادات وشخصيات تغني تجربته إلّا أنها لاتعدو عن كونها تفاصيل زائدة ومن الممكن رفعها من النص السردي لعدم تمكنها من دفع الأحداث والحبكة إلى منطقة التأثير والتقدم .