العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - مشروع دواوين شعر الملحون: هل توقف؟ أم استُنفد المخزون؟. بيان نقدي حول موسوعة الملحون الصادرة عن أكاديمية المملكة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أتقدم بهذا المقال النقدي، وهو في الوقت ذاته بيان صريح من قلب التجربة، بشأن "موسوعة الملحون" الصادرة عن أكاديمية المملكة المغربية، والتي اقتنيتها بمبلغ 1650 درهمًا، زيادة على مصاريف السفر والتنقل، طمعًا في وثيقة تحفظ تراثنا، وتخدم الباحثين والمهتمين بهذا الفن الوطني العريق. غير أن ما وجدته بين دفتيها كان صادمًا ومخيّبًا للآمال، لما حوته من اختلالات علمية ومنهجية جسيمة، ترقى إلى مستوى تشويه متعمد لتراث الملحون المغربي



لقد راسلتُ الأكاديمية بتاريخ 20 ماي 2024 عبر بريدها الإلكتروني الرسمي، موضحًا بالأدلة مجموعة من هذه الاختلالات، دون أن أتلقّى أي رد إلى حدود اليوم، في ما يبدو أنه تجاهل ممنهج لأي ملاحظة نقدية أو تفاعل علمي مسؤول، وهو ما لا يليق بمؤسسة في مقام أكاديمية المملكة.
رحلة شعر الملحون من السرية والاحتكار إلى الفضاء الرقمي:
في زمن مضى، كانت نصوص قصائد الملحون نادرة ومحمية كأنها كنوز ثمينة، إذ كانت محفوظة في صدور كبار المشايخ وحُجرتهم الخاصة. لم يكن الحصول على هذه القصائد أمرًا يسيرًا، بل كان الشباب العاشقين لهذا الفن يقصدون هؤلاء المشايخ طلبًا للتحصيل، ولكن في كثير من الأحيان كان ذلك مرتبطًا بعلاقات شخصية متشابكة، حيث أُشير إلى حالات من استغلال سلطة المشايخ على التلاميذ، واستغلال تلك العلاقات للحصول على القصائد، مما أضفى على هذا التراث طابعًا من الغموض والحذر في تناقله



مع دخول عصر التكنولوجيا الرقمية وتوسع وسائل النشر الإلكتروني، بدأت قصائد الملحون تنتشر بشكل أوسع عبر ملفات PDF ومنصات التواصل، وهو تحول غير مسبوق أتاح المجال لجمهور أكبر من المهتمين بالاطلاع والتفاعل مع هذا التراث
وعندما أصدرت أكاديمية المملكة المغربية "موسوعة الملحون"، استبشر الكثيرون خيرًا، معتبرين أن هذا الإصدار الرسمي سيشكل خطوة نوعية في توثيق التراث، وإنصافه، وتعميمه. إلا أن الموسوعة، رغم أهميتها، لم تخلُ من أخطاء وانزلاقات مهنية ونقدية أثرت على جودتها العلمية، كما نوقش في العديد من الملاحظات والبيانات التي أصدرها الباحثون والمهتمون
معاناة الباحثين وتأثير الأخطاء على مسارهم العلمي
إن من أبرز تداعيات هذه الأخطاء هو تعقيد مهمة الباحثين الشباب، الذين يختارون دراسة التراث الأدبي للملحون موضوعًا لأطروحاتهم في الدكتوراه أو الماستر. هؤلاء الباحثون، بشغفهم وحماسهم، يجدون أنفسهم أمام صعوبات بالغة في استيعاب وتحليل النصوص بسبب غموض العروض، وتشوّه الأبيات، وغياب التوثيق، مما يُفقد النصوص أصالتها ويُربك فهمها البنيوي والمعنوي
وللأسف، فإن هذه الإشكالية لا تعرقل فقط البحث العلمي، بل تؤثر سلبًا على مستقبل الدراسات الأكاديمية في هذا المجال، وتحدّ من إمكانية النهوض بفن الملحون كتراث حيّ يحتاج إلى تجديد مستمر في الفهم والتلقي
الأمر الذي يستوجب إصلاحًا عاجلًا، وبناء جسور ثقة جديدة بين الباحثين والمؤسسات الراعية للتراث.
نظرة على المشروع قبل "الموسوعة"
جدير بالذكر أن الأكاديمية نفسها كانت قد أطلقت، منذ سنة 2008، مشروعًا رائدًا تمثّل في نشر دواوين كبار شعراء الملحون المغربي، وقد أسفر عن إصدار أحد عشر ديوانًا شعرية وازنة، موزعة كالآتي:
1. عبد العزيز المغراوي (2008) – 426 صفحة – 47 قصيدة
2. الجيلالي متيرد (2008) – 382 صفحة – 75 قصيدة
3. محمد بن علي ولد آرزين (2009)– 454 صفحة – 69 قصيدة
4. عبد القادر العلمي (2009) – 518 صفحة – 70 قصيدة
5. التهامي المدغري (2010) – 718 صفحة – 117 قصيدة
6. أحمد الـﯖندوز (2011) – 486 صفحة – 72 قصيدة
7. أحمد الغرابلي (2012) – 678 صفحة – 95 قصيدة
8. إدريس بن علي (2012) – 654 صفحة – 102 قصيدة
9. عبد الحفيظ (2014) – 478 صفحة – 77 قصيدة
10بن علي المسفيوي (2016) 1016 صفحة – 197 قصيدة
11. أحمد سهوم (2018) – 1122 صفحة – 173 قصيدة
كان هذا المشروع في بداياته يُبشّر بعمل علمي رصين، ووتيرته في السنوات الأولى كانت سريعة (ديوانان سنة 2008، وديوانان سنة 2009)، ثم بدأ التباطؤ تدريجيًا، حتى توقفت الإصدارات تمامًا بعد سنة 2018، دون أي توضيح رسمي.
موسوعة الملحون: أخطاء منهجية ومغالطات فادحة
بعد الاطلاع والتدقيق في ما سُمي بـ**"موسوعة الملحون"**، تبيّن لي أن العمل لا يرقى إلى المعايير العلمية والتحقيقية التي تُفترض في مؤسسة أكاديمية. ومن أبرز الملاحظات المسجلة:
1. ضعف في التحرير والتصنيف، بشكل لا يليق بموسوعة علمية.
2. غياب أسماء خبراء متمكنين في فن الملحون ضمن لجان الإعداد والمراجعة.
3. خروقات فادحة في التوثيق والنَّسب، وتعدٍّ على حقوق شعراء معروفين.
4. انعدام المنهج العروضي في تقديم القصائد، وكأننا أمام نثر سردي لا شعر موزون.
5. تشويه الأبيات من خلال توزيع سيئ للأشطر، وتقديم النصوص في غير بنائها الأصلي.
6. إغفال مصادر القصائد، وغياب الإحالات الدقيقة، مما يُسقط العمل من الاعتبار التوثيقي.
أمثلة موثقة:
- في ديوان إدريس بن علي (ص 396)، نُسبت قصيدة ليلة القدر إليه، بينما هي من نظم الشاعر الحاج أحمد سهوم، ومثبتة في ديوانه (ص 327)، كما هي محفوظة في أرشيف الإذاعة الوطنية منذ سنة 1980 بصوت الحاج بن غانم.
- في ديوان عبد القادر العلمي، هناك 12 قصيدة نُسبت إليه دون سند، رغم أنها من تأليف شعراء آخرين.
- أما ديوان السلطان مولاي عبد الحفيظ، فقد أُدرجت فيه قصائد منسوبة زورًا إليه، رغم أن السلطان لم يكن شاعرًا، بل كان راعيًا للشعراء، مثل الفقيه العميري وغيره.
تساؤلات مشروعة:
هل فعلاً خضعت هذه الموسوعة لعملية تحقيق علمي وفق ضوابط البحث؟
لماذا تم إقصاء المتخصصين الحقيقيين في الملحون من هذا المشروع؟
من يتحمّل مسؤولية تحريف ذاكرة فنية وطنية عمرها قرون؟
ولماذا لم تُفتح أبواب النقاش أمام الغيورين على التراث، من أجل التصحيح والمراجعة؟
مطالب واضحة:
1. سحب الموسوعة والدواوين التابعة لها من المكتبات ومواقع البيع، ريثما تُراجَع وتُصحَّح أخطاؤها.
2. فتح تحقيق علمي نزيه وشفاف حول طريقة الإعداد والتحقيق والتوثيق.
3. إشراك أهل الاختصاص الحقيقيين في أي عمل لاحق يرتبط بتراث الملحون.
4. تقديم بيان رسمي من الأكاديمية للرأي العام الثقافي المغربي، توضح فيه خلفيات هذه الاختلالات.
خاتمة: مسؤولية لا تُغتفر
إننا لا ندافع فقط عن أبيات شعر مغلوطة، بل عن ذاكرة وطنية، وهوية ثقافية، ولسان شعب، وسجل حضاري يعود لقرون.
الملحون ليس فنًا للتسلية، بل هو سجل اجتماعي ومعجمي وتاريخي للمغرب، وصيانته مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع، وفي مقدمتهم المؤسسات الرسمية.
إن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى إذن كي تُقال، ولا إلى سلطة كي تبقى، وسجلات التاريخ لا تُكتب في صالونات البروتوكول، بل بما يثبته التحقيق ويشهد له الزمن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...