د. أحمد الحطاب - البترول (النفط) والإسلام

ما علاقة البترول بالإسلام؟ في أول وهلة، لاعلاقةَ بينهما. البترول مورد طبيعي غير متجدِّد على المدى القصير، له قيمةٌ اقتصاديةٌ عالية، في عصرنا الحاضر. والإسلام دبنٌ أراده الله، سبحانه وتعالى، للبشرية جمعاء. وأرسل، من أجل نشره بين الناس، أنبياءَ ورسُلا، أولهم نوح، عليه السلام، وآخِرُهم محمد (ص). ونوح كان مسلما، وإبراهيم ويعقوب وإسحاق وإسماعيل… وموسى وعيسى بن مريم كانوا مسلمين.

أما البترول، فهو مادة كيميائية عضوية matière chimique organique، أحفورية fossile وقابلة للاشتعال combustible. وما دامت قابلة للاشتعال، فإنها مصدر للطاقة une source .d'énergie وما دامت مادة كيميائية، فالعناصر الكيميائية التي تدخل في تركيبه، هي أساساً الكربون le carbone والهيدروجين l'hydrogène. ولهذا، سُمِّيَ البترولُ ومشتقَّاتُه ب"الهِدروكربورات" les hydrocarbures. وفي بعض الأحيان، يحتوي البترول على الكبريت le souffre والآزوت l'azote والاكسجين l'oxygène. وما دام البترول أُحفوريا، فأصلُه يعود إلى تفكُّكِ décomposition العَلَق المائي le plancton aquatique والنباتات المائية طيلة ملايين السنين. والعلَق والنباتات يمكن أن تكونَ بحريةً marins أو موجودة في مساحاتٍ كبيرة من الماء العذب.

بعد هذه التوضيحات المهِمَّة، يبقى السؤال المطروح أعلاه، "ما علاقة البترول، كمادة كيميائية عضوية، قابلة للاشتعال ومصدر للطاقة، بالإسلام، كدينٍ؟ قائماً.

الجواب على السؤال يحتاج إلى مزيدٍ من التوضيحات. وهذه التوضيحات مصدَرُها هو القرآن الكريم الذي يقول فيه، سبحانه وتعالى، وبالضبط، في الآية رقم 20 من سورة لقمان : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ".

في هذه الآية الكريمة، كلامُ الله مُوجَّهٌ لجميع الناس. "أَلَمْ تَرَوْا"، أيها الناس، بأعينِكم وفي نفس الوقت، بعقولِكم. لماذا؟ لأن ما تراه العين قد يكون مختلفا عن ما قد يصل له العقلُ بواسطة التفكير. مثلاً، "هل رؤية النفط، كسائلٍ، شبيهة بتفكيكه، فكريا، لمعرفة تركينتِه الكيميائية"؟ بالطبع، لا ثم لا!

وفي نفس الآية، يقول، سبحانه وتعالى، "سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"، أي وضع رهن إشارتِكم جميع ما تحتوي عليه السماواتُ والأرضُ من موارد وأشياء مادية. والدليل على ذلك، أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، استعمل، في هذا الجزء من الآية، "ما" الإسمية. وهنا، "ما" تنوب عن كل ما هو موجودٌ في السموات والأرض. وما هو موجودٌ في السموات والأرض لا حصرَ له. ومن بين هذه الموجودات التي لا حصرَ لها، هناك ما تراه العينُ المجرَّدة، وهناك ما يستوجب تدخُّلَ العقل و وسائل أخرى لتحليله وتفكيكه فكرياً وإنتاج المعارف في شأنه.

ولهذا، قال، سبحانه وتعالى "وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً". النِّعَمُ هي جمعُ نِعمةٍ. والنِّعمة هي كل ما يُسعِد الناسَ من خيرٍ ورزقٍ ومالٍ وسرورٍ وفرحٍ وأمنٍ وأمانٍ… وفي النِّعم، يدخل كل ما سخَّره الله من موجودات في السماوات وفي الأرض. والنِّعَم يمكن أن تكونَ ظاهرة للعيان (نِعَمَهُ ظَاهِرَةً) كالماء والنبات والصخور والشمس والقمر والضوء والنجوم والليل والنهار والتُّربة… كما يمكن أن تكونَ النِّعَم غير ظاهرة للعيان (وَبَاطِنَةً). في هذه الحالة، إما أن هذه النِّعَم، يمكن رؤيتُها بالعين المجردة، لكنها موجودة ببَاطِن الأرض (داخل القشرة الأرضية à l'intérieur de l'écorce terrestre)، وبالتالي، لا يمكن للعين أن تراها كالمعادن والبترول. وإما أن تتطلَّبَ تدخُّلَ العقل (الفكر) لمعرفة خباياها وما لا تقدر أو لا تستطيع العين المجرَّدة رؤيتَه.

بعد هذه التوضيحات الإضافية الضرورية لإدراك ما سأقوله فيما بعد، يبقى السؤالُ المطروح أعلاه، "ما علاقة البترول، كمادة كيميائية عضوية، قابلة للاشتعال ومصدر للطاقة، بالإسلام، كدينٍ"؟ قائماً.

حسب رأيي الشخصي، هناك علاقة بين البترول، كمادة كانت ولا تزال تشكِّل عصبَ الاقتصاد العالمي، وبين الإسلام، كدين أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، للبشرية جمعاء. هناك مُبرِّران اثنان هما اللذان جَعلاَني أقول بأن هناك علاقة بين البترول والإسلام.

المبرِّرُ الأول : الله، سبحانه وتعالى، سخَّر للبشرية جمعاء كل ما تحتوي عليه السماوات والأرض من موارد مادية. سخَّرَ هذه الموارد من أجل إعمار الأرض. وإعمار الأرض هو ما نسميه، في عصرنا الحاضر، ب"التنمية" le développement بجميع أشكالها، الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية، الصناعية، الزراعية، العلمية، التكنولوجية… واليوم، أصبحنا نتحدَّث عن التنمية المُستدامة le développement durable، أي التنمية التي تحترم السيرورات الطبيعية les processus naturels وتضمن استمرارَ الحياة إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومَن/ما عليها.

المُبرٍِر الثاني : جزء كبير من احتياطات البترول موجودٌ في بلدان إسلامية، كبلدان الخليج وبلدان أخرى آسيوية وإفريقية. وبما أن البلدان الإسلامية، تُؤمِن بالكتاب، المنزَّل على آخِرِ الرسل والأنبياء محمد (ص)، أي تؤمن بالقرآن الكريم وما جاء فيه من آيات التسخير، فمن المفروض أن تُنفَقَ الأموالُ، المترتِّبة عن تجارة النفط، في تنمية البلاد والعباد (إعمارُ الأرض).

وهذا هو ما يفرِضه علينا الجمعُ بين المبرِّيرين الإثنين، السابقَي الذكر. وفي هذا الشأن، اختلف المُفكِّرون حول وجود النفط في بعض البلدان الإسلامية. والاختلاف يدور حول وضع النفط من الناحية الاقتصادية. وبعبارة أوضح، هل وجود النفط في بعض البلدان الإسلامية يُعَدُّ نِعمة اقتصادية أم نِقمة اجتماعية؟

إذا اعتبرناه نِعمةً اقتصادية، فمن المفروض أن تعودَ عوائدُ تجارة البترول بالنَّفع على تنمية البلاد والعباد. تنمية البلاد من حيث إنشاء البنيات التحتية، وهذا شيءٌ تحقَّقَ في بلدان الخليج. أما تنمية العباد، فأساسُها، أولاً، التوزيع العادل للثروة التي تنتِجها البلاد. وهذا شيءٌ لم يتحقَّق حتى في بلدان الخليج حيث الأغنياء يشكِّلون أقليةً تسيطر على على كل شيء. وثانيا، بناءُ الإنسان الحر، الصالح، المتعلَّم، الواعي والمُفكِّر بكيفية نقدية والقادر على المساهمة الفعلية في تنمية البلاد وازدهارها. وهذا شيءٌ، إن توفَّرَ، شيئا ما، في بعض البلدان الإسلامية الأسيوية المُتوفِّرة على البترول، فهو مُنعم في بلدان إسلامية أخرى، وخصوصا، في البلدان الإسلامية الإفريقية. فلا يزال الفساد والفقر والأمية موجودون بنسبة عالية في هذه الأخيرة. كان، من المفروض، بفضل عائدات revenus البترول، أن تكون هذه البلدان قد قضت على هذه الآفات الثلاثة نهائيا، وأصبحت في مصافِّ البلدان المتقدِّمة اقتصاديا، صناعياً، علمياً، تكنولوجياً…

وإذا اعتبرناه نِقمةً اجتماعية، فهذا يعني أن عائدَات تجارة البترول تُنفق في كل شيء إلا تنمية البلاد والعباد. فمثلاً، المملكة العربية السعودية كانت تُموِّل الفكر الوهابي المُتطرِّف la pensée wahhabite extrémiste لنشرِها في بلدانٍ إسلامية أخرى. الجزائر كانت ولا تزال تموِّل وتسلِّح انفِِصَالِيي البوليزاريو. إيران كانت ولا تزال تموِّل وتُسَلِّح مليشيات milices حماس وحزب الله والحوثيين وتُنفِق أموالاً طائلة لنشر التشيُّع. والكارثة العظمى أن فئاتٍ عريضةً من شعوب هذه البلدان تشتكي من الفقر والتنمية والأمية وغلاء المعيشة. كان، من الممكن بفضل عائلات تجارة البترول أن تكونَ هذه الفئاتُ العريضة في أحسن الأحوال.

اللهُ، سبحانه وتعالى، سخَّر ما في السماوات والأرض لإسعاد الناس وليس لإلحاق الضرر بهم. وإسعادُ الناس يتحقَّقُ بنشر العدل بين الناس، وبالأخص، بالاستفادة الفعلية من ما سخَّره الله، عزَّ وجلَّ، من خيرات للبلاد والعباد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...