محمد بشكار - لا أصْلُحُ صِنْفاً..!

لا تضَعني حيث لا يُناسبني من خانات تحْسبُها تلعبُ بأفكاري في كلمات متقاطعة، ولكنها في حقيقة فِخاخها تُصيبني بالضِّيقة؛ فأنا لا أَصلح أن أكون ضِلعاً في قفصٍ صدري يسجن الرئات عن هوائها الذي يسري في الطبيعة حُراً بدون حساب، فبالأحرى أكونُ أحد أضلاع المربَّع أو المثلث، أو تقوِّسُني نصْفاً في دائرة لأنشغل عن الحياة بالبحث عن نِصفي الآخر في رُكن الزواج..!
لا تُصَنِّفْني في أشكالٍ يضعُ خُطَطها الهندسيةَ بالمسْطرة والبِرْكار على الورق، بعضُ صغار العقول، كي يفهموا الكون الأسهل في كل عُقَدِهِ من شُرْبِ ماءٍ لا يُشْرحُ إلا بِماءْ..!
قد أُبَاغتكَ وأنت تحسبُ أني ابتلعتُ الطُّعم الكفيل بتدجيني، بضِلْعٍ يميل أعوج في شبهِ منحرفٍ، فأفسدُ كل الحسابات بنتائج ليست حتى في رأس الجَمَل، فتندم على الثقة الزائدة، التي جعلت أوصالك ترتخي غروراً وتبتلع الطُّعم بدلي، ليغدو الصَّيادُ مصيداً..!
لا تُصنِّفني في لونٍ سياسي قد يجعلني بألوان متعددة كلما حلَّت الانتخابات، فأفقد في الجلد أصلي، عِلماً أن الطبيعة التي ليس في الوجود أصدقَ من حكمتها، تسجن اليرقة في شرنقةٍ لِردْحٍ من الجمَال يُحوِّلها إلى فراشة تحتمل في الأجنحة كل الألوان، دون أن توظفها سياسياً لتطير فوق أكتافنا..!
لا تُصنفني في الدين مُسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، فكل كُتب الله التي نزلت من سماء والتأمت قُرآناً، تجد في الرفوف العُليا لقلبي مكتبتها، وتجعلنا جميعاً مسلمين؛ أُحبُّ الناس في كل دين ما داموا لا يُجزُّوه باطِلا من سِياقهِ التاريخي بالسيف الذي يبيحُ جَزَّ رؤوس المستضعفين؛ ليصير الدين الذي يكتنف في جوهره الرَّحمة أداة قهر وإرهاب..!
لا تَضعْني حيث لا أكونُ نفسي بأنْ توجزني في تصنيفات أمنيةٍ من قبيل لون العينين هل هو بُني أو أسود أو أزرق، وتُقيِّدهُ وأنت غافلٌ أن لون العينين يتغير بضوء الشمس، في أوراقٍ ثُبوتية قد تبْلى و تفقد بدورها مع الزمن لونها، فنصير بكل الأوراق الصفراء التي يَعُمُّ خريفها حياتنا شاحبين حتى في رؤيتنا للعالم..!
لا تُصنِّفني في دمي، فأنا لم أمتص دم أحد لأزيد بِجَرَعاته ضخّاً في أرصدةٍ حَفَرَ الخفافيشُ لسيولتهِ مجرى سحيقاً وصل عظمنا ليصبَّ في أبناكٍ خارج البلد؛ دمي ليس حساءً قابلا للتعليب تحت إسم أحد الأحرف اللاتينية، ولكنني أستطيع أن أتبرَّع بأحمره الضَّارب للحِداد، حتى لمن ليسوا من فئة دمي عساهم يُصابوا بعدوى الحياة..!
لا تضَعْني حيث تُريد في الكِتابة، لتُرضي مِزاجاً مريضاً يبقى في تجاوزه ولو سَعَل قوياً، طريح السرير؛ قد أكتبُ غامضاً من أجل فهمٍ أعمق للعالم دون أن أفهم نفسي؛ وقد أسلكُ في الكتابة معراجاً واضحاً، فأُعري كلَّ العوراتِ النَّاغلة بذُباب الفساد، فيصِلُني من النَّش ما لم يصل للذبابَ فأسقط على رأسي؛ فأنا في كِلا الكِتابتين، غامضاً أو واضحاً، لا أضع خطَّاً من قلمي إرضاءً إلا لناقد واحد هو الزمن..!
لا تُصنِّفني في نَهرٍ وأنا مازلتُ أحاول أن أكتسب حكمة القطْرةِ التي مثلما تفيض بكأسٍ قد تكون سبباً في الطوفان..!
لا تقيِّدني في إيديولوجيا عِرقية قد تؤدي وهي تنْبُشُ فأساً لفأس إلى جانب هَوَام التراب بحثاً عن الأصول، إلى فصل الشجرة عن جذرها، وتنسى أن جِنسيتنا جميعاً هي الإنسان..!
لا تسلبني وأنت تُصنِّفني في ظن آثم، كل حواسي ومن ضمنها أذني التي لم أَصُغْ رأيي هذا، إلا بعد أن قطعتها كي أسمع رأيك بقلب نازف..!

(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس17 دجنبر 2015)


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...