د. أحمد الحطاب - خطاب الكراهية

نتحدث عن الكراهية la haine لما فردٌ من الأفراد يُبدي إحساساً سِلبيا يتخلَّله نوعٌ من الكُره أو العداء أو النفور أو الاشمئزاز إزاءَ شخص من الأشخاص أو إزاء شيءٍ من الأشياء أو إزاء فكرة من الأفكار أو ما شابه ذلك من سلوكٍ أو تصرُّف. والكراهية فيها ما هو مُتعمَّدٌ وفيها ما هو غير متعمَّد.

والكراهية المُتعمَّدة أخطر بكثير من الكراهية غير المُتعمَّدة التي تُفرَض نفسيا أو لاشعورياً على الناس. والكراهية المتعمَّدة يمكن أن تكونَ ظاهِرةً للعيان، أي أن مَن يكرهون الآخرَ أو الأشياءَ يُعبِّرون عن كراهِيتِهم علانيةً. وهذا النوع من الكراهية، هو الشائع وله أسبابُه التي قد تقود إلى إقصاءِ الآخر أو إلى التَّخلُّص منه. ولعلَّ أخطر أنواع الكراهية المُعلَنَة، هو الكلام الجارح أو المُسيء لشخصية الناس ولكرامتِهم leur dignité وهذا الكلام الجارِح والمُسيء لشخصية الناس ولكرامتِهم، هو ما يُسمَّى، في اللغة المُتداولة، ب"خطاب الكراهية" le discours de la haine.

وما يجب الانتباهُ له، هو أن خطابَ الكراهية أصبح مُنتشِرا بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي، علماً أن هذا الانتشارَ قد يترتَّبُ عنه عنفٌ لفظي une violence verbale. والعنف اللفظي هو الكلام السَّيِّء الذي يجرح عواطفَ وكرامةَ الناسِ. وقد أصبحَ وسيلةً مُفضَّلة عند كثيرٍ من السياسيين وبعض الأحزاب السياسية.

ولعلَّ أمهرَ السياسيين لجوءً إلى العنف اللفظي، هو الأمين العام الجديدُ القديمُ لحزب العدالة والتنمية الذي أصبح يُمارِس العنفَ اللفظي كهِوايةٍ سياسيةٍ، الغرض منها، هو استِقطاب الناخبين تهيُّأً للاستحقاقات الانتخابية التشريعية سنة 2026.

عادةً، يتم اللجوءُ للعنف اللفظي لإضعاف الأحزاب السياسية المتنافِسة على الوصول إلى كراسي السلطة. أما الأمين العام الجديد القديم لحزب العدالة خالَف هذه العادة وبدأ يُوجِّه عنفَه اللفظي ضد الناخبين الذين لا يتعاطفون مع إيديولوجيا حزبه، أملاً منه أن يستقطِبَ مُبكِّراً أصواتَ من يتعاطون معه إيديولوجياً وسياسياً. ومن أجل هذا الاستقطاب، يُظهِر نفسَه أنه يدافع عن الدين، بينما في الحقيقة، إنه يدافع عن مصالحِ حزبه. بل إنه يتظاهر بأن حزبَه هو الحزب الوحيد الذي يدافع عن فلسطين. بل بلغت به الجرأة أن دافع عن إيران، مُدَّعيا أنها تنفرد بالدفاع عن مصالحِ فلسطين، علماُ أن إيران تُكنُّ عداءً مقيتاً لوحدَتِنا الترابية.

والحقيقة، كل الحقيقة، هي أن فلسطين والمدافِعة عنها، إيران، ليستا إلا مَطِيتين deux tremplins يركبُهما الأمين العام الجديد القديم لحزب العدالة والتنمية لتحقيق مآرِب حزبِه. وهكذا، يكون الأمين العام الجديد القديم قد لجأَ، إضافةً للعنف اللفظي، إلى النفاق السياسي الذي يتمثَّل في التفاوت le décalage القائم بين التَّصريحات الحزبية الرنانة les déclarations pompeuses partisanes والمُممارسة اليومية للسياسة la pratique quotidienne de la politique.

بل إن الأمين العام الجديد القديم لا يحترم دستورَ البلاد الذي ينُصّ على أن احترامَ حقوق الإنسان واجبٌ وطني لا يحق لأيِّ سياسي أو حزبٍ سياسي أن يضربَها عرضَ الحائط، علما أن العنفَ اللفظي انتهاكٌ صريحٌ لهذه الحقوق.

وما نسِيه الأمينُ العامُّ الجديدُ القديمُ، وأظن أنه تناسى أو تعمَّد نسيانَ شيئين مُهمَّين :

الشيءُ الأول، هو أنه، بلجوئه لخطاب الكراهية، فإنه، في نفس الوقت، قد يُحرِّضُ قياداتِ حزبه وأعضاءَه على انتهاج نفس الخطاب. وهذا شيء يتنافى مع الأخلاقيات السياسية l'éthique politique. الأحزاب السياسية خُلِقَت لتُلبِّيَ طموحاتِ الشعبِ وتطلُّعاتِه وتحقق أهدافَه النبيلةٌ، أي تخدم مصالحَ البلاد والعِباد. ومن بين هذه الأهدافِ، المُحدَّدة دستورياً وقانونياً، التَّنافسُ الشريفُ la concurrence loyale من أجل الوصول إلى كراسي السلطة وتطبيق الأهداف النبيلة على أرض الواقع. وعندما أقول "التنافس الشريف"، فالمقصود هو أن الخطاب السياسي يجب أن يكون موضوعِياً objectif، وخالياً من كل ما هو جارحٌ أو مسيءٌ لسُمعة البلاد والعباد. أما نشرُ الكراهية بين الناس، فهو منبوذ أخلاقياً، سياسياً واجتماعياً.

الشيءُ الثاني الذي تعمَّد الأمين العام الجديد القديم نِسيانَه، هو أن خطابَه الغارِق في الكراهية يسيء لحزبِه، للسياسة وللوطن. لماذا؟ لعِدَّة أيباب أذكر من بينها ما يلي :

1.الإساءة الأولى تتجلَّى في كون المغاربة الناخبين والناخِبات ليسوا أغبياء حتى يسقطوا في الفخِّ الذي ينصِبه لهم الأمين العام الجديد القديم لحزب العدالة والتنمية. المغاربة الناخبون والناخبات يرون الواقع الذي يعيشونَه يوميا، هل تغيَّر لصالِحهم أم بقي على حاله. وخصوصا، أن هذا الحزبَ ترأس حكومتين متتاليتين لمُدَّة عشر سنوات. فإن تغيَّر الواقعُ اليومي لصالحِ المواطنين والمواطنات، طيلةَ هاتين الولايتين الحكوميتين، فمرحبا بحزب العدالة والتنمية وبأي حزبٍ آخر كان سبباً في هذا التغيير. بل الواقع اليومي تغيَّرَ، فعلاً، لكن ضد ما ينتظره المواطنون. وأكبر تغييرين حدثا أثناء الولايتين الحكوميتَين وألحَقا ضرراً كبيرا بمصالح الشعب المغربي، يهُمَّان التقاعد la retraite وصندوق المقاصة la caisse de compensation. إصلاحُ التقاعد لم يكن، على الإطلاق، في صالح المواطنين. أما إصلاح صندوق المقاصة، فكان وبالاً على جيوب المواطنين، إذ أعفى الدولةَ من تدعيم أسعار المحروقات وأعطى الحريةَ المطلقةَ لموزعي هذه المحروقات ليتلاعبوا بهذه الاسعار ويغتنوا على حساب المواطنين.

2.الإساءة الثانية ضربت السياسة، بمعناها النبيل، ضربةً قاسية. علما أن السياسةَ لما أنشأَها الناسُ، أنشئوها لأغراض نبيلة تتمثَّل أساساً في خدمة شؤون البلاد والعباد، أي للنهوض بمصالِح الوطن والمواطنات والمواطنين. وحتى أكونَ مخلصا فيما أكتًبه، توجيه الضربة القاسية للسياسة، بمعناها النبيل، ليست خاصة بحزب العدالة والتنمية. با كل أحزاب المشهد السياسي لهم يدٌ في هذه الضربة.

3.الإساءة الثالثة موجَّهة للوطن. لماذا؟ لأن أي حزبٍ سياسي، مهما كانت توجّهاتُه الإيديولجية، الاجتماعية والاقتصادية، مُطالَبٌ، بعد وصولِه إلى السلطة، عن طريق الانتخابات، أن يدبِّرَ شؤونَ البلاد والعباد بروحٍ عاليةٍ من المسئولية والمواطنة.

في نهاية المطاف، الأمين العام الجديد القديم لا يحترم لا مبادِئ حزبه ذي المرجعية الإسلامية، ولا الأحزاب الأخرى ولا السياسة ولا المواطنات والمواطنين ولا الوطن. بل أصبح كالجرافة لا تُميِّز بين الأخضر واليابس، ظنّاً منه أنه بهذه الطريقة، أي اللجوء إلى خطاب الكراهية، سيُعِيد لحزبه ما ضاع منه في الانتخابات التشريعية لسنة 2021.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...