مابين الواقع والخيال، يستيقظ الليبيون فجأة على خبر عاجل: تنصيب روبوت رئيسًا للدولة بعد فشل جميع المبادرات المحلية والدولية والقبلية والعائلية والعاطفية والعشوائية. تتناقل الوكالات هذا الحدث الغريب كما لو كان نبوءة من رواية ديستوبية لم يكن لها قارئ، ثم تتوالى المفاجآت: لا محاصصة، لا وساطة، لا اعتراف بأبناء الخالة، ولا مكافآت لمَن حضر اجتماعات المصالحة في تونس، أو لمَن التقط صورة مع السفير.
الروبوت، ذلك الكائن المصنوع من أسلاك ومعالجات سيليكونية، يجلس في ديوان الرئاسة دون أن ينظر في دفتر العائلة، ولا يتساءل عن أصل الفخذ القبلي. لا يهمه إن كان هذا المواطن من الشرقية أو الغربية أو الجنوبية، لأنه ببساطة لا يعرف معنى هذه الاتجاهات الاجتماعية، بل لا يعرف أصلًا أنّ الاتجاه في ليبيا ليس مجرد جغرافيا، بل أيديولوجيا كاملة، وأحيانًا تهمة.
الروبوت لا يُصاب بنوبة غضب لأنه لم يُصفق له أحد، ولا ينتقم من خصومه السياسيين بحرمانهم من الإيفاد أو الكهرباء أو الحق في الحياة. لا يسأل عن درجة القرابة قبل أن يُعين وزيرًا، ولا يمنح العقود لشركات أبناء عمومته، لأنه ببساطة لا يمتلك عمومة، ولا يعرف ما معنى أن تكون العائلة أهم من الدولة. لا يُطلق الوعود قبل الانتخابات لأنه لا يملك شفاهًا ليتبسم بها ولا مخارج حروف ليكذب.
أكثر ما يثير الإعجاب في هذا الحاكم الآلي، أنه لا يرسل أبناءه في بعثات خارجية لأن لا أبناء له أصلًا، ولا يشعر بحاجة داخلية لتأمين مستقبل العائلة، ولا يحجز مقاعد في جامعات مرموقة لأقارب زوجته. إنه آلة بلا شهوة، ولا سلالة، ولا مشروع امتداد شخصي. يطبق المعايير كما هي، ولا يفهم أن المعايير يمكن أن تُفصَّل حسب المقاس السياسي.
الحاكم الآلي لا يحتاج إلى طائرة خاصة لقضاء عطلته في اليونان، وليس له إبنة تجهز لزفافها من إيطاليا. لا يطلب إقامة ذهبية، ولايبحث عن جنسية بديلة، ولا يخطط للفرار ساعة السقوط. لايملك فريقًا إعلاميًا يجمّل صورته في الصحف والمنصات، لأنه ببساطة لايملك صورة
ياللمفارقة الفلسفية : هل بلغنا حدًا من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي حتى أصبح عدم امتلاك مشاعر ميزة في الحُكم؟ ألا يُفترض أن تكون العاطفة مكمّلة للعقل في الإدارة السياسية؟ أم أن العاطفة عندنا تحوّلت إلى سلاح للانتقام؟
لقد نادى الفلاسفة منذ أفلاطون بالحاكم الفيلسوف ، لكننا بعد كل هذا الخراب نحتاج إلى الحاكم الآلة الذي لا يحب ولايكره. لكنه لايسرق ولا يحتقر .
تزداد الفكرة رسوخًا، مع وجود مؤشرات على أن الأداء البشري في الحكم الليبي كارثي: ديوان المحاسبة يتحدث عن فساد إداري ممنهج، ومخالفات في ملف الإيفاد، وقرارات تتخذ من داخل غرف مظلمة لا تخضع لأي معيار. لم يكن ينقص المشهد إلا أن يتقدم الروبوت خطوة إلى الأمام ويقول ببرودة برمجية: تم الرفض... لأن الشروط لا تنطبق. لا مجاملة، لا حلفان، لا كوب شاي، لا توصية من الحاج.
في لحظة عميقة من التفكير، يدرك المواطن الليبي أن هذه الآلة الباردة، التي لا تعرف الحب ولا الحقد، قد تكون أرحم من بشر يملكون القلوب لكن أفسدوها، ويملكون العقول لكن عطّلوها، ويملكون السلطة لكن حوّلوها إلى غنيمة. تُصبح المفارقة هنا: هل الآلة أخلاقيّة أكثر من الإنسان حين ينزع عنه الأخلاق؟ وهل غياب الطمع والأنانية والحسد والكراهية، ولو كان سببه غياب الشعور أصلًا، هو شكلٌ جديد من العدالة؟ نحن لا نطلب من الروبوت أن يكون مثقفًا أو وطنيًا أو حنونًا. يكفي فقط ألا يسرق. ألا يحتقر الناس. ألا ينتقم ممن خالفه في الرأي. ألا يطلب صورته في كل ميدان. ألا يضحك في الخطاب بينما الناس تبكي أمام المصارف. هذا وحده كافٍ ليصبح حلمًا وطنيا.
ربما لا نحتاج لثورة، بل لإعادة تشغيل النظام. حرفيًا. Ctrl + Alt + Delete. ونُعيد تشغيل البلاد بحاكم آلي، يتعامل مع المواطن كـ"مستخدم"، لا كعدو محتمل، ولا كمصدر تهديد يجب قمعه. حاكم بلا ذاكرة قبلية، بلا ألبوم صور طفولة مع زعماء الميليشيات، بلا عقد نقص تحوّلت إلى عقوبات جماعية.
في النهاية، هذه ليست دعوة لحكم الآلة بقدر ما هي تأملات في الواقع فحين تصبح الفكرة الساخرة أكثر منطقية من الواقع، ، يبقى السؤال معلقًا في الهواء كقذيفة لم تنفجر بعد:
أليست الآلة، بكل برودها، أرحم من ابن العم؟
الروبوت، ذلك الكائن المصنوع من أسلاك ومعالجات سيليكونية، يجلس في ديوان الرئاسة دون أن ينظر في دفتر العائلة، ولا يتساءل عن أصل الفخذ القبلي. لا يهمه إن كان هذا المواطن من الشرقية أو الغربية أو الجنوبية، لأنه ببساطة لا يعرف معنى هذه الاتجاهات الاجتماعية، بل لا يعرف أصلًا أنّ الاتجاه في ليبيا ليس مجرد جغرافيا، بل أيديولوجيا كاملة، وأحيانًا تهمة.
الروبوت لا يُصاب بنوبة غضب لأنه لم يُصفق له أحد، ولا ينتقم من خصومه السياسيين بحرمانهم من الإيفاد أو الكهرباء أو الحق في الحياة. لا يسأل عن درجة القرابة قبل أن يُعين وزيرًا، ولا يمنح العقود لشركات أبناء عمومته، لأنه ببساطة لا يمتلك عمومة، ولا يعرف ما معنى أن تكون العائلة أهم من الدولة. لا يُطلق الوعود قبل الانتخابات لأنه لا يملك شفاهًا ليتبسم بها ولا مخارج حروف ليكذب.
أكثر ما يثير الإعجاب في هذا الحاكم الآلي، أنه لا يرسل أبناءه في بعثات خارجية لأن لا أبناء له أصلًا، ولا يشعر بحاجة داخلية لتأمين مستقبل العائلة، ولا يحجز مقاعد في جامعات مرموقة لأقارب زوجته. إنه آلة بلا شهوة، ولا سلالة، ولا مشروع امتداد شخصي. يطبق المعايير كما هي، ولا يفهم أن المعايير يمكن أن تُفصَّل حسب المقاس السياسي.
الحاكم الآلي لا يحتاج إلى طائرة خاصة لقضاء عطلته في اليونان، وليس له إبنة تجهز لزفافها من إيطاليا. لا يطلب إقامة ذهبية، ولايبحث عن جنسية بديلة، ولا يخطط للفرار ساعة السقوط. لايملك فريقًا إعلاميًا يجمّل صورته في الصحف والمنصات، لأنه ببساطة لايملك صورة
ياللمفارقة الفلسفية : هل بلغنا حدًا من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي حتى أصبح عدم امتلاك مشاعر ميزة في الحُكم؟ ألا يُفترض أن تكون العاطفة مكمّلة للعقل في الإدارة السياسية؟ أم أن العاطفة عندنا تحوّلت إلى سلاح للانتقام؟
لقد نادى الفلاسفة منذ أفلاطون بالحاكم الفيلسوف ، لكننا بعد كل هذا الخراب نحتاج إلى الحاكم الآلة الذي لا يحب ولايكره. لكنه لايسرق ولا يحتقر .
تزداد الفكرة رسوخًا، مع وجود مؤشرات على أن الأداء البشري في الحكم الليبي كارثي: ديوان المحاسبة يتحدث عن فساد إداري ممنهج، ومخالفات في ملف الإيفاد، وقرارات تتخذ من داخل غرف مظلمة لا تخضع لأي معيار. لم يكن ينقص المشهد إلا أن يتقدم الروبوت خطوة إلى الأمام ويقول ببرودة برمجية: تم الرفض... لأن الشروط لا تنطبق. لا مجاملة، لا حلفان، لا كوب شاي، لا توصية من الحاج.
في لحظة عميقة من التفكير، يدرك المواطن الليبي أن هذه الآلة الباردة، التي لا تعرف الحب ولا الحقد، قد تكون أرحم من بشر يملكون القلوب لكن أفسدوها، ويملكون العقول لكن عطّلوها، ويملكون السلطة لكن حوّلوها إلى غنيمة. تُصبح المفارقة هنا: هل الآلة أخلاقيّة أكثر من الإنسان حين ينزع عنه الأخلاق؟ وهل غياب الطمع والأنانية والحسد والكراهية، ولو كان سببه غياب الشعور أصلًا، هو شكلٌ جديد من العدالة؟ نحن لا نطلب من الروبوت أن يكون مثقفًا أو وطنيًا أو حنونًا. يكفي فقط ألا يسرق. ألا يحتقر الناس. ألا ينتقم ممن خالفه في الرأي. ألا يطلب صورته في كل ميدان. ألا يضحك في الخطاب بينما الناس تبكي أمام المصارف. هذا وحده كافٍ ليصبح حلمًا وطنيا.
ربما لا نحتاج لثورة، بل لإعادة تشغيل النظام. حرفيًا. Ctrl + Alt + Delete. ونُعيد تشغيل البلاد بحاكم آلي، يتعامل مع المواطن كـ"مستخدم"، لا كعدو محتمل، ولا كمصدر تهديد يجب قمعه. حاكم بلا ذاكرة قبلية، بلا ألبوم صور طفولة مع زعماء الميليشيات، بلا عقد نقص تحوّلت إلى عقوبات جماعية.
في النهاية، هذه ليست دعوة لحكم الآلة بقدر ما هي تأملات في الواقع فحين تصبح الفكرة الساخرة أكثر منطقية من الواقع، ، يبقى السؤال معلقًا في الهواء كقذيفة لم تنفجر بعد:
أليست الآلة، بكل برودها، أرحم من ابن العم؟