إبراهيم محمود - السردية المهدورة للشَّعر في الثقافة والحضارة

يضع أحدهم كتاباً لافتاً. إنه " القرد العاري "، مشيراً إلى الإنسان طبعاً. كان ينبغي عليه التمييز في الحالة هذه،بين مَن يغطي الشَّعر جسمه، وبكثافة أحياناً، ليكون شبيه القرد، وعن قرب، ودون أن يكونه، لأنه يفتقر إلى المؤهلات التي تجيز له ذلك، بوصفه كائناً مميزاً بعنف، كان ولا يزال بنو جنسه ضحاياه، بمعان شتى، بينما القرد لا يخلو من فكاهة، ومن إطراب، ومن حميمية في علاقات تخص قطيعه " مجتمعه أفضل !"، وبين كائن آخر مغاير في نوعه، ومن الجنس ذاته، بالكاد يغطي الشَّعر جسمه" إنه يتمركز إجمالاً في مناطق معلومة في خريطة الجسم " ليس من داع لتسميتها، لبداهة أسمائها وصفاتها!".
الكائن الشَّعري إجمالاً هنا، كما يعلم القارىء ذو الفطنة هو " نوعي أنا " : الرجل.
الكائن المحرَّر من الشعر، أو لمن يكون هبَته، لا بد أن يكون منطقياً: المرأة .
أدفع بمقولة " الشَّعر" والاختلاف البيّن في مقامه ودلالته ودوره في الحالتين: ثقافة وحضارة .
وقد سُطّر تاريخ طويل في هذا السياق، ليس عبْر خلطة رهيبة، ضالة ومضلة، بين الاثنين، إنما في منح القياد لكل شيء، والكتابة باسمه وعنه: الرجل، لتكون المرأة الكلام الذي لا يمثّلها، إنما الصمت المعتَّم عليه داخلاً.
أتحدث هنا بالتالي عن السردية المهدورة للشعر هذا في الثقافة والحضارة. الاثنتان واقعاً، كما هي أمثلتهما العيانية: ما هو مقروء، وما هو ظاهر للعين، أو للحواس جملةً، تسمّيان شبيهَ القرد الدخيل: الرجل.

ماالذي يُقرَأ في الشَّعر
الشعر فاصل ملحوظ، عند النظر في أمره، بين الاثنين .
هو لم يكن مقلّد حيوان ضار ٍ، أو " مفترس " فهذا محكوم بحدود لا يتعداها، بقدْر ما كان، ويكون إلى اللحظة، محكوماً بقوانين تترجمه في عنفه، وطغيانه في سواه ونفسه. عبْر ذلك الشعر المنتشر على جسمه، والذي كان يغطيه تاريخياً، ويجري تهذيبه هنا وهناك إلى يومنا هذا، يعايَن فيه العنف بمختلف ألوانه، ويتجنس ذكورةً!
في مراحل التاريخ المختلفة، وكما هو مأثور في ثناياه، الكائن العاري ومحط النظر، كانت المرأة بجسدها.
متباهياً بشَعره، مستتراً ضمناً، كانت انطلاقته، وكان تمايزه عن المرأة.
تشير الحروب إليه. النزاعات، الصراعات الداخلية، فنون العنف المختلفة ومرادفاتها هي التي تسميه إجمالاً.
المرأة في العراء، عراء التاريخ والجغرافيا، حيث جرى التحكم فيها والسيطرة عليها، وتوليفها بالطريقة التي تبقيه " الخليفة الإلهي الطليق " على الأرض، وحتى الناطق الرسمي باسم خالقه، وممثّله عملياً.
بجسدها العاري، لعبت دورها الأكبر في احتضان الآخر: الرجل، ووفّرت له ما يبقيه في الحياة.
ألم يخن الأمانة ؟
ثمة لعبة بالكاد تُذكر، من وراء هذا الكائن الكثيف الشعر، ضداً على المجرّد منه تقريباً.
ثمة نماذج، أعتبرها حية، دقيقة، ملهمة، استثنائية في أدوارها ومقاماتها متضمناتها:
ممدّنة إنكيدو، سيدوري، حواء، شهرزاد.. لكل منها شخصيتها، ولكل منها قصتها الغفل عن الاسم في العمق.
توصَف ممدَّنة إنكيدو ذلك " الإنسان/ الرجل الوحش/ البرّي " في ملحمة " جلجامش " بـ" البغي المقدسة " تبعاً لزمانها، والتي تمكنت بتأهيله الكائن الجدير لأن يكون نزيل مدينة، وباني حياة. إن ثمرتها الجسدية، ثمرة جسدها العاري المفعم بالحيوية، هي في إشعاره بنشوة موصولة بالحياة ، بوعيها. لقد جعلت شعره أكثر نعومة، إن جاز التعبير، وهو الذي استيقظ فيه الكائن المنتظر، ليكون فاعلاً مؤثراً في لعبة الحياة.
وسيدوري! إنها سيدة الحانة التي أعلمت جلجامش " العظيم " بما عليه تداركه قبل فوات الأوان، جهة التعامل الأسلم مع الحياة، ومعايشتها كما هي، وليس في طلب المستحيل: الخلود. من علَّم سيدوري، بموقعها، ودلالة المكانة " سيدة الحانة " أن تسمّي هذه الحقيقة التي لا مهرب منها، وهي تشغل البشرية مذ وجدت؟
كيف جرى ويجري تجاهلها، كما لو أنها كانت اسماً عابراً في خيال عابر لكائن عابر؟
إنها ذهنية هذا الذي أمكنه التحكم بسردية التاريخ الكبرى، والدفع باللغة لأن تأتمر بأمر ذكورته في الصميم .
وحواء! من أين جاء هذا الاسم، وبناء على أي تصور، تشكل كمفهوم بالمقابل؟
ألم تتصرف بجسمها الشفاف، بأنوثتها المتبصرة، بجسدها " الحكيم " كما هي متطلبات الحياة، كما لو أنها سليلة " سيدوري " في إيقاظ " آدمها " لأن يباشر الحياة من خلال ثمرة تمثّل نموذجاً مصغراً للطعام " ثمرة الشجرة التي اعتبَرت محرمة، ودلالة هذا التحريم المساق خطأ "، ولتكون ثمرة شهادتها بمعرفتها، وهي تقطف الثمرة، ذلك العقاب الأبدي، دون أي طعن في الحكم، أو استثنافه، بوصفها الآثمة الأبدية؟
ألم يكن جسدها المفعَم بالأنوثة والحياة، تمثيلاً أقرب للحياة، وقد أسيء إليه تعبيراً عن عنف موجّه ذكورياً!
كيف يكافأ الإحسان بنكرانه؟ هوذا قانون الذكورة مكراً ومخاتلة وخداعاً للذات عينها بأكثر من معنىً.

نقطة على حرف
بصدد هذه المرأة التي تمثّل هنا وهناك " أم البشرية " أي " حواء " وهي المستلبة حقوقاً قيمية إلى الآن، بالصيغة التي دشّنت بها في المخيال الذكوري المشرعن سماوياً. أشير إلى تلك الانعطافة المرعبة في تاريخ المكوّن النفسي والعقلي للإنسان، من خلال بنية " المدوَّن توراتياً " حيث إن حواء في توليفتها حصاد الذهنية التوراتية " في سفر التكوين ". " حواء " بنسختها القيمية والأنثوية تمايزاً هنا، دخيلة تماماً علىة التراث الثقافي والحضاري كثيراً لميزوبوتاميا، لحظة التذكير بذلك المقام السامي للمرأة " يُنظَر في كتابي : الضلع الأعوج: المرأة وهويتها الجنسية الضائعة ". حيث مارس حاخامات اليهود في إثر سبيهم الآشوري- البابلي، أكثر حالات السطو على هذا التراث ذي الصلة بالتكوين، بأصل الحياة والإنسان بمعيار ديني، وقد حوّلوا هذا الجانب، وكما يهمهم عبر أكثر الترجمات تحويراً لشخصية المرأة الميزوبوتامية " والسومرية في الواجهة "، بحيث تبقى صورة حواء، هي حقيقة المرأة الموجّهة والمقامة بالقوة، ترجمة غيّبت النص الأصلي لها.
والمفارقة الكبرى، ولعلها من أولى مفارقات التاريخ هنا، تتمثل في أن المرأة اليهودية مارست دورها ولا تزال دورها بشموخ واقتدار، بمفهومها العلمي. ولنجد ذلك التطويب للنسخة التوراتية لهذا الجسد الأنثوي حوائياً مؤبداً، ومستعاراً وجار ٍ تبنيه وشرعنته إسلامياً بجلاء، ودفن ما كان سابقاً في عدم تاريخ، وهو يُقرَأ ويدقَّق فيه، كما لو أنه أحادي الجنس، لم يألف سوى وجه الرجل واسمه وظله. ذلك ما لم ولا يدقَّق فيه.
إنني هنا، وإزاء هذا الانقلاب الكوكبي لدينا، أشدد على فذاذة هذه " العبقرية اليهودية " والمعتبَرة والتي يلتقي فيها اليهودي دينياً واليهودي قومياً في مفهوم " الإسرائيلي " الديانة الاستثنائية التي يمارَس فيها هذا الضبط والتناغم بين ما هو ديني ومعتقدي وعلمي لا يقف عند حد. إنه أكثر أنواع التمكن من أذهان أولئك الذين تلقّوا صورة حواء " الجسد المركَّب توراتياً " تمثيلاً لكائن ثتفقر إلى العقل والدين مقابل الرجل، ولتكون " العورة " هذه منطلقة من تلك الشفافية ذات الشبهة والتي دشّنها الذكوري هنا، وهو مثقل بالشعر الذي يغطيه، أي عدم المصادقة العملية على ما جاء مروياً بألسنة الحاخاميين، والحرص عليه في آن، كما لو أنه يمارس دور الحارس الأوحد لما هو ديني وتاريخي لمن يكون بالنسبة إليه الغريب " الغوييم " في الإسلام وسواه !
وفي السياق هذا لم يدخر المؤرخ العربي -الإسلامي، ومن وفورة الذكورة فيه، جهداً لأن يجذر هذه العلاقة التوراتية في نفسه وعقله، وهو يسطّر ما هو تاريخي، أي باعتباره " خريج المعطف التوراتي " كما أشرت إلى ذلك في كتابي " أئمة وسحرة " قبل ثلاثة عقود زمنية تقريباً.

وشهرزاد القاتلة القتيل
تمثل شهرزاد ذات الصيت التعبير الأمثل عن بلاغة الذكورة في تجذير فكرة المرأة المثقَلة بالشبهات، كما تشهد بذلك حكاياتها وهي لها وعليها جهة التأثير من منطلق " ألف ليلة وليلة " إلى مختتمها. شهرزاد التي لم تتكلم البتة بصفتها المرأة التي كانت، وإنما التي تكون كما يراد منها: الجسد المتبّل على مائدة الذكوري.
أي حيث تكون هذه العارية قهراً والراوية هدراً، تمثيلاً للجسد العاري الذي يعيد إنتاج سطوة الذكورة دائماً.
الساردة تكون المرأة حصاد تاريخ طويل من نظرة الرجل الكثيف الشعر، والمشهود له بالعنف الدموي، حيث يجمع في سلطته بين السماء والأرض " نساء الأرض وحور عين السماء: الجنة " وليس على المرأة الموهوبة بلاغة وقوة استقطاب، وإثارة شهوة وغلمنة الرجل، سوى أن تعزّز يقينه أنها مضافة إليه ومفعولٌ فيها.
يبقى الشَّعر بحسّيته داخلاً في متن العلامة الفارقة التي تبقي الرجل هبَة الحياة، وكما يريد هو، والرجل هبة المرأة، كما لا تريد هذه، حيث التباهي بشعره علامة الرجولة، بينما هي فحسبها أن تكون مأخوذة برضاه، وأن تمسّد شعر صدره، كما لو أنه يكفل لها بقاء، وهي تستجيب لسطوة الذكورة فيها وأفانين فعلها .
لا أدري من أين وكيف ظهرت صفة " الجنس الخشن " إشارة إلى الرجل، و" الجنس الناعم " إشارة إلى المرأة؟ ربما كان للشَّعر الذي يتقاسم المحيط الجغرافي لجسد الرجل، وهو يتفنن في إظهار، دور لافت في عملية الفصل هذه. تُرى، لماذا النعومة تخيف الرجل، نعومة جسد المرأة، في الوقت الذي لم يكف الرجل، على أكثر من صعيد، وبمؤثرات دينية ودنيوية، على تجريدها من خاصيتها، لتكون خشونة صادمة ولا يؤتَمن جانبها؟ كيف يكون للعري الأنثوي مثل هذا الرهاب الجماعي الشعوري- اللاشعوري في ذهنية الرجل؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...