من خلال اهتماماتي بما هو جنساني، قراءة وكتابة، ومتابعتي المتواضعة عمّا يُكتَب ويتم تداوله في السياق هذا،يكون لاسم " شهريار " وقْعه، ليس كمجرد اسم، وإنما من جهة المكانة والرمز. إذ من السهل العثور على أكثر من امرأة تحمل اسم شهرزاد، بينما لم أفلح، وفي حدود متابعتي المذكورة، العثور على من يحمل اسم شهريار، اسم علَم ، له نسَبه، وحقيقته الملموسة. ذلك لا يفوَّت من جهة حمْله مشخصاً.
رسم توضيحي لألف ليلة وليلة | أساسيات مكتبة فرنسا الوطنية
إذا كانت الكتابة، كما هو الفن لعبة، لعبة متقنة، كثافة، ومحتوى، ومغزى، فإن الذي تمحور حول شهريار، هذا الذي بالكاد كان يتكلم مع " شهرزاد:ه"، فأولاً، لأن ما كان يتفوه به، لا يعرّف به موقعاً وقيمة فحسب، وإنما ما يمكن أن يعرَف بشهرزاد أيضاً، اعتباراً ومكانة، وفي التمثيل القولي الحامل لبدعة " حكاياتها " الليلية، أو يُنسَب إلى ذاكرتها المؤسطرة، أو حافظتها من براعة توليد الحكايات وإنسالها !
" ألف ليلة وليلة " عمران مشيّد من قبل " مهندسة " أنثى، إنما بناء على مخطط موضوع مسبقاً، حيث إن العمران هذا يستجيب لمجمل رغبات واضع المخطط والمشرف والمتابع، والمدقق في " تربة " كل حكاية.
إنها لمفارقة كبيرة، حين يمتزج الليل الدال على المرأة المنمطة هنا مع مغامرات الرجل الفارض سلطته وذكوريته، ومن خلال ما كان يُروى له، ويطابق ذائقته الخاصة، المرأة المنمطة في تاريخها الطويل والنازف، بأصداء حكايات خرجت بتوقيع شهرياري، حيث الغالبية الساحقة من " نسائها " يؤكدن شهادة الرجل المنمط، الرجل الشهرياري، الذي أراد من " لياليه الألف وليلة " حيث لا نهاية لها، بتعبير بورخيس، إنما اللانهاية هذه، تعني " إغلاق محضر الضبط " المُعَد والموقَّع عليه من قبل رجل ذكوري، أبّدت رغبته ونظرته في المرأة التي ر يؤتمن جانبها، المرأة الـ" شهرزاد " التي أنجبت له وهي تسرد حكايات شهريارها، يما يعزز شهادته فيها، ثلاثة ذكور، وما في هذا التجنيس والعدد من اعتبار آخر يوطّد مقولة ترددها الألسنة إلى الآن .
في " ألف ليلة وليلة " إعادة إنتاج المرأة الحوائية، وطرح ميثولوجيا حواء " صناعة " ’دم التوراتية، بتأثيمها، ودون سماع رأيها" حواء خرساء، صماء، بكماء في الواقع " فما أشير به إليها، تأبيد اتهام ضدها بسلبيتها،
وشهرزاد هنا، لا تعد أن تكون حواء، إنما بالصورة التي تمحور فكرة الخيانة، أو وجوب ربطها بما يتولى أمرها، وهي إذ تسرد حكاياتها، تكون المرأة التي " فبركها " الرجل " الآدمي " الذكوري.
ما يحفّز على مكاشفة جنحة النص المعزز شهرزادياً، أي بشهادتها الموجهة، هو أن شهريار، كاسم، كما هو معروف يعني " حاكم المدينة" أو " الملك الكبير " أما شهرزاد، فتعني " ابنة المدينة ". أعلينا في الحالة هذه، أن نكذب الرواية الساردة باسمها، أم الرواية الغفل من الاسم، وهي تكون مجردة من كل اعتبار يعنيها، كونها مشدودة إلى بنوة أنثوية" ابنة المدينة " وثمة حاكم المدينة، فتكون ملحقة بهذه الملْكية !؟
ليس من غرابة، إن لوحظ هذا الاهتمام الكبير، ليس محلياً أو إقليمياً، وإنما عالمياُ" في أوربا وخارجها " بعالم " ألف ليلة وليلة " الشهرزاد الطابع، كما يُزعَم، ومن قبل أكثرية ساحقة من الرجال، وهم يثنون على بلاغة هذه المرأة الحكااياتية، في سرديتها الأنثوية المجازة شهريارياً بجلاء، وربط قابلية الاستمرار بالكلام، والصحيح بـ" الحكي " أي من المحاكاة، من بذرة مزروعة وموصىً عليه ذكورياً، تتنبت وتثمر ما هو مشتهى ذكورياً، لتكون ليالي شهرزاد بالجملة شهادة ذاتية، أو نزعاً لاعتراف منها على " فساد " جبلّتها الأنثوي، ليجري تطويب مصداقية الرجل، غبنه الجامع بين الديني والدنيوي، الإساءة إليه من قبل المحسَن إليها" زوجته، كما هو أصل الحكايات في سلاسلها المختلفة، وأن يكون ديك شهريار الدال على فحولته، بقدر ما تصبح شهرزاد الأم، أي طباخة أطفالها، مرضعتهم، والحريصة على سلامتهم، وقد حصَّلت براءة ذمة من موت محقق، كما كان المعهود في مسلك شهريار.
قلة قليلة تنبهوا إلى النص الملغوم، والمزخرف في " ألف ليلة وليلة " وأنا كنت، ولازلت، ومنذ عقود زمنية، وفي أكثر من مقال، وبصورة مركزة في كتابي " زئبق شهريار" جماليات الجسد المحظور في الرواية اتلنسوية العربية- 2012 " وعبر قراءة متشعبة في أكثر من " 150 رواية " نسوية عربية، تتفاعل مع هذه الأسطرة المجازة شهريارياً افتتاناً كارثياً ببلاغة القدوة المضحى بها أصلاً: شهرزاد .
أن نسمع بشهرزاد اسماً لأكثر من امرأة، في الصميم، حفْر في الذاكرة الأنثوية المنجرحة، ومعاينة لجرح عميق وملتهب لا برء له، كما لو أن شهرزاد الحية هذه تقدم في اسمها وصوتها وسلوكها اليومي، وفي مجالات شتى صك اعتراف بحقيقة ما يقال فيها ويُنسب إليها خيانة، ونكران معروف، والخضوع لسلطة " رب بيتها " أو ولي أمرها: الرجل، وما في ذلك من مكر مفعَّل بمرجعيته الذكورية المشرعنة.
عدم وجود من يحمل اسم شهريار هنا وهناك، لا يعني غياب شهريار الشخص المنمط على هيئة شهريار التليد، إنما، لأن الرجل في مجملهم بصيغ الجمع المفرد" شهريار " وانتشاء ضمني، دون التصريح به. لأن شهريار الذي كان يصغي إلى شهرزاده: الجسد المسلعن والمولَّف، كان يتكلم من خلالها، لتكون حجته فيها كامرأة تمثل النساء قاطبة، وتكون حجتها له دمغة إدانة تمتد إلى أجل غير مسمى؟؟!
شهرزاد هذه التي نلتقي بها نهاراً، امرأة في أعمار مختلفة، في أزياء مختلفة، وفي مواقع مختلفة، مشرقاً ومغرباً، وببعض التباين، هي النسخة " طبق الأصل " إلى اللحظة هذه، لأمها الحوائية- الشهرزادية، وليس من امرأة تنبض أنوثة، إلا وفي واعيتها شهريار مقيم ومقيّم لها وقيّوم عليها ، بمعنى أن " ليالي ألف ليلة وليلة " قد حققت أهدافها القيمية المنشودة، مزكّية الرجل، وإلى الأبد، لأن يكون المرجع للمرأة دنيا وآخرة .
ملاحظة: اللوحة الفنية من وضعي