علجية عيش - مشكلة "التخلف" في العالم الإسلامي من منظور مالك بن نبي و محمد أركون

الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية عبر قناة الأنيس الفضائية


مالك بن نبي و محمد أركون مفكران جزائريان لكل واحد منهما زاويته التي يطرح من خلالها القضايا الفكرية و مشكلات الحضارة، و كلاهما تناول الظاهرة القرآنية و من خلال ندوة بثتها قناة الأنيس الفضائية في برنامج "مجالس الفكر" حول ظاهرة التخلف عند مالك بن نبي شارك فيها كل من العلاّمة عمار طالبي و الباحث عبد اللطيف سيفاوي و الدكتور سعيد مولاي نشطها الدكتور عبد المالك بومنجل، فمشكلة التخلف في العالم الإسلامي خاض فيها كثير من المفكرين و المنظرين و كانت لكل منهم رؤيته الخاصة للتخلف، فالبعض ربطها بالاستعمار، في حين ير
ى أخرون أنها تعود إلى ما قبل الإستعمار و منهم المفكر محمد أركون

ارتبط فكر مالك بن نبي بمشكلة الحضارة و ما بعد الحضارة و هذه المرحلة يسميها مالك بن نبي بالتخلف، هي مرحلة يفقد فيها الإنسان إنسانيته و شخصيته و يريد أن يعيش في دائرة مغلقة لا تخرج عن حدود حياته البيولوجية، فتجده يعتمد على غيرة في كل مجالات الحياة، و مالك بن نبي و هو يعالج هذه الظاهرة ركز على العالم الإسلامي و بخاصة مجتمع ما بعد الموحدين، أي بعد سقوط دولة الموحدين بعد أن تمكن الأوروبيون التعرف على الدولة من الداخل عن طريق ترجمة أعمال ابن تومرت، حيث اتسمت تلك المرحلة بالركود ، أصبح المجتمع الإسلامي متخلفا، كان هناك تقارب في الأفكار بين الثلاثة الذين شاركوا الندوة (الرقمية) فالتخلف حالة مرضية تصيب المجتمع البشري لكنها حالة مؤقتة، و المجتمعات حسب الدكتور بومنجل تبدأ عندما تنتظم ، في محاولة منهم الإجابة على تساؤلات مالك بن نبي التي كان يطرحها عن سبب التخلف في العالم الإسلامي و ماهي عوامله في جانبه الذاتي و الموضوعي ، خاصة في المجال العلمي وهو الذي شهد مرحلة الإستعمار و من هذا المنطلق بدأ يتحرك فكره انطلاقا من فكرة القابلية للإستعمار، و خص بالذكر النخبة المثقفة التابعة للمنهج الحداثي، و هذه الأخيرة كانت منبهرة بالحضارة الغربية، وكان مالك بن نبي يشير إليها بالأفكار الميتة و المميتة القادمة من الخارج.


و كما يقول الدكتور عمار طالبي رئيس الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية ، فمالك بن نبي عاش في القرن العشرين و كان يتميز بالفطنة و الذكاء و الملاحظة الدقيقة و بالواقعية، اكتسب المنهج العلمي، فهو يحلل الظواهر إلى عناصرها، كما استعمل المنهج الفلسفي و هو يعالج الظاهرة القرآنية واجه فيه الفلسفة الغربية المادية، أدرك الفرق بين المعمرين و المستعمرين، ففي القرن العشرين كاد المجتمع الجزائري أن يكون مستقبله مظلما، لكن مالك بن نبي كانت له رؤية استشرافية و استخلص لما يكون في المستقبل خاصة مع بداية 1925 التي كانت بداية فجر جديد، و هي المرحلة التي وصفها الدكتور عبد اللطيف سيفاوي بالحركية على المستوى الفكري و السياسي، ليشير كيف ساير مالك بن نبي مرحلة الإصلاح، فقد كان مالك بن نبي حسبه متشبعا بالفكرة الإصلاحية داخل و خارج الجزائر، و بذلك كان ملك بن نبي يرى قضية التخلف بأنها حالة طبيعية، يشبه الدكتور عبد اللطيف سيفاوي هذه الحالة بحياة الإنسان و هو ينتقل من الطفولة إلى الشيخوخة ، و في هذه المراحل يصاب بالضعف و الوهن و هو ما يحدث للحضارات أيضا، فالحضارة الإسلامية كانت فيزمن ما بلغت الريادة ، لكنها انتقلت إلي مرحلة الركود و ستبرز من جديد، أراد عبد اللطيف سيفاوي القول أن مالك بن نبي شَخَّصَ مشكلة التخلف و اعتبرها حضارية ، لكن التشخيص وقع فيه خطأ من جهات عدّة.

و السؤال: هل تشخيص مالك بن نبي لمشكلة التخلف في العالم الإسلامي حاولت جهات تأويله أو تمييعه؟ أو منحه بعدا أخر؟، فمسألة التخلف خاض فيها كثير من المفكرين العرب و الجزائريين بالخصوص و منهم المفكر محمد أركون، فإذا وقفنا على فكر محمد أركون في مسالة التخلف ( من باب المقارنة فقط) عندما تحدث عن المشكلة الثقافية و هي المشكلة التي عالجها مالك بن نبي باعتبارها العنصر الأساسي في بناء الحضارة، فمحمد أركون يرى أن الثقافة هي كل الإيديولوجيات التي تخترق مجتمعاتنا بعنف و قد سمّاها محمد أركون بالعنف الإيديولوجي ، الذي اتسم بحرب الأفكار ، و هي الفكرة ( حرب الأفكار) التي ناقشها مالك بن نبي في مشكلة الحضارة، إلا أن محمد أركون يتجه اتجاها أخر عندما قدّم المعتزلة كنموذج، وهي حركة من المثقفين تعرضوا للاضطهاد ، فوضعوا أنفسهم جانبا و اعتزلوا المجتمع بمحض إرادتهم للتأمل و التفكير، فمحمد أركون يرى أن المجتمعات الخالية من الحريات تتحول إلى مجتمعات متخلفة، لأن الحرية عندها مفقودة ، و هي المشكلة التي وضع مالك بن نبي نظرياته و هي القابلية للإستعمار، بدليل كما يقول محمد أركون أن الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان في اليونسكو في بداية الثمانينيات ( 1980 ) لم يكن ثمرة جُهْدٍ قامت به الطائفة الإسلامية أو خاتمة نضج داخلي، و إنما هو عبارة عن تطفل على أفكار ولدت في الخارج، و أُلْحِقَتْ كجزء من التراث الإسلامي القديم.

السبب يضيف محمد أركون أن العقلية الإسلامية كانت و لا زالت معجبة بهذه الأفكار و تريد إدخالها في المجتمعات الجديدة، و لذا يرى محمد أركون أن المعركة في داخل كل تراث، ينبغي أن تمتد عن طريق حوار الثقافات، و المقارنة بين الساحات الفكرية المختلفة في إشارة منه إلى الساحة الفكرية و الساحة الثقافية هما مختلفتان، لأن الأولى أقرب إلى الفلسفة في حين تشمل الثانية النشاطات الفنية، و هذه المعركة الفكرية الأصيلة ( المعتزلة) مرتبطة بالأطر الإجتماعية للمعرفة و ليس بالإسلام كدين، و لهذا تعرضت المعتزلة إلى تشويهات و أصابت الفكر الإسلامي بالوهن ، بدءًا من القرن الحادي عشر و ليس القرن التاسع عشر، و هذا يعني أن التخلف و الانحطاط ليس عائدا إلى فترة الإستعمار، و إنما من قبلها بزمن طويل، و بالطيع جاء الإستعمار و زاد الوضع تفاقما، لكن الإيديولوجية العربية المعاصرة ضيف محمد أركون لا تحب أن تبحث عن الأسباب العميقة للتخلف العربي فتلقي كل التبعية و المسؤولية على الإستعمار ، للإشارة أن مالك بن نبي سبق محمد أركون بسنوات من حيث الولادة ، و لذا يكون مالك بن نبي قد سبقه من حيث التجربة الفكرية، رغم أن كلاهما عاشا فترة الإستعمار ، و الإثنان يكتبان باللغة الفرنسية، فمالك بن نبي من مواليد 1905 بقسنطينة و توفي في 1973 و ارتط فكره بمشكلة الحضارة و نظرية القابلية للإستعمار، و محمد أركون من مواليد 1928 بمنطقة القبائل (الجزائر) ودرس الفلسفة في فرنسا، وأصبح أستاذًا لتاريخ الفكر الإسلامي في جامعة السوربون. كرّس حياته لإعادة قراءة التراث الإسلامي نقديًا من منظور حداثي وإنساني، توفي عام 2010 م ، و خلاصة القول أن مشكلة التخلف في العالم الإسلامي سببها "الانقسامية" التي ما زال العالم الإسلامي يعاني منها إلى اليوم بسبب الفكر الطائفي، و الصراعات بين طائفة و أخرى التي جعلت الأمة الإسلامية بعيدة عن الركب الحضاري و قد عادت بها هذه الصراعات إلى الوراء فتراجعت و أصابها الوهن و الضعف و التخلف فغرقت في وحل الإنحطاط.

علجية عيش بتصرف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...