القِسمُ في بلدي أقسامٌ تماماً كما في البلدان المُتقدمة التي آمنت أن إيقاع التطور في التفكير ليس دائماً قِرداً، فمضت قُدُماً في ركبها الحضاري الذي يكفلُ للإنسان حقوقاً تميزه عن الحيوان؛ و ثمَّة من هذه الأقسام التي تُقسِّمُ أجسادنا دون أن يمسَّها من الجزار سِكِّين، في قطاعات تُسمََّى باطلا حيويَّةً بينما لا حياة لمن تُنادي؛ قِسم المستعجلات، قسم الشرطة، قسم التحرير، قسم الإنعاش، قسم التخطيط، قسم الجراحة.. وهلُمَّ أقساماً تحاول عبثاً أن تواكب و هي تمشي بطيئة على الرُّكَب التعَقُّد الذي يشوب الحياة في الدولة الحديثة، فإذا هذا التعقُّد الذي ليس نفْثاً من الشيطان يحتاج لرُقية من أحد فقهاء الإقتصاد المُدَبَّر أعمى في الظلام، ينتقل إلى نفوس المواطنين بكل الأعطاب التي تجعل البلد كاملاً يفقد التوازن في العقل، فلا نعرف حين نريد الكلام بالهذيان هل نفتح فماً في بناية وجوهنا أم بابا في عيادةٍ للأمراض العقلية والنفسية؛ أجل القِسم في بلدي أقسامٌ كما أسلفتُ ذِكراً لبعض ثكناتها التي لا يُرجى من خدماتها إلا الرصاص؛ لكن يبقى القسم الأول الذي وُلِدَتْ من رحمه المُشِعِّ نوراً كل هذه الأقسام المفروض أنها الشريان الإقتصادي المُلبي لحاجيات أفراد المجتمع؛ هو قِسم الدرس الذي لا يعني بطبيعة الحوافر البيدر حيث نستخلص في موسم الحصاد القمح من التبن، إنما المكان الذي يُعلِّمُنا أن نكون آدميين بالكياسة فعلا و قولا حتى لو أدركتنا لوْثََةُ السياسة التي قد لا تتورعُ بما أوتيت من فُصام أن تضع إلى جوار قسم الدرس قسماً للشرطة..!
ما كان على هراوة الداخلية أن تتدخل لهدم ما يبنينا بالتعليم في عمودنا الفكري مجتمعاً أبياً راقيا، و تمريغ مع الأساتذة المتدربين الذين طالت ظهورهم آلة القمع الهمجية للسلطة، عقول مستقبلنا التي لا تعتبرها الدول المُتقدمة مجرد مصابيح تعلقها في أوطإ سقف و قابلة للإحتراق و التغيير، بل توليها من حيث مقام المعرفة مكانةَ الشمس في سقف السماء التي تمتد بنورها إلى أعتم نقطة في جغرافيا الجهل..!
كان على الداخلية التي عادت بشبح البصري تظنه ما زال قادرا على إفزاع الجيل الجديد الذي لا يخشى خيالاً، أن تُوفِّر هراوتها لِما يُهدد أمننا في زمن الإرهاب و ليس لمن سيُوفرون لأبناء البلد غذاءهم الروحي دون أن يرضعوا مع الحليب من ثدي أمهم الوطن سُمّاً أو خوفاً..!
ما كان على الداخلية أن تتدخل لتكْسِر في الأستاذ المغربي الكريم عِزَّة النفس التي لا نعرف كيف سينقلُها للتلميذ بعد أن تهَشَّم في أنفه كل كبرياء أشم..!
أليس هذا الأستاذ من كان ذات عُمرٍتلميذاً تمسكُ أمه أو أبوه بيده التي ترتعش مع كل فرائصه من شِدَّة هيبة اليوم الأول في المستوى الأول في المدرسة الأولى، و كأنه وهو يلجها مُودِّعا والديه عند الباب، سيولد من جديد بحواس أخرى أقوى من حيث مَلكتها الإدراكية، من رحم أم عظيمة اسمها المدرسة، و يشعر أنه بَدَلَ الأم و الأب البيولوجيين، سيصير له أمهات و آباء هُمُ الأساتذة الذين ما زالت ذاكرتهم تحتفظ في جعبتها بأول يوم في التعليم كفراشةٍ أو زهرةٍ حنَّطها الزمن بين ثنايا دفتر 24 ورقة؛ هم الأساتذة الذين ما عادوا متدربين و صاروا كاملي الأهلية و الكفاءة دون أن ينالوا الإعتراف من وزارة تنقصها التربية، فجعلتهم وهم يعودون بالذاكرة إلى التلميذ الأول الذي كانوه، يندمون على العُمر الذي ضاع هباءً في التحصيل، و لم يخطر على بالهم و قد تلطختْ الوزرة البيضاء بالدماء و صارت كَفَناً، أن يكون كل هذا القمع الذي اتخذ الشارع المغربي قِسماً شاسعا ملء أنظار العالم، درسهم الكبير في غدر من أوكلناهم أُمَناء على الحياة في بلدنا..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 21 يناير 2016)
ما كان على هراوة الداخلية أن تتدخل لهدم ما يبنينا بالتعليم في عمودنا الفكري مجتمعاً أبياً راقيا، و تمريغ مع الأساتذة المتدربين الذين طالت ظهورهم آلة القمع الهمجية للسلطة، عقول مستقبلنا التي لا تعتبرها الدول المُتقدمة مجرد مصابيح تعلقها في أوطإ سقف و قابلة للإحتراق و التغيير، بل توليها من حيث مقام المعرفة مكانةَ الشمس في سقف السماء التي تمتد بنورها إلى أعتم نقطة في جغرافيا الجهل..!
كان على الداخلية التي عادت بشبح البصري تظنه ما زال قادرا على إفزاع الجيل الجديد الذي لا يخشى خيالاً، أن تُوفِّر هراوتها لِما يُهدد أمننا في زمن الإرهاب و ليس لمن سيُوفرون لأبناء البلد غذاءهم الروحي دون أن يرضعوا مع الحليب من ثدي أمهم الوطن سُمّاً أو خوفاً..!
ما كان على الداخلية أن تتدخل لتكْسِر في الأستاذ المغربي الكريم عِزَّة النفس التي لا نعرف كيف سينقلُها للتلميذ بعد أن تهَشَّم في أنفه كل كبرياء أشم..!
أليس هذا الأستاذ من كان ذات عُمرٍتلميذاً تمسكُ أمه أو أبوه بيده التي ترتعش مع كل فرائصه من شِدَّة هيبة اليوم الأول في المستوى الأول في المدرسة الأولى، و كأنه وهو يلجها مُودِّعا والديه عند الباب، سيولد من جديد بحواس أخرى أقوى من حيث مَلكتها الإدراكية، من رحم أم عظيمة اسمها المدرسة، و يشعر أنه بَدَلَ الأم و الأب البيولوجيين، سيصير له أمهات و آباء هُمُ الأساتذة الذين ما زالت ذاكرتهم تحتفظ في جعبتها بأول يوم في التعليم كفراشةٍ أو زهرةٍ حنَّطها الزمن بين ثنايا دفتر 24 ورقة؛ هم الأساتذة الذين ما عادوا متدربين و صاروا كاملي الأهلية و الكفاءة دون أن ينالوا الإعتراف من وزارة تنقصها التربية، فجعلتهم وهم يعودون بالذاكرة إلى التلميذ الأول الذي كانوه، يندمون على العُمر الذي ضاع هباءً في التحصيل، و لم يخطر على بالهم و قد تلطختْ الوزرة البيضاء بالدماء و صارت كَفَناً، أن يكون كل هذا القمع الذي اتخذ الشارع المغربي قِسماً شاسعا ملء أنظار العالم، درسهم الكبير في غدر من أوكلناهم أُمَناء على الحياة في بلدنا..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 21 يناير 2016)