خالد محمد مندور - فيض الخاطر الحرب الحديثة بين الالة والبشر

كثير هو الكلام والكتابة حول اساليب الحرب الحديثة ، كيف سادت افكارها واكتشافتها وسط كبار واضعى الاستراتيجية العسكرية فى العالم فيما بعد الحرب العالمية الاولى ، تغيير كبير حدث فى استراتيجية وتكتيك الحرب بعد إكتشاف وتصنيع ألات الحرب المتحركة ، الدبابة والطائرة ووسائل النقل الميكانيكية والمدافع ذاتية الحركة ، تغيير يعود بها من جديد الى حرب الحركة بعد أن كان قد قضى عليها بإختراع المدافع الرشاشة والبنادق الاتوماتيكية ، هذا القضاء المؤقت الذى تمثل فى الحرب العالمية الاولى التى يمكننا أن نطلق عليها " حرب الخنادق".
لكن تبنى أساليب الحرب الحديثة شهد صراعات كبيرة فى الاوساط العسكرية والسياسية ووسط المفكريين ، لكن أنتصار افكارها كان أسرع واوضح واشمل فى البلد الذى كانت الضرورات الاستراتيجية تتطلب الحزم فى تطبيقها ، أى فى ألمانيا ، لذلك برز على السطح مفكريين ومطبقين كبار ، منهم هانز جودريان و فون ما نشتين و رومل و فون ما نشتيد و والتر مودل .
لكن الحرب الحديثة ، مثلها مثل أى حرب ، هى حرب يخوضها البشر سواء أكانوا يستخدمون الخيول ذات التدريع الخفيف أم الخيول الثقيلة التدريع ، أى دبابات ذلك الزمان ، أم يستخدمون الدبابة والطائرة والمقاتلات الاسرع من الصوت ، لذلك يبقى ، دائما ، تأثيرا فى منتهى الاهمية للبشر ولابداعهم الجماعى والفردى ، فالحرب هى فعل بشرى بإمتياز وليست حربا بين الالات ، حتى ولو كانت متطلبات الاستراتيجية والتكتيك يؤثر فيها تأثيرا كبيرا مستوى التطور التكنولوجى.
ولانها فعل بشرى بإمتياز فإن خبرات الحرب الحديثة أو حتى خبرات المعارك المحدودة التى جرت فى المدى الزمنى الحالى ، يجب دراستها بمنتهى الدقة ، خصوصا مع أستخدام اسلحة متطورة أو جديدة ، أسلحة متطورة وجديدة لا يشكل أستخدامها ضرورة أستنباط تكتيكات واستراتيجية عسكرية جديدين ، لانها مازالت حرب للحركة فى ظروف جديدة.
لقد برز تأثير الابداع البشرى الايجابى وإخفاقة أيضا فى نتائج المعارك الدائرة او التى أنتهت مؤقتا فى المعارك بين أوكرانيا وروسيا وبين إسرائيل وإيران وبين الهند وباكستان ، أبداع واخفاق يجب التوقف أمامة على المستويين التكتيكى والاستراتيجى.
فكيف نجحت إيران فى إيصال صواريخها الى العمق الاسرائيلى رغم التفوق الاسرائيلى الواضح ، هل يمكن أختصاره فى الصواريخ الفوق صوتية أم بالتزاوج مع تكتيك أستخدام الصواريخ العادية والمسيرات والصواريخ الفوق صوتية لارباك الدفاع الجوى الاسرائيلى ، وكيف نجحت القوات الجوية الاسرائيلية فى إيقاع أضرار جسيمة فى البنية العسكرية الايرانية ، وما هو مدى هذة الاضرار وكيف استعدت إيران استيعاب الهجوم المحتمل ، وما هو الدور الاستخبارتى الذى مكن من الحصول على المعلومات اللازمة وحدود هذه المعلومات.
وما هو التكتيك والاستراتيجية العسكريين لباكستان فى التصدى للهجوم الهندى التى تمتلك أسلحة وحجم قوات يتفوق على ما لدى باكستان ، فى معركة كانت عقولها المفكرة فى طائرات القيادة والسيطرة ، طائرات الاواكس .
وكيف شكلت الاستراتيجية والتكتيك الروسيين فى تحول حربها مع اوكرانيا الى نوع من حروب التعاسة الحدودية ، حروب لن تنتهى فى ميدان القتال بتحطيم قدرات العدو القتالية ، لكنها ستنتهى فى ميدان السياسة عندما يفقد احد طرفيها الرغبة فى الاستمرار فى القتال .
وإذا كانت مثل هذة الدراسة للحروب والمعارك الحديثة تكتسب أهمية خاصة لفهم طبيعة الحرب فى عصرنا الحالى فإن دراسة الخبرات التاريخية تكتسب نفس الاهمية ، دراسة تتطلب دراسة التكتيك والاستراتيجية العسكريين فى خبرات وكتابات كبار مفكريها ، ومن ضمنهم هؤلاء الجنرالات الكبار فى الجيش الالمانى ، وغيرهم من كبار المفكرين والقادة فى الجانب لاخر ، فى بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتى.
ولعل احد أهم مصادر الدراسة هى دراسة حرب 1973 ، دراسة يجب أن تجرى بعقل بارد لا يستجيب للانفعالات العاطفية أو يميل مع هوى الميول السياسة ، عندها وعندها فقط نستطيع أن نفهم هذة الحرب ليس بإعتبارها إمتداد للسياسة بوسائل أخرى بل بكونها هى السياسة نفسها ، دراسة ستضع كلا فى مكانة بحيث يختفى الادعاء والتبجح والذوات المتضخمة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...