في فضاء رواق دار الثقافة لولاية أدرار، وضمن تاريخ رمزي لا يخلو من الدلالة (15 جويلية 2025)، احتضن جمهور الجنوب الكبير معرضًا تشكيليًا للفنان التربوي مسعور بليلة، أستاذ مادة التربية الفنية بتمنراست، والذي قدّم تجربة فّنية مركّبة تستحق التّوقف النّقدي والتحليل الجمالي، لما تنطوي عليه من أبعاد فكرية، أنثروبولوجية، وتشكيلية في آنٍ واحد.
- أولًا: الفن بوصفه رؤية حضارية
يعتمد مسعور بليلة في مقاربته الفنّية على تفكيك البنية البصرية للمجتمع الصحراوي، انطلاقًا من فهم سوسيولوجي وثقافي عميق. إن حضوره البصري لا يقدّم الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله، متكئًا على مرجعيات إفرو-أمازيغية منغرسة في التربة الجنوبية، وعلى إرث رمزي طقوسي يُعيد تأويله ضمن بنيات تشكيلية مفتوحة على التجريب.
- إن اختياراته للموضوعات، مثل: المرأة، الزي، الحرف، الطقوس، المشهد البيئي، ليست استعادة تقليدية للموروث، بل قراءة حداثية لهوية مهمّشة في المتن البصري الوطني. وبذلك، يلتقي عمله مع نظرية "الهوية المتحوّلة" في الفن ما بعد الحداثي، حيث تصبح الذاكرة الفردية والجماعية مصدرًا ديناميًا للإنتاج الفني.
- ثانيًا: جدلية الشكل والمحتوى
ما يميّز تجربة بليلة هو مرونته الأسلوبية؛ إذ يتنقل ما بين الواقعية التقريرية، والرمزية التأويلية، والتجريد الصوفي، دون أن يفقد تماسك مشروعه البصري. هذا التعدّد لا يُعد ضعفًا في الرؤية، بل اختيارًا جماليًا واعيًا يُمكّنه من التحرّك داخل المدارس الفنية وفق مقتضى المعنى، لا الشكل فقط.
في لوحاته الواقعية، يلتقط تفاصيل الحياة الصحراوية، بتقنية تميل إلى الانطباعية الجزئية، دون الوقوع في التزويق أو التغريب،أما الرمزية، فتأخذ طابعًا معرفيًا، حيث تتحول العناصر البصرية (كالواحة، الخيمة، القلادة، الوشم...) إلى شيفرات دلالية يمكن تفكيكها وفق المنهج السيميائي.
- أما في التجريد، فإن بليلة يتجه إلى خلق فضاء تأملي صوفي، يستحضر البعد الكوني للصحراء، ويؤسس لرؤية فلسفية لا تخلو من التصوّف البصري.
- ثالثًا: الحضور البيداغوجي كقيمة فنية:
لا يمكن قراءة تجربة الفنان مسعور بليلة دون استحضار خلفيته التّعليمية، حيث يظهر واضحًا أن اشتغاله داخل المدرسة كوّن لديه حسًّا تربويًا في توجيه الأثر الفني، ما يجعل أعماله تحتكم إلى نزعة تواصلية وتعليمية، دون أن تُفرّط في عمقها الجمالي،وهو ما ينسجم مع تصوّر "الفن كممارسة اجتماعية"، حيث يُعاد تعريف وظيفة اللوحة من كونها منتجًا جماليًا إلى كونها وسيطًا ثقافيًا تربويًا قادرًا على تشكيل الوعي العام، وتغذية الذائقة الجماهيرية، وخاصة في البيئات المهمّشة فنيًا.
- رابعًا: تأصيل المكان داخل اللّوحة:
يتميّز عمل مسعور بليلة بقدرة لافتة على استبطان المكان الصحراوي، لا بوصفه خلفية تصويرية، بل بوصفه فاعلًا تشكيليًا. فالصحراء عنده ليست صامتة، بل "تتكلّم" من خلال تكوينات اللوحة، وانسجام اللون، وحركة الخط، وهدوء التكوينات البصرية. وهو ما يُحيل إلى نظرية "المكان كعلامة دلالية"، حيث يتم توظيف الجغرافيا لقراءة التاريخ والهوية.
- خامسًا: خاتمة في أفق التلقي
لا يمكن لمتلقي لوحات مسعور بليلة أن يظل سلبيًا. فالفنان يُتقن اللعب على ثنائية البساطة والعمق، حيث يمكن للمُشاهد العادي أن ينفعل باللون والتكوين، وللمتذوق المحترف أن يغوص في التأويل والدلالة. وبين هذين القطبين، تتشكّل تجربة تلقي مفتوحة، تتجدد مع كل مشاهدة.
وفي زمن باتت فيه الصور استهلاكية، وسادت فيه الفنون الرقمية كمنتج سريع، يُقدّم مسعور بليلة نموذجًا للفنان الملتزم بجذوره، المنفتح على المدارس، والمتمسك برسالة الفن كفعل حضاري وثقافي.
[الأستاذ حسين عبروس] – باحث في الجماليات البصرية والفنون الإبداعية
- أولًا: الفن بوصفه رؤية حضارية
يعتمد مسعور بليلة في مقاربته الفنّية على تفكيك البنية البصرية للمجتمع الصحراوي، انطلاقًا من فهم سوسيولوجي وثقافي عميق. إن حضوره البصري لا يقدّم الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله، متكئًا على مرجعيات إفرو-أمازيغية منغرسة في التربة الجنوبية، وعلى إرث رمزي طقوسي يُعيد تأويله ضمن بنيات تشكيلية مفتوحة على التجريب.
- إن اختياراته للموضوعات، مثل: المرأة، الزي، الحرف، الطقوس، المشهد البيئي، ليست استعادة تقليدية للموروث، بل قراءة حداثية لهوية مهمّشة في المتن البصري الوطني. وبذلك، يلتقي عمله مع نظرية "الهوية المتحوّلة" في الفن ما بعد الحداثي، حيث تصبح الذاكرة الفردية والجماعية مصدرًا ديناميًا للإنتاج الفني.
- ثانيًا: جدلية الشكل والمحتوى
ما يميّز تجربة بليلة هو مرونته الأسلوبية؛ إذ يتنقل ما بين الواقعية التقريرية، والرمزية التأويلية، والتجريد الصوفي، دون أن يفقد تماسك مشروعه البصري. هذا التعدّد لا يُعد ضعفًا في الرؤية، بل اختيارًا جماليًا واعيًا يُمكّنه من التحرّك داخل المدارس الفنية وفق مقتضى المعنى، لا الشكل فقط.
في لوحاته الواقعية، يلتقط تفاصيل الحياة الصحراوية، بتقنية تميل إلى الانطباعية الجزئية، دون الوقوع في التزويق أو التغريب،أما الرمزية، فتأخذ طابعًا معرفيًا، حيث تتحول العناصر البصرية (كالواحة، الخيمة، القلادة، الوشم...) إلى شيفرات دلالية يمكن تفكيكها وفق المنهج السيميائي.
- أما في التجريد، فإن بليلة يتجه إلى خلق فضاء تأملي صوفي، يستحضر البعد الكوني للصحراء، ويؤسس لرؤية فلسفية لا تخلو من التصوّف البصري.
- ثالثًا: الحضور البيداغوجي كقيمة فنية:
لا يمكن قراءة تجربة الفنان مسعور بليلة دون استحضار خلفيته التّعليمية، حيث يظهر واضحًا أن اشتغاله داخل المدرسة كوّن لديه حسًّا تربويًا في توجيه الأثر الفني، ما يجعل أعماله تحتكم إلى نزعة تواصلية وتعليمية، دون أن تُفرّط في عمقها الجمالي،وهو ما ينسجم مع تصوّر "الفن كممارسة اجتماعية"، حيث يُعاد تعريف وظيفة اللوحة من كونها منتجًا جماليًا إلى كونها وسيطًا ثقافيًا تربويًا قادرًا على تشكيل الوعي العام، وتغذية الذائقة الجماهيرية، وخاصة في البيئات المهمّشة فنيًا.
- رابعًا: تأصيل المكان داخل اللّوحة:
يتميّز عمل مسعور بليلة بقدرة لافتة على استبطان المكان الصحراوي، لا بوصفه خلفية تصويرية، بل بوصفه فاعلًا تشكيليًا. فالصحراء عنده ليست صامتة، بل "تتكلّم" من خلال تكوينات اللوحة، وانسجام اللون، وحركة الخط، وهدوء التكوينات البصرية. وهو ما يُحيل إلى نظرية "المكان كعلامة دلالية"، حيث يتم توظيف الجغرافيا لقراءة التاريخ والهوية.
- خامسًا: خاتمة في أفق التلقي
لا يمكن لمتلقي لوحات مسعور بليلة أن يظل سلبيًا. فالفنان يُتقن اللعب على ثنائية البساطة والعمق، حيث يمكن للمُشاهد العادي أن ينفعل باللون والتكوين، وللمتذوق المحترف أن يغوص في التأويل والدلالة. وبين هذين القطبين، تتشكّل تجربة تلقي مفتوحة، تتجدد مع كل مشاهدة.
وفي زمن باتت فيه الصور استهلاكية، وسادت فيه الفنون الرقمية كمنتج سريع، يُقدّم مسعور بليلة نموذجًا للفنان الملتزم بجذوره، المنفتح على المدارس، والمتمسك برسالة الفن كفعل حضاري وثقافي.
[الأستاذ حسين عبروس] – باحث في الجماليات البصرية والفنون الإبداعية