ما نعرفه عن الاستعمار، هو احتلال رقعةٍ أرضيةٍ أو بلدٍ بأكمله من طرف بلدٍ آخر قوي وله نفوذ جيوسياسي، جيواستراتيجي وقوي عسكرياً واقتصادياً. والهدف من الاستعمار هو بسط النفوذ على هذه الرقعة الأرضية أو على البلدِ بأكمله من أجل استغلال ثرواته وسكانه، استغلالاً يُفِيد المستعمرَ و يستجيب لطموحاته الاقتصادية، على الخصوص، وذلك من خلال وضع نظامٍ سياسي واجتماعي يخدم مصالحَه، أولا وقبل كل شيءٍ.
هذا هو ما حدث بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث بسط العالم الغربي الأوروبي، المنتصر في هذه الحرب، وعلى رأسه، فرنسا والمملكة المتحدة (بريطانيا العظمى)، نفوذَه السياسي، الإداري والاقتصادي على باقي أنحاء العالم، وبالأخص، على القارتين الأفريقية والآسيوية.
والاستعمار الأرضي حدث في فترة كانت فيها البلدان الأوروبية الغربية قد دخلت في أوج التَّنمية الصناعية le développement industriel أو ما كان يُسمَّى، آنذاك، الثورة الصناعية la révolution industrielle، حيث كانت هذه البلدان في حاجة ماسة، لمُواصلة هاتين التنمية والثورة، للموارد الطبيعية les ressources naturelles التي كانت تزخر بها، على الخصوص، القارتان الأفريقية والأسيوية.
وحتى يكونَ الاستعمار الأرضي ناجعا ومُفيدا لهذه البلدان الأوروبية الغربية، كان لا بدَّ لها من تدعيم استعمارَها الأرضي باستعمار فكري. ولا داعيَ للقول أن هذا الأخير أخطرُ من الاستعمار الأرضي. وهو ما حدث، فعلاً، مثلاً بالنسبة لشمال أفريقيا الذي كانت بلدانُه الثلاثة (المغرب، الجزائر وتونس) مُستعمراتٍ فرنسيةً. والاستعمار الفرنسي لهذه البلدان لم يكتَفِ باستغلال ثروات البلاد. بل فرنسا كانت تدَّعي أنه، من بين أهداف المستعمِر، نقلُ الحضارة وما يترتَّب عنها من قيمٍ الحداثة وفوائدها.
ولهذا حاول الاستعمارُ الفرنسي، كذلك، بسطَ نفوذه الثقافي، أي الفكري، على جميع أنحاء البلدان الثلاثة، مُحاولةً منه في تكوين نُخبة مثقفة فرنكوفونية francophone تدين له بالولاء، أي تخدم مصالحَه. وقد نجحت فرنسا، شيئا ما، في هذه المهمة إذ خلقت برزواجية مغربية une bourgeoisie marocaine. فكيف نجح المستعمِر الفرنسي في خلق برزواجياتٍ محلية؟
مثلا، بالنسبة للمغرب، من جهةٍ، سَنَِّ هذا المستعمِر الفرنسي نظاماً تعليمياً تِمَّ، من خلالِه، تمرِيرُ للأجيال الصاعدة، أعرافاً وقيماً وطُرقَ تفكير قد تقود إما إلى اصطفاف هذه البرزواجية إلى جانب المستعمِر، وبالتالي، تخدم مصالحَه. وإما إلى خلق نخبة أخرى مُناوئة له، وبالتالي، تقاوم من أجل أنهاء نفوذِه على البلاد. ومن جهةٍ أخرى، فتح نفسُ المستعمِر أبوابَ الادارة والاقتصاد لهذه النُّخبة المثقفة المُكوَّنة في مدارِسه.
وهكذا، يكون المستعمِرُ الفرنسي قد ضرب عصفورين بحجرٍ واحدٍ، ظانا أنه، باستعمارِه الفكري، سيُعزِّز احتلالَه لأرض الغير. غير أن هذا المستعمِر الفرنسي نسِيَ أنه، بخلقِه لنُخبةٍ مثقفة تدين له بالولاء، أنه، في نفس الوقت، خلق استلاباً فكرياً لم يرضَ به كثيرٌ من المغاربة الأحرار. وهذا يعني أن المستعمِرَ الفرنسي كان يسعى إلى تهميشُِ الثقافات المحلية marginalisation des cultures locales. وفي الحقيقية، الأمر لم يتوقَّف عند هذا الحد. بل المُستعمِر اعتَبَر الثقافات المحلية أقلَّ شأناً وقيمةً من الثقافة الاستعمارية، وبالتالي، تمَّ احتقارُها أو اعتبارُها بِدائيةً primitives أو اعتبار مَن يتبنَّى هذه الثقافات المحلِّية من الهمج les barbares. ولا داعيَ للقول أن احتقارَ الثقافات المحلية قد يتبعه فقدان الهوية une perte de l'identité.
وهذا هو ما لم يرض به، كذلك، المغاربة الأحرار، أي أن يفقدوا هويتَهم. وهذا هو ما لم يستطع لا الاستِعمارُ الأرضي ولا الاستعمارُ الفكري مواجهتَه. وهذا هو ما دفع المغاربة الأحرار إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي، بوجهَيه الأرضي والفكري، إلى حين طردِه من البلاد.
ورغم ما قد يكون للاستعمارِ الفكري من محاسن اجتماعية، ثقافية واقتصادية، لا شيءَ يصمد أمامَ التشبُّث بالهوية الأرضية، الدينية والفكرية. كل شيءٍ يمكن تجاوزُه إلا أن يفقِدَ الناسُ هويتهم الأرضية. وهذا يعني أنهم فقدوا انتماءَهم لوطنِهم ils ont perdu leur appartenance à leur nation. والانتماءُ للوطن متعدِّد الأبعاد. فلا الأمازيغي يريد أن يفقد أمازيغيتَه، ولا العربي يريد أن يفقد عروبتَه ولا الحساني أو الصحراوي يريد أن يفقد حسانيتَه أو صحراويتَه… المهم هو التَّساكن والتعايش داخل المجتمع المغربي في أمن وأمان.
وفي الختام، كما يقول العقلاء، "لا يصِحُّ إلا الصحيح". ليس هناك بلد وشعبُه يرضيان بفُقدان هويتِهم الأرضية على الخصوص، أي فقدان انتمائهم إلى وطنهم. وحتى مَن يُسمَّون ب"مُزدوِجي الجنسية" les binationaux، تبقى أغلبيتُهم الساحفة مُعبِّرةً عن انتمائها للوطن الأم. ولهذا، لن تستطيعَ الإقامة في أوطانٍ أخرى ولا الاستعمار الأرضي والفكري أن يغيِّروا هويةَ الناس وانتماءَهم للوطن الأم.
هذا هو ما حدث بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث بسط العالم الغربي الأوروبي، المنتصر في هذه الحرب، وعلى رأسه، فرنسا والمملكة المتحدة (بريطانيا العظمى)، نفوذَه السياسي، الإداري والاقتصادي على باقي أنحاء العالم، وبالأخص، على القارتين الأفريقية والآسيوية.
والاستعمار الأرضي حدث في فترة كانت فيها البلدان الأوروبية الغربية قد دخلت في أوج التَّنمية الصناعية le développement industriel أو ما كان يُسمَّى، آنذاك، الثورة الصناعية la révolution industrielle، حيث كانت هذه البلدان في حاجة ماسة، لمُواصلة هاتين التنمية والثورة، للموارد الطبيعية les ressources naturelles التي كانت تزخر بها، على الخصوص، القارتان الأفريقية والأسيوية.
وحتى يكونَ الاستعمار الأرضي ناجعا ومُفيدا لهذه البلدان الأوروبية الغربية، كان لا بدَّ لها من تدعيم استعمارَها الأرضي باستعمار فكري. ولا داعيَ للقول أن هذا الأخير أخطرُ من الاستعمار الأرضي. وهو ما حدث، فعلاً، مثلاً بالنسبة لشمال أفريقيا الذي كانت بلدانُه الثلاثة (المغرب، الجزائر وتونس) مُستعمراتٍ فرنسيةً. والاستعمار الفرنسي لهذه البلدان لم يكتَفِ باستغلال ثروات البلاد. بل فرنسا كانت تدَّعي أنه، من بين أهداف المستعمِر، نقلُ الحضارة وما يترتَّب عنها من قيمٍ الحداثة وفوائدها.
ولهذا حاول الاستعمارُ الفرنسي، كذلك، بسطَ نفوذه الثقافي، أي الفكري، على جميع أنحاء البلدان الثلاثة، مُحاولةً منه في تكوين نُخبة مثقفة فرنكوفونية francophone تدين له بالولاء، أي تخدم مصالحَه. وقد نجحت فرنسا، شيئا ما، في هذه المهمة إذ خلقت برزواجية مغربية une bourgeoisie marocaine. فكيف نجح المستعمِر الفرنسي في خلق برزواجياتٍ محلية؟
مثلا، بالنسبة للمغرب، من جهةٍ، سَنَِّ هذا المستعمِر الفرنسي نظاماً تعليمياً تِمَّ، من خلالِه، تمرِيرُ للأجيال الصاعدة، أعرافاً وقيماً وطُرقَ تفكير قد تقود إما إلى اصطفاف هذه البرزواجية إلى جانب المستعمِر، وبالتالي، تخدم مصالحَه. وإما إلى خلق نخبة أخرى مُناوئة له، وبالتالي، تقاوم من أجل أنهاء نفوذِه على البلاد. ومن جهةٍ أخرى، فتح نفسُ المستعمِر أبوابَ الادارة والاقتصاد لهذه النُّخبة المثقفة المُكوَّنة في مدارِسه.
وهكذا، يكون المستعمِرُ الفرنسي قد ضرب عصفورين بحجرٍ واحدٍ، ظانا أنه، باستعمارِه الفكري، سيُعزِّز احتلالَه لأرض الغير. غير أن هذا المستعمِر الفرنسي نسِيَ أنه، بخلقِه لنُخبةٍ مثقفة تدين له بالولاء، أنه، في نفس الوقت، خلق استلاباً فكرياً لم يرضَ به كثيرٌ من المغاربة الأحرار. وهذا يعني أن المستعمِرَ الفرنسي كان يسعى إلى تهميشُِ الثقافات المحلية marginalisation des cultures locales. وفي الحقيقية، الأمر لم يتوقَّف عند هذا الحد. بل المُستعمِر اعتَبَر الثقافات المحلية أقلَّ شأناً وقيمةً من الثقافة الاستعمارية، وبالتالي، تمَّ احتقارُها أو اعتبارُها بِدائيةً primitives أو اعتبار مَن يتبنَّى هذه الثقافات المحلِّية من الهمج les barbares. ولا داعيَ للقول أن احتقارَ الثقافات المحلية قد يتبعه فقدان الهوية une perte de l'identité.
وهذا هو ما لم يرض به، كذلك، المغاربة الأحرار، أي أن يفقدوا هويتَهم. وهذا هو ما لم يستطع لا الاستِعمارُ الأرضي ولا الاستعمارُ الفكري مواجهتَه. وهذا هو ما دفع المغاربة الأحرار إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي، بوجهَيه الأرضي والفكري، إلى حين طردِه من البلاد.
ورغم ما قد يكون للاستعمارِ الفكري من محاسن اجتماعية، ثقافية واقتصادية، لا شيءَ يصمد أمامَ التشبُّث بالهوية الأرضية، الدينية والفكرية. كل شيءٍ يمكن تجاوزُه إلا أن يفقِدَ الناسُ هويتهم الأرضية. وهذا يعني أنهم فقدوا انتماءَهم لوطنِهم ils ont perdu leur appartenance à leur nation. والانتماءُ للوطن متعدِّد الأبعاد. فلا الأمازيغي يريد أن يفقد أمازيغيتَه، ولا العربي يريد أن يفقد عروبتَه ولا الحساني أو الصحراوي يريد أن يفقد حسانيتَه أو صحراويتَه… المهم هو التَّساكن والتعايش داخل المجتمع المغربي في أمن وأمان.
وفي الختام، كما يقول العقلاء، "لا يصِحُّ إلا الصحيح". ليس هناك بلد وشعبُه يرضيان بفُقدان هويتِهم الأرضية على الخصوص، أي فقدان انتمائهم إلى وطنهم. وحتى مَن يُسمَّون ب"مُزدوِجي الجنسية" les binationaux، تبقى أغلبيتُهم الساحفة مُعبِّرةً عن انتمائها للوطن الأم. ولهذا، لن تستطيعَ الإقامة في أوطانٍ أخرى ولا الاستعمار الأرضي والفكري أن يغيِّروا هويةَ الناس وانتماءَهم للوطن الأم.