عمر قلعي - ملامح من حرية العشق وعشق الحرية.. في التجربة الشعريـة لبوعـلام دخيسـي

مدخـل: بوعـلام دخيسـي فـي سطـور
بوعلام دخيسي واحد من شعراء المغرب الشرقي الذين يُؤثِّثُون المشهدَ الثَّقافيَّ والإبْداعيَّ بالجهة، وأحد من طار صيتهم وعلا كعبهم في الشعر حتى صار له في المشهد الشعري المغربي موضع. رغم أن الشاعر أصدر أول دواوينه متأخرا / ناضجا إلّا أنّ الشعر سكنه صغيرا، وبه استعاد طفولته الأولى، واستعاد معها الكثير من القيم التي نشأ عليها، أو تلقاها عبر تذوقه الجمالي للشعر.





أصدر بوعلام دخيسي ثلاثة مجاميع / دواوين شعرية، وسم الأول ب (هديل السَّحَر)، ووسم الثاني ب (الحرف الثامن)، ووسم الثالث ب (كي أشبه ظلي)، وفي الدواوين الثلاثة نَفَس شعري يدل على امتلاك الرّجل موهبةً دافِقةً، وحِسّا جماليا مُتفرّدًا، ورؤيا للحياة وللعالم. والحال أنّنِي قصدت أن يكون تعريفي بالشاعر مغايرا، نوعا ما، اعتمادا على ما جاء في أشعاره، وهو القائل (الرمل):
لا تَسَلْ عنِّي أنا العارف ما أعْني
وسَلْ شِعْري
تُجِبْكَ الرّقَعُ السَّبْعُ الشَّريدَه..."[- بوعلام دخيسي، كي أشبه ظلي"، "مطبعة الجسور، وجدة، ط 1، 2016م، ص 87.]
بوعلام دخيسي[- اعتمدت في هذا الموجز من سيرة الشاعر على ما ورد في دواوينه الثلاثة.] إنسان ينصت إلى نفسه، ويحس بخطاياه وينكسر أمام وقعها وتذكرها فتفيض عيناه بكاء. يتخذ التذلل حلته وستره الذي يواريه حين تعتريه الشدائد، فهو المعدم الفقير الذي لا يملك غير الدمع والندم، فهل يليق أن يكون هذا الرداء وهذه الحلة وسيطا وشفيعا؟
هو ذاك الشاعر الذي يملأه الحنين واليقين، ويؤثر فيه الحرف واللحن والجمال، وهو الشاعر المقطوع من شجرة الغرابة، يكابد أوجاع الوطن الحزين الذي تعرض للاغتصاب.
هو الشاعر الذي يلملم أحزانه حينا بعد حين، ووحدها ألحان الحزن تحضره وتعطره، ووحدها العين تمطره حين يدرك المعنى ومعنى المعنى، الذي (يتجلى في الإقبال على من يحب بلهفة من أحب) وضعه من أحبّ (الله) في صدر من يُطْلَب للحبّ ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾[ ـ سورة الحديد، الآية 15.].
وبوعلام دخيسي، أيضا، هو ذلك الشاعر المتحرر روحيا، الذي يرى أن الإنسان لا بد أن يتخلى عن جفاه وأن يكون النور دليله، وأن يثني نفسه بالحب، والشاعر الذي يجد راحته في المناجاة، ففيها يتحقق نوره وراحته، وفيها يرتاح ضميره، وبها يجبر كسره وتستقيم سطوره. وهو الشاعر الصادق في حبه، المتزن في أقواله وأفعاله، المتمهل في أحكامه، والشاعر الذي يترجم ابتسامات القلوب فتُرَى على شفتيه أسطرا من ياسمين...
المبحـث الأول: الشعـر بيـن الحيـاة والعشـق والحريـة
الشعـر حيـاة:
الشعر حياة، والشاعر الحق هو الذي يستطيع أن يحَوِّلَ الحياةَ شعرا والشعرَ حياةً، ولا يكون له ذلك إلا عندما يصير قريبا من ذاته ومن العالم الذي يحيط به، مدهشا في حبه، مؤلما في مواجهاته لأعداء الحياة. والشاعر، والحال هذه، كلما غاص في ذاته، بل وفي دواخل هذه الذات، وانتمى إلى تراب أرضه، كلما ارتفع عاليا في إبداعه، لأن الشعر الحقيقي هو القرب من الأرض والذات والإنسان، وحسن الاستماع لإيقاع الحياة، ولا شيء أكثر من الحياة. ولنتساءل مع محمد بودويك: "أليس الشعر نشيدا للحياة يتنشقها ويقبل عليها بملء ما يُكَوِّنُهُ ويُهَيْكِلُهُ، بلغته وصياغته وصوره، وتشوف دلالاته، واستشرافاتها، وبالحلم الذي يسري في جسده يمده بالاستمرار، ويغذيه بالإشراق والنشيد؟"[- محمد بودويك، "الشعر والحرية"، جريدة القدس العربي، 12 مارس 2016م.].
الشعـر حريـة:
"في البداية كان لا بد من الشعر كي أعرف نفسي، وأحميها، وأوازنها فوق صراطها الممتد ما بين اللعنة والقداسة... ولكن شيئًا فشيئًا بدأتُ أدرك أن الشعر بالنسبة إليّ هو طائر الحرية الأجمل، هو التمرين الأقصى على الحرية، وبصيغة أخرى هو ما ليس قابلًا للأسر. حررته في داخلي فحررني داخليا..."[- فرج بيرقدار، "خيانات اللغة والصمت..."، دار الجديد بيروت، ط 1، 2006م، ص 12.]... هكذا تحدث فرج بيرقدار عن الشعر، وهكذا رآه: تمرينا أقصى على الحرية، وتجليا من تجلياتها، به تتحرر ذات الشاعر داخليا (الطويل):
فليستْ تزيّن المرءَ حلَّةُ سيِّدٍ
إذا كان عبدًا في شمائلِهِ قِنَّا

وبه يعبر عن أناه، وعن ذاته وانعتاقه، وبه "يتجاوز" خوفه من مواجهة ما أُرِيدَ له أن يصير صنما من أصنام المجتمع.
الشعر حرية والحرية شعر، لا يكون الشعر شعرا إلا بها، ولا تتحقق جماليات الحرية إلا به، هكذا خُلِقَا، يتنفسان هواء واحدا، ويكبران بين يدي الدهشة معا، ف" هو هي، وهي هو، تَمَاهٍ وحلولية وتنافذ وتراسل وتَضَامّ"[- "الشعر والحرية"، محمد بودويك، م س.].
الشعـر عشـق:
"العشق زاج الروح"، جلال الدين الرومي[- محمد عيد إبراهيم، "رباعيات مولانا جلال الدين الرومي"، دار الأحمدي للنشر القاهرة، ط 1، 1998م، ص41.]
حين "يُفْرِطُ" الشاعر في المحبة يصير عاشقا، مدركا للجمال، وتصير حياته كلها تجليا للعشق فترقى نفسه نحو الكمال، ترقى النفس بالعشق، ويرقى العشق بالروح حتى تصير هذه الروح شفَّافةً كشَّافةً، ويصير وجودها بالعشق، فتحيا وتموت به وعليه.
بين العشـق والحريـة:
بين العشق والحرية أكثر من رابط وصلة، فهما ضرورة وجود وشرط حياة: الحرية عشق والعشق تحرر. الحرية عشق لذواتنا الحالمة، وللوجود، وللحياة، والعشق تحرر من عبودية هذه الذوات لنا.
العشق والحرية بابان ينفتحان على الحياة والموت: على الأمل والحلم الجميل، أو على التضحية والاستعداد للموت، هما ذلك التصالح مع النفس، الذي يوحد البقاء والفناء في ذات العاشق، يقول جلال الدين الرومي:
"نَصْلُكَ المشقوقُ عشقٌ
أنينُكَ أغنية"[- نفسه، ص 44.]
العشق والحرية حُلُمٌ لا ينتهي، يحاول المبدع، باستمرار، أن يتملكهما دون جدوى، يهربان من حياته ليسكنا النص.
يقول بوعلام دخيسي: "الشعر: العشق... حتى إن بعضهم يقول إن الشاعر إذا لم يعشق خلق لنفسه من يعشق وما يعشق حتى يسمح لجيش حروفه أن يقتحم ويغزو بثبات... ومتى كان الشاعر مفعما في داخله بالحب لما حوله، ومتى كان فؤاده يسع الكثير، كان شعره أغزر وأجمل وأكثر... إذا لم تحب فلا شعر...العشق لازمة الشعر ولازمة الحرية"[- حوار أجريته مع الشاعر، نُشِر بعد ذلك في جريدة الاتحاد الاشتراكي تحت عنوان: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، العدد 11896، السبت - الأحد // 31 مارس -1 أبريل 2018م.].
ليس المقصود بالعشق / الحب، ههنا، المفهوم الاجتماعي الضيق، الذي يحصره في علاقة رجل بامرأة، إنما المقصود مفهومه الفني الموضوعاتي الواسع، الذي يجعل من "أنوثته" خطابا يتسع للحبيبة وللوطن وللمدينة وللدم، بل ولذاكرة الحجر والشجر والطير والذكريات...
يستمد العشق / الحب، في التجربة الشعرية لدى بوعلام دخيسي، مفهومه من التجربة الإنسانية الشاملة، كــ"آلية تفكير في التعامل مع الموجودات"، ومع الذات في لحظات فرحها وحزنها، قوتها وضعفها، ليصبح الشعر / العشق وسيلته "لمقاومة" عنف / قبح الحياة، وأداته "لتقويم" هذا القبح بمفهوم الجمال الذي تكون ثمرته العشق والحب نفسه. إنه، بتعبير جلال الدين الرومي، "ماء الحياة"، التي لا قيمة لها بدونه[ - إليف شافاق، "قواعد العشق الأربعون (رواية عن جلال الدين الرومي)"، ترجمة: خالد الجبيلي، طوى للثقافة والنشر والإعلام، لندن، ط 1، 2012م، ص 500.]، ثم إنه القوة التي تقرب بين الإنسان وذاته، وبينه وبين العالم والأشياء، في مرحلة بحث هذه الذات عن صورتها الأحلى. إنه ذلك الإحساس "النقي البسيط"[ - يعرفه جلال الدين الرومي بقوله: "ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف، إنه كما هو، نقي بسيط". نفسه.]، الذي يجعل قلب الشاعر / الإنسان يتسع "لاستيعاب البشرية كلها، ويتسع لمزيد من الحب"[ - نفسه.]، لذلك كلما "كان الشاعر مفعما في داخله بالحب لما حوله، ومتى كان فؤاده يسع الكثير كان شعره أغزر وأجمل وأكثر..."[ - نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س. ].
الشعر، في جزء من تجربة بوعلام دخيسي، هو رحلة بحث عن العشق، عن ذلك الخيط الإنساني الذي يتحقق به ارتقاء الذات، مع ذاتها ومع العالم، وعن ذلك السر الذي يحتاج إلى كشف... وعما يسكننا من الجمال والجلال، الذي نعبر عنه في لحظات الفرح والانكسار. العشق حياة تملأها الدهشة: دهشة الحب التي نتجاوز بها عقول الناس لنحسن الاستماع إلى أرواحهم، وهو إفراط محبة، وسكر، وجنون...
إذا بلغ الشاعر مقام العشق، في شعره، أدرك الجمال الذي ترتفع به نفسه وروحه، ولا ترتفع هذه النفس ولا تلك الروح إلا إذا تخلى الإنسان عن جفاه، وصار النور دليله (الخفيف):
أيُّها النّورُ كُنْ دَلِيـلي وَخِلِّــي
قالَ بلْ خَـلِّ أنتَ عنْك جفَاكَا[- بوعلام دخيسي، "هديل السحر"، مطبعة الجسور، وجدة، ط 1، 2012م، ص 37.]
وتسامى عن واقعه (المتدارك):
لا تكُونِي كهَذِي الغيُوم، تسَامَيْ[ - "كي أشبه ظلي"، م س، ص 74.]
ورأى من يحب، أو ما يحب، على أحسن حال، ولا يكون له ذلك إلا إذا صار مالكا لنفسه، متحررا من قبضتها، إذ لا يكون بوسعه أن يكتب للجمال وأن يتغنى به، وهو رهين نفسه (الوافر):
أَأَكْتُبُ للجَمال وكُلُّ شِعري


تَقَطَّعَ لِلَّتي الرّحمٰنُ بَاعَا[- "هديل السحر"، م س، ص 104.]


ثم إن قلبه لا يطاوعه لذلك، والعراق قد تهاوت للصراع، والأقصى قد انتشل قلاعه اليهود، وغزة صارت تتفطر لها القلوب حين يُـتِّمَتْ عن القطاع، والشام صارت أسدها أسدا عليها...
أَتَكْتُبُ لِلْجَمالِ وَقَدْ تَهاوَتْ

عِراقُ المَجدِ تَلْتَهِمُ الصِّراعَا[- نفسه.]

العشق حياة طافحة بالجمال والجلال، وهو تلك الشجرة التي تخضر بها الحياة[- "العشقة: اللبلابة تخضر، وتصفر، وتعلق بالذي يليها من الأشجار، فاشتق من ذلك العاشق..". ابن القيم الجوزية، "روضة المحبين ونزهة المشتاقين"، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، د ت، ص45 - 46.]، والماء الذي لا شيء يعدله إذا اشتد بنا الحر (المتدارك):
أنْتِ كَالماءِ صيْفًا إذَا اشْتدَّ بِي الحَرُّ
لَا شَيْءَ يَعْدِلُهُ[- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 73.]
و"الحقيقة" التي يغيب مثلها مهما طال البحث، الحقيقة التي تقارب المستحيل (المتقارب):
قَضيْتُ مِنَ البحثِ عُمْرًا طَوِيلَا
ولكنْ كَأنتِ أرَى المُستحيلا...
لئنْ كُنتِ صفحةَ عِشقٍ
فَأنتِ الحَقيقــهْ[- نفسه، ص 82.]
العشق، في هذه التجربة، جزء مهم من قضية الشعر، بل قل هو جوهر القضيةِ نفسِها، به كان الشعر عنده وعليه يكون. الشعر، عند بوعلام دخيسي، عشق: عشق لقضية نحملها في صدورنا، تثقلها فتفيض شعرا، وهو ذاك "الحب الأصيل" الذي يقودنا إلى الوفاء لمبادئنا وانتمائنا ولقضايانا العادلة، فإن كان غير ذلك ودعناه وشيعناه (الوافر):
بلَـى لا أنْثنِـي عنْ لحْنِ حُبٍّ
أصيلٍ أعْزِفُ الزَّيْفَ ابْتِداعَا (...)

فَإِنْ جاءَ الَّذِي أَخْبَرْتُ عكْسًا
أقُــلْ لِلشِّعْــرِ يَوْمَئِذٍ وَداعَا[- "هديل السحر"، م س، ص 105.]

إن العشق إذا تجرد من سُمُـوِّه فينا، وأفقدنا القدرة على الإحساس بذواتنا وبمن حولنا، وزرع "سقوطه" فينا، حولنا إلى "ساسة" عشق، نتقاسم جولات "الكلام الميت" حتى تسقط من بين أيدينا الحقيقة (الخبب):
ساسَةُ عِشقٍ نحنُ
فدعْنا نَتناوبْ حوْلهْ
أشْتاقُ وتَشْتاقُ
فَمَنْ يبْدأ مِنّا الجَوْلهْ...؟؟[- "كي أشبه ظلي"،م س، ص 114.]
العشق ليس رسما بالكلمات، ولا خلطا للألوان، ولا "ثورة حمراء"، ولا وَلَـهًا بالحبيب ولا سكرًا، والشاعر ليس صانع ألوان يُطْلَب منه أن يحقق المتعة وفق الطلب، إنما الشاعر الحق هو ذاك الإنسان الذي "يكون كما يرجو"، "يبوح بوحه"، و"يصف حرقته وأحزانه" وإلا أعلن استقالته حفظا لإنسانيته (الخبب):
وَكَتبْتُ بَيانًا:
ما عُدْتُ لِأرسُمَ شِعْرًا
كُنْ أنْتَ كما تَرْجُو
كُنْ أنْتَ الشّاعِرَ...
بُحْ بَوْحي وَجُروحِي
وصِفِ الحُرْقةَ والأحْزانَا...
كُنْ أنْتَ الشّاعرَ
واتْرُكْ لِي أنْ أصْبِحَ إنْسانَا.[- بوعلام دخيسي، "الحرف الثامن"، مطبعة الجسور وجدة، ط 1، 2014م، ص 102.]
بوعلام دخيسي شاعر محكوم بالعشق في آماله وفي آلامه، تسكنه روحان، فيسكن بينهما. وهو إنسان مخلص في أفراحه وفي أحزانه، صادق فيهما، لا يستطيع أن يحب في صمت[- نفسه، ص 29.]، وإذا أحب مارس طفولته الأولى (الخبب):
صغيرٌ حينَ أحِبّ[- "الحرف الثامن"، نفسه، ص 25.]
يظهر العشق، كتجلٍّ صادق للحب، في رثاء الأب، جذع الشجر الذي هوى، فهوت معه الحياة ولم يعد لوجودها معنى. ولأن حبه لأبيه / حبيبه كان كبيرا، كانت فاجعة الموت ومصيبته عظيمة في نفسه، وهذا أمر عبر عنه الشعراء منذ عصور الأدب العربي الأولى، فقد عدُّوا الأب "الصدر الحنون الذي يحف بهم، والدرع الواقي الذي يحميهم، والأصل الراسخ الذي ينتسبون إليه ويفتخرون به، لذلك يظهر جزعهم شديدا، وبكاؤه محارا، حين رزئهم وفقدهم إياه، وذلك كله يدل دلالة واضحة على الرابطة القوية التي تجمع بين الأب والابن، التي تقوم على المحبة والعطف والحنان فضلا عن لحمة النسب وآصرة الدم"[ - لطيفة بنت يحيى بن عبد الله المقحم، "الأب في الشعر المصري الحديث: دراسة في الموضوع والفن"، بحث لنيل الماجستير في الأدب والنقد، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية، 1434هـ،1435ه، ص 82.]. الأب هو الحبيب، والصاحب، ورفيق الدرب، وشمس النهار، والنور الذي يسقي النظر، لذلك وجدناه يتوسل إليه ويستعطفه العودة (عُــــدْ) ليعيد إليه معنى الحياة التي لا يستقيم معناها إلا به (الرمل):
عُدْ أبي!
باغِتْ عُيوني لَحظةً
واسْقِ النّظرْ...[- "الحرف الثامن"، م س، ص 42.]
ويدفعه هذا العشق الجارف لأبيه إلى استحضار ذاكرة المكان والأشياء وأثرها عليه، فكل شيء في البيت يذَكِّــرُه بأبيه الراحل: النعل الأسود الذي ما زال لم يبرح خطاه، والثوب البني الذي ارتسمت علامات الحزن عليه من أثر البكاء... فهو يراه في كل شبر، يملأ ذاته وروحه (الرمل):
في كلّ شبرٍ ها هنا كُلِّي يراكْ
وتَراني يا أبي... لي يقينٌ...[- نفسه، ص 43.]
شكل الأب، في هذا الخطاب الشعري، أمل الشاعر في الحياة وطموحه الأكبر فيها، لكنه حين مات انتهى هذا الأمل وذاك الطموح فتاقت نفسه إلى اللحاق به، حبا فيه وتقربا منه، يقول (الرمل):
"عُدْ أبي...
عُدْ
أوْ
عُدَّني
ضيفًا هناكْ...[- نفسه، ص 43. وهذا أمر مسبوق إليه في الشعر العربي ومذكور بصيغ مختلفة. رأى أحمد عبد المعطي حجازي، مثلا، أن داره الحقيقية هي ذاك القبر الذي يضمه، في قريته، إلى جانب قبر والده، وقد تمنى من أبيه أن يمنحه لقاء في المنام ليقاسمه أحاديثه المعهودة:
رسالتي إليك يا أبي حزينةٌ
في البدء والختــــــام
فإن أهاجت شوقك القديم للكلامْ
هب لي لقاء في المنام !. أحمد عبد المعطي حجازي، "مدينة بلا قلب"، دار العودة بيروت، ص 221.]

المبحـث الثانـي: بوعـلام دخيسـي متحــررا
تستمد القصيدة حياتها من روح الحرية التي تتمتع بها، ويكون حظها من الحياة على قدر حظها من الحرية. الشعر والحرية جسد وروح، تتحقق حياة الشعر بالحرية، وتتجمّل روح الحرية بالشعر. وهما أخوان لا يسع الفصل بينهما، وإذا ما وقع ذلك جاز لنا أن نعلن موت القصيدة، وأن نحافظ على ما تبقى من صورها الصامتة، بلا معنى، للذكرى، ونقصد لغتها الخرساء، ومعانيها الباردة، وخيالاتها الحالمة...
الحرية، بمفهومها الإنساني الحقيقي، "ضرورة وجود وشرط حياة"، لذلك صار من مهام الشعر الحقيقية البحث عنها: عن شكلها ولونها ورائحتها ومذاقها... وصار من مهام الشاعر عشقها وإسكانها في النص، لأن الشاعر الذي لا تحيا الحرية في شعره، لا يستطيع أن يتحرر في حياته.
يظهر أن ما أبدعه بوعلام دخيسي، في دواوينه / مجاميعه الثلاثة، يسمح بالقول إنه كان متحررا فيما كتب: متحررا بالمعنى، متحررا باللغة، متحررا بالإيقاع.
أ - التحـرّر بالمعـــــنى:
حين يشعر الشّاعر بعَنَت الحياة، ورتابَتها وسكونها المملّ وقلقها المتزايد، يبحث له عن ملجأ أرحب وأوسع يحسن فيه التّنفّس بحرية، وليس هذا الفضاء إلّا القصيدة، إليها يهرب وبها يستغيث. ولا يحس بــ "لذّة" هذا الهروب، ومعنى هذه الاستغاثة إلّا إذا وَجد فيها من رحابة الصّدر ما يجعل معناه حرّا طليقا، ولا يتحقّق ذلك إلّا إذا كان الشّاعر نفسه حرّا متحرّرا في ذاته ومع العالم الذي يحيط به.
يكون الشاعر متحررا بأشياء تجعل من شعره ذا معنى، قابلا للحياة، مؤثرا فيه وفي من حوله، ولا يتأتى له ذلك إلا إذا آمن، هو نفسه، بالحرية، وسعى إليها: "لا يعتبر المبدع مبدعا إلا إذا نال حريته التامة دون قيد أو شرط"[- حوار مع الشاعر بوعلام دخيسي، "جريدة الحقيقة"، جريدة يومية سياسية عامة، 14-7- 2014، الشبكة العنكبوتية.]. وشاعرنا، والحال هذه، حرٌّ في ذاته حر في شعره، متحرر بهما:
- تتحقّق حرّيته في ذاته، لأنّه يرى أنّ التحرّر الحقيقيّ، والأكبر، يبدأ من هذه الذّات: "ثمّة فعلا تدرّج وتطوّر في ممارسة هذه الحرّية، ولا أتّهم أحدا أنّ له عليّ يدا أو سلطة تكبّل كلماتي وما تصبو إليه من معان... لكنّني أعترف وأجزم أنّي وحدي من كنت ربّما يوما ما أمارس عليَّ شيئا من هذه الرّقابة وأنا نفسي من أحاول وحدي أن أتحرّر منها شيئا فشيئا"[- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س.]، وهذا ما دفعه، أحيانا، إلى أن يعلن استقالته احتجاجا على هذه الذّات التي فقدت ذاتها / إرادتها الحرّة[- "الحرف الثامن"، م س، ص 100.]، فما أصعب أن تستعبدنا ذواتنا، وأن "تنضب في فمنا الكلمات"، وأن يصيبنا تيه هذه الذّوات (الخبب):
ما أصعبَ أنْ تحيا الوَحشةَ...
(...)
"يَراك النّاسُ بلَغْتَ
وأنتَ التّائهُ
ما زِلتَ حواليْكَ تطوفْ"[- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 91 - 92.]
كما أنّ التّحرّر الحقيقيّ للذّات، في نظره، هو التّفكّر في خلق الله، والنّظر في الجمال الذي توزع بحرا وبرّا: في الجبال والسّهول والبحار...[- "الحرف الثامن"، م س، ص 94.]، وهو الحبّ الحقيقيّ الذي يوحِّد كل القلوب ويحرِّر النّفوس، فلا يمكن أن يكتب الشاعر للجمال وهو لا يزال عبد نفسه وخوفه[- "هديل السحر"، م س، ص 104.].
- تتحقّق حرّيته في شعره، لأنّه يرى أنّ "الشّعر تعبير عن اللّحظة، فردية كانت أو جماعية، ولكي تتدفّق كما يجب لابدّ لصاحبها من وصف الحالة والحديث عنها كما هي"[- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س.]، بحرية وتحرّر. الشّاعر والقصيدة حبيبان، يخاطب أحدهما الآخر: تتحدث القصيدة همسا، ويتحدث الشاعر جهرا. تعبر القصيدة، بحب وافتخار، عن إباء حبيبها (الشّاعر) وعن عزّة نفسه، ويعبّر هو عن صدقها وعن تمنّعها، وعن رفضها ورفضه للذّلّ والخنوع (الكامل):
تأبى حُروفي أنْ أحَرِّفَ شَكلَها...
تَأبى حروفي مثل صاحبِها
الخنوعْ.[- "الحرف الثامن، م س، ص 76.]
يعلن الشّاعر، استقالته من الشّعر حين يصير خلطا للألوان ورسما بالكلمات، و"بضاعة" تخضع لقانون "العرض والطّلب"، ويعلن احتجاجه / بيانه (الخبب):
ما عُدْتُ لِأَرْسُمَ شِعْرًا
كُن أنْتَ كمَا تَرْجُو
(...)
كُن أنْتَ الشّاعرَ
واتْرُكْ لي أنْ أُصْبحَ إِنْسانا.[- نفسه، ص 102.]
والتحرّر، أيضا، معناه أن يبدع الشّاعر وفق مرجعيّته، لا خارجها، حتّى لا يصير مستأجرا فقط: "حينما نكتب بعيدا عن مرجعياتنا لا نكون إلّا مستأجرين لا أقلّ ولا أكثر".[-"حوار مع الشاعر بوعلام دخيسي"، عزيزة رحموني، مجلة معارج الفكر، مجلة الكترونية، نشر الحوار بتاريخ 30 أبريل 2014م.]ويقصد بالمرجعيّة، هنا، مرجعيّة الذّات المتحرّرة الّتي تتفادى أن تكون وصاحبَها ناطقين باسم أحد غير الإنسان، يقول: إنّني "أتحاشى أن أكون ناطقا باسم أحد غير الإنسان أنّى وكيف ومتى كان. الشّاعر الحقّ في نظري هو الّذي يستطيع أن يعبّر عن القريب والبعيد والأبعد في كلمة واحدة..."[- حوار الشاعر بوعلام دخيسي مع "جريدة الحقيقة"، م س.].
والتحرّر، كذلك، أن يكون الشّاعر صادقا فيما يقول، مدركا لما يقول، فلغة الشّاعر الحقيقيّ "لا تكذبْ"[- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 90.]. والمقصود بالصّدق، هنا، أن يكتب الشّاعر وفق ما يؤمن لأنّ "الّذي يبتزّ القصيدة ويحاول أن يقوّلها ما لم تقل إنّما يجني على نفسه وعليها وعلى القارئ"[- حوار الشاعر بوعلام دخيسي مع "جريدة الحقيقة"، م س. ]، ثمّ إنّ النّاظر في الشّعر العربيّ يجد أنّ أجمل ما احتفظت به ذاكرة عشّاق الشّعر، وما صار جزءا من ذاكرة هذه الشّعوب هو "ما نبع من لحظة صدق معاناة كانت أو فرحا أو غضبا أو حزنا..."[- نفسه.].
والحقيقة أنّ بوعلام دخيسي صادق في شعره: صادق في فرحه، صادق في حزنه. الصّدق عنده هو الحبّ نفسه: "صدق الحبّ وحبّ الصّدق"، وهو "لازمـــــة الــــــرّوح" الّتي يردّدها الشّعر[- "الحرف الثامن"، م س، ص 61. ]، هو الحفر في الماضي والحاضر، وفي الزّمن الآخر، وحين يجتمعان (الحبّ والصّدق) يعيش الشّاعر حياة تقارب، في لذّتها وجمالها، الأسطورة[- نفسه.].
يظهر صدقه، مثلا، في حبّه لأخلائه، فهو مستعدّ لِأَنْ يَهَبَهُم كلّ ما يملك: فؤاده وفمه ودمه وعبراته... يُرَى فرِحا منتشيا لسعادتهم إذا انتقى ما يحبّون، ويُرَى شقيّا إذا قال شعرا لا يشتعل فيهم احتراقا... يحيا لحياتهم، ويموت لموتهم[- يقول أبو صخر الهذلي في المعنى نفسه:
فيا حبذا الحياة ما دمت حية ** ويا حبذا الموت ما ضمك القبر]. يبقى الوصل هو الوصل، لا يطيق فكاكا، فهو هم، وهم هو (الخفيف):
فَأَنا أَنْتَ إِنْ رَكِبْتَ سَماءً
وَلَأَنْتَ الأَنا فَلُذْ بِثَراكَا[- "هديل السحر"، م س، ص 40.]
ولأنّه صادق في حبّه فهو يستثني من هؤلاء "الأَلْفَ صديق" الّذين يخوضون معارك صداقتهم الباردة، والّذين لا يجمعه بهم غير "مجاملات" التّعارف، هؤلاء الّذين يشيّدون أوطانا لا يحكمها أحد، ويجعلون أنفسهم ضمائر العالم لكنّها، للأسف، ضمائر مستترة، فهم ألف صديق لكنّهم لا يحسنون اتّخاذ موقف جادّ (الخبب):
أَلْفُ صَديقٍ في اللَّحظَةِ
(...)
أَلْفُ صَديقٍ وَأَرانِي أَحْيانًا وَحْدِي
أَتَقَمَّصُ شِعْري كَيْ لا أَغْرَقَ...[- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 33 - 35.]
ويظهر ذلك الصّدق واضحًا، أيضا، في مراثيه الّتي خصّ بها أقرب النّاس إلى قلبه، كيف لا والأكباد تحترق، والنّفوس يعتصرها الألم. ومن سمات صدقه أنّه إذا كتب، والجراح تؤلمه، يكتب بصدق، يقول: "لَا أُنْكِرُ أَنَّنِي فِعْلًا أَكْتُبُ أَكْثَرَ، وَأَنَا أَتَقَطَّرُ حُزْنًا وَأَلَمــًا، وَلَا أُخْفِي عَلَيْكَ إِنْ قُلْتُ لَكَ: إِنَّنِي عَكْسُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الكِتَابَةَ أَثْنَاءَ الجُرْحِ تَكُونُ مَصْحُوبَةً بِزِيَادَةٍ فِي النَّحِيبِ، فَأَنَا أَكْتُبُ بِشَكْلٍ أَصْدَقَ حَسَبَ اعْتِقَادِي لَحْظَةَ الشُّعُورِ نَفْسِهِ حِينَ تَتَمَازَجُ الدَّمْعَةُ بِالكَلِمَةِ… حَاوَلْتُ أَنْ أَكْتُبَ بَعِيدًا عَنِ اللَّحْظَةِ لَكِنِّي أَجِدُ الحَرْفَ يُتْعِبُنِي كُلَّمَا نَسِيَ.."[- حوار الشاعر بوعلام دخيسي مع يوسف عاصم، انظر صحيفة "رأي اليوم"، نشر بتاريخ: 26 ماي 2016.].
ب - التحــــرر بالحـب / العشـق: هل يكـون التحـرر بالرغبـة أم بالرهبـة؟
ومن ملامح التّحرّر بالمعنى، أيضا، أنْ يعبّر الشّاعر بعشق، وأن يعشق بشعريّة وفق ما يتطلّبه ذلك من صدق الإحساس... بعيدا عن المجاملات الّتي تكسر الشّعر[- "الحرف الثامن"، م س، ص 13.]، بعيدا عن الأحاسيس المخطوفة: (الخبب)
"مَا أَصْعَبَ أَنْ تَكْتُبَ شِعْرًا
وَشُعورُكَ مَخْطوفْ"[- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 91.]
قريبا من الشّعر الّذي صار، عند بوعلام دخيسي، صديقا وأخا[- يقول: "وحتى لا أبخس التاريخ حقه أقول إنني كنت أحب الشعر وكنت بكل اختصار مشغولا عنه وأرجو أن يغفر لي شعري ما جنيت وأن لا يُشغل عني هو لأنه صار الصديق والأخ الوحيد..". - "حوار مع الشاعر بوعلام دخيسي"، عزيزة رحموني، م س.].


ج - التّحـــرّر باللّغــة:
لم يعد الشّاعر الحديث "مقيما" على حدود المجتمع حريصا عليها، ولم يغادره أو يعلن طلاقه، إلّا أنّه جعل حضور هذا المجتمع ضمن رؤية أوسع للذّات وللعالم، وفي سياقات تبعد الشّعر عن أن يمارس وظيفته التّقليدية، بطرق تقليدية وحسب، فالشّعر، في نظر محمود درويش، "يجب أن يتحرّر ممّا ليس منه، وما ليس منه هو الرّاهن القابل للتّبدّل السّريع"[ - جريدة السفير عدد 15 أبريل 2002.].
اللّغة باب الشّعر الّذي نطلّ من خلاله على عوالم الجمال والجلال، واللّغة الشّعرية من أرقى أشكال اللّغة الّتي يُطلب من الشّاعر أن يسهر على حمايتها وتجديدها، وأن يعطيها الحياة كلّما احتاجت إليها، وأن يحفظ لها سموّها وشموخها وجمالها...
والواقع أنّ الإحساس بقدر اللّغة وقيمتها، ودورها في تحقيق الجمال، يكون بفضل الإدراك الواعي والمسؤول للمثقّفين الحقيقيّين، والشّعراء جزء منهم، فهم أكثر الناس حفاظا على نقاء اللّغة وجمالها، وأكثرهم تقديرا لقيمتها، ودفاعا عن شرعيّتها، تقول نازك الملائكة: "إِنَّ قَضِيَّةَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أَعَزَّ عَلَيْنا مِن سُمْعَتِنا الشَّخْصِيَّةِ بِاعْتِبارِنا كُتَّابًا مُجَدِّدِينَ ذَوِي ثَقافَةٍ حَدِيثَةٍ"[- نازك الملائكة، "قضايا الشعر المعاصر"، منشورات مكتبة النهضة، ط 3، 1967م، ص 291.]. كما يفترض أن يكونوا أكثر النّاس وعيًا بــ "سلامتها" الّتي تقتضيها "فطرة" الشّاعر، وتجنّبه الوقوع فيما يجرح "عذريّتها" وعفّتها، ويقود القارئ إلى التّشكيك في قيمة ما يكتب / يبدع.
بوعلام دخيسي شاعر أحبّ الشّعرَ وأحبّهُ الشّعرُ، فَأدْمَنَ أحدُهما الآخر[- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 111.]. وحين أحسَّ الشِّعرُ بصدق شوقه إليه أطلعه على بعض أسرار مملكة اللغة التي لا يكون الشّعرُ إلّا بها. يملك بوعلام قدرة فائقة على تشكيل اللّغة، وعلى تحديد شكل العبارات ومعانيها، وعلى "رَسْمِ" معالمها، بعيدا عن "قَيْدِ" الحواجز التي تضيِّقُ المسافة بين الشّاعر وبين اللّغة، وبين اللّغة وعالم النّصّ الشِّعريِّ، قريبا من الذَّات والعالم... بما يحققِّ لنصوصه شعرية لا مجال لإنكارها، وبعيدا، في الآن نفسه، عن السّقوط في ما يمكن أن يسمّى، "مجازًا"، حداثة، وما هو من الحداثة.
يدرك الشّاعر أنّ لغة الشّعر انزياحٌ[- كوين جون، "بناء لغة الشعر"، ترجمة أحمد درويش، مكتبة الزهراء، القاهرة، ص 35.]، خروجٌ عن المألوف، والْتِجاءٌ إلى الرّمز، واحتماءٌ به، كما يدرك أيضا، وهو صاحب تجربة شعرية، أنّ "لِكُلِّ تجْرِبةٍ لُغَتُها الخَاصّةُ، ولاَ يُقْصَد هُنا باللُّغةِ الَمفْهُومُ المُعْجَمِيُّ أوِ النَّحْوِيُّ، وإِنْ كَانا هَامَّيْنِ، إِنَّما يُقْصَدُ "بِلُغَةِ الشِّعْرِ طَاقَةُ القَصِيدَةِ الشِّعْرِيَّةِ وَإِمْكَانِياتُها"[- السعيد الورقي، "لغة الشعر العربي الحديث، مقوماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية"، دار المعارف، ط 2، 1983م، ص 71.].
يُوظِّفُ الشّاعرُ اللّغةَ كوسيلة للتَّعبير والخَلْقِ... والمقصود بالتَّعبير أنّ الشّعر رسالة، وأنّ الشّاعر حامل رسالة، والكلمة في القصيدة تحمل معنى واضحا، ولكنَّ هذا لا يعني أنّها لا تحمل معنى، أو معاني أخرى، أوسع وأعمق. والمقصود بالخلق الأدبيّ سيطرة الأديب على اللّغة بما يضفيه عليها من ذاته وروحه[- نفسه، ص 72.]... والحال أنّ لغة بوعلام دخيسي، في دواوينه / مجاميعه الثّلاثة، يظْهَر فيها الاتِّجاهان معا: التّعبير والخَلْقُ، وتتأرجح بين لغةٍ ذاتِ طابعٍ عقلانيٍّ تقليديٍّ، وهي لغةٌ ينحصر استعمالها، أكثر، في الدِّيوان الأوّلِ (هديل السحر)، ولُغَةٍ انزياحيَّةٍ بدأ توظيفها في الدِّيوان الثَّاني (الحرف الثامن)، توظيفا ملحوظا قبل أن تشكّل عالم الدّيوان الثّالث (كي أشبه ظلي). تميل الأولى إلى الطّابع العقلانيّ التقليديّ، والمقصود بها (العقلانية)، في نظر محمد علي الرّبّاوي، الميل إلى استعمال المكونات البلاغية لإيضاح المعنى، وهذه بلاغة القرآن الكريم. وقد وردت في ديوان (هديل السحر) أكثر، وحافظ الشّاعر على امتدادها، بشكل أقلّ في ديوان (الحرف الثامن). وقد ربط الأستاذ الرّبّاوي هذا الأمر، أيضا، بالالتزام السياسيّ للشّاعر في المرحلة، وطبيعة الخطاب السّائد فيها[- "الحرف الثامن"، م س، ص 7.].
تظهر بلاغة القرآن، أو اللّغة في بعدها الدّينيّ من خلال الدّيوانين الأوّلين، انطلاقا من عتبات القصائد، ومن لغتها الّتي فاضت بالمصطلح الدّيني. في عتبات قصائد الدّيوان الأوّل تحضر "المناجاة"، و"الصّحبة"، و"الأخلّاء"، و"الغاوون"، و"المولد النّبوي"، وتحضر، في الدّيوان الثّاني، من خلال "صدق"، و"إباء"، و"مع الله"... هذه المواضيع التي سماها البعض قيما شعرية قديمة، تجاوزها الشّعر العربيّ الجديد، تحت مسمّى "أخلاقية الحكمة"، و"الآخرة"، و"معنى الشّعر"[- أدونيس، "مقدمة للشعر العربي"، دار العودة بيروت، ط 3، 1979م، ص 128- 130.]، والواقع أنّ تعبيرية لغة الشّعر يدلّ على أنّ هذه اللّغة حـَمَّالَـةُ فِكْرٍ وَوِجدان وقِيم... وهذه المكوّنات هي الّتي تشكّل "منظومتها الدّلالية"[- نفسه، ص 125.]، التي يريد البعض للشّعر العربيّ أن يتجرّد منها، كما يريد لهذا الشّعر أنْ ينفصل بلغته عن الإطار اللّغويّ العامّ الموروث من الشّعر[- نفسه، ص 159.]، بل وإعلان الثّورة على هذه اللّغة التّراثية بإفراغها من محتواها ومضمونها[- أدونيس، "سياسة الشعر"، دار الآداب بيروت، 1985م، ص 132.] حتّى لو أدّى ذلك إلى قلق دلاليّ عند القارئ وربّما الأديب[- رائد جميل عكاشة وخالد عبد الرؤوف الجبر، "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، إسلامية المعرفة، مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، العدد 76، السنة 19، ربيع 1435ه / 2014م، ص 110.].
تظهر قضيّة تعبيرية اللّغة، أو إيصال المعنى عند الشّاعر، باعتبار شعره شعارا واضح المعنى، لا يني يردّده لبلوغه الأسماع والأذهان (الخفيف):
أَخْبِرِ النّاسَ أَنَّ شِعْري شِعارٌ
واضِحُ المَعْنَى عَابَهُ التَّرْدِيدُ[- "هديل السحر"، م س، ص 96.]
يؤكِّد أنّ الشّعر لا بدَّ أنْ يكون صادقا في نقل مشاعره والتّعبير عنها، بلغة واضحة لا تجعل من الحسرة شغفا، ولا من الشّغف حسرة، لأنّ قصيدته، والحال هذه، تقاطعه حين يكتبها، وتأبى حروفه / كلماته المسخ والانقياد (الوافر / الكامل):
تُقاطِعُنِي القَصيدَةُ حِينَ أَكْتُبُها
وَتَسْأَلُني الرُّجوعْ
أَعودُ إِلَى الحُروفِ أَعُدُّهَا
(...)
تَأْبَى حُروفِي أَنْ أُحَرِّفَ شَكْلَهَا..
تَأْبَى حُروفِي مِثْلَ صَاحِبِهَا
الخُنوعْ.[- "الحرف الثامن"، م س، ص 76.]
ويدعو قرّاءه إلى أن يكتبوا شعره كما قرأه سليما مبينا، وأن يسمعوا من جوامع القرآن ففيه أثر له:
اُكْتُبوهُ كَما قَرَأتُ سَليمًا
وَاسْمَعوا مِنْ جَوامِعِ القُرْآنِ[- "هديل السحر"، م س، ص 102.]
ويراد بالطّابع العقلانيّ للّغة، أيضا، أن تبقى هذه اللّغة في معياريتها الّتي حافظ عليها القرآن الكريم، والّتي تعني، فيما تعنيه، أن يتحقّق فيها البيان والإمتاع، أو بتعبير ابن قتيبة، وهو يناقش قضية اللفظ والمعنى: لفظ جيّد في معنى جيّد[- قسم ابن قتيبة الشعر أربعة أضرب، جعل أولها حسن اللفظ جيد المعنى... انظر مقدمة "الشعر والشعراء"، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف - القاهرة، د- ت، ص 64.]، وهذا ليس عيبا في الشّعر بمنظور شاعر له مرجعية إنسانية تعانق كلّ ما هو إنسانيّ نبيل، وليس مطلوبا منه أن يخرج الشّعر من إطار العلاقة مع الله وأشيائه، إلى إطار العلاقة مع العالم وأشيائه"[- "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، م س، ص 108- 109..].
والواقع أنّ حرص بوعلام دخيسي على "خدمة" مرجعيّته، والتزامه بــ "قضاياه"، الّتي هي قضايا إنسانية مشتركة، لا يعني أنّه رافض للحداثة ثائر عليها، ولا ذائب فيها مسلوب بها، فهو حريص على أن يجدّد لغته بالشّكل الّذي يحفظ لها دورها في تحقيق جمال القصيدة، ومواكبة عصرها، لكنْ دون أن يفقدها هذا التّحوّل وذاك التّجديد المحافظةَ على ثوابتها. يقول: "اللّغة أقوى وأبعد من أن تكبّل شاعرا، لأنّها بريئة وقابلة لأن تجدّد نفسها وتلائم عصرها بثابتها ومتحرّكها"[- حوار أجريته مع الشاعر، لم ينشر بعد.].
يدرك بوعلام أنّ "الاستخدام الشّعريّ للّغة هو أقرب الاستخدامات من طبيعتها... وأنّ الشّعر، في صورة من صوره، خلق لغويّ"[- "لغة الشعر العربي الحديث، مقوماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية"، م س، ص 70.]، وأنّ من مهام الشّاعر الكبرى تحسين الأسلوب، فالشّعر، كما يقول ملارميه Mallarmé، نتيجة حتميّة لكلّ جهد يبذل لتحسين الأسلوب"[- ينظر ميشال بوتور، "بحوث في الرواية الجديدة"، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط 2، 1971م، ص 14.]. ويدرك أنّ تحسين هذا الأسلوب يكون بالاجتهاد في اللّغة، أي "انفتاحها على ما يجدّ ويستحدث من علوم وفنون ومعارف ومدارك..."[- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س.]، كما يكون بالاهتمام بعناصر أخرى تشكّل، مجتمعة، ما يسمّيه النّقّاد "كليّة العمل الشّعريّ" أو "النّسيج الشّعريّ" "بما يشتمل عليه من مفردات لغويّة وصور شعريّة ومن موسيقى"[- "لغة الشعر العربي الحديث.."، م س، ص 70.].
ويدرك الشّاعر أنّ لغة الشّعر، في جزء مهمٍّ منها، لغة رمز وإيحاء وإشارة[- ليس ضروريا أن نجعلها تقول ما لم تتعلم أن تقوله، ولا أن يصبح الشعر ثورة على اللغة، كما يقول أدونيس. انظر: "مقدمة للشعر العربي"، م س، ص 125 - 126.]، بها يرمز وبها يوحي، وبها يقلب معنى المعنى، لكنّه يرفض أن يكون هذا الاستعمال باعثا على عولمة الشّعر (الخبب):
نَكْتُبُ بِالرَّمْزِ نَعَمْ... نَكْتُبُ بِالإيحاءْ..
نَقْلِبُ مَعْنى الـمَعْنى
(...)
لَا نَرْغَبُ فِي عَوْلَـمَـةِ الْأَشْعارْ.[- "الحرف الثامن"، م س، ص 66.]
ويقبل أن يطلق طاقات اللّغة الكامنة إبداعيًّا[- عبد السلام المسدي، "النقد والحداثة"، دار الطليعة بيروت، 1983م، ص 13- 14.]، لكنَّه يرفض أن يحرّف شكلها، أو بمعنى أصحّ، أن يفرغها من "شخصيتها" و"حمولاتها معانيها تاريخيًّا ليتأسَّس لها تاريخ جديد خاصّ انطلاقا من حمولة معرفيّة جديدة"[- "الحداثة"، نقلا عن: "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، م س، ص 110.] (الوافر):
تُقاطِعُنِي القَصيدَةُ حِينَ أَكْتُبُها
وَتَسْأَلُنِي الرّجوعْ
أَعودُ إِلَى الْحُروفِ أَعُدّها
أَجْثُو عَلَى أَلَـمِي أُلَـمْلِمُهُ
وَأَدْعوهَا لِنَبْدَأَ مِنْ جَدِيدْ
تَأْبى حُروفي أنْ أحَرِّفَ شَكْلَها...
تَأْبى حُروفي مِثْلَ صاحِبِها
الْخُنوعْ.[- "الحرف الثامن"، م س، ص 76.]
خاتمــــــــــــــة:
بوعلام دخيسي شاعر يحاول أن يجدّد بالشّعر معنى الحياة، ويحاول أن يجدد معنى الحياة بالشّعر. يتحقّق له في شعره معنى الجمال: جمال المعنى والمبنى، يحسن رصد معانيه ويطرّزها، ويجعل فيها سرّه وحسنه، كما يحسن إحكام مبانيه، فتصير حروفه شاهدة على لحظاته. إنه الشّاعر الّذي أدمن الشّعر وأدمنه الشّعر فصارا عاشقين يجمعهما الشّوق، فقد أوصاه الشّعر أن يحافظ على شوقه إليه فكان أن ولد الشّوق عشقا وتحررا.
بوعلام دخيسي شاعر حرّ في عشقه، عاشق لحريته، طائر يبحث عن سربه، عن حبّه، عن دربه... في القصيدة. وتظهر حريته وعشقه في:
- لا ينبغي أن يتجرّد العشق من سُمُــــوِّه فينا، وإلّا أفقدنا القدرة على الإحساس بذواتنا وبمن حولنا، وزرع "سقوطه" فينا، وحوّلنا إلى "ساسة" عشق.
- تتحقّق الحرّيّة في الذّات، فالتّحرّر الحقيقيّ والأكبر يبدأ من هذه الذّات، فإذا ما فقدت ذاتها / إرادتها الحرّة واستعبدتنا تنضب فينا الكلمات. ثمّ إنّ التّحرّر الحقيقيّ للذّات، في نظر الشّاعر، هو التّفكّر في خلق الله، والنّظر في الجمال الّذي توزّع بحرا وبرّا.
- تتحقّق حريّة الشّاعر في شعره، لأنّه يرى أنّ "الشّعر تعبير عن اللّحظة، فرديّة كانت أو جماعيّة، ولكي تتدفّق كما يجب لابدّ لصاحبها من وصف الحالة والحديث عنها كما هي".
- التّحرّر، أيضا، معناه أن يبدع الشّاعر وفق مرجعيّته، أي مرجعيّة الذّات المتحرّرة لا خارجها، حتى لا يصير مستأجرا فقط: "حينما نكتب بعيدا عن مرجعياتنا لا نكون إلاّ مستأجرين لا أقلّ ولا أكثر".
- من ملامح التحرّر بالمعنى أن يعبّر الشّاعر بعشق، وأن يعشق بشعريّة وفق ما يتطلّبه ذلك من صدق الإحساس... بعيدا عن المجاملات الّتي تكسر الشّعر، بعيدا عن الأحاسيس المخطوفة.





ـــــــــــــــــــ
- كتبت هذه الورقة النقدية في مارس 2018م، وقد شملت الدواوين الثلاثة الأولى: "هديل السحر"، و"الحرف الثامن"، و"كي أشبه ظلي".
- باحث، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، جهة الرباط سلا القنيطرة.
- بوعلام دخيسي، كي أشبه ظلي"، "مطبعة الجسور، وجدة، ط 1، 2016م، ص 87.
- اعتمدت في هذا الموجز من سيرة الشاعر على ما ورد في دواوينه الثلاثة.
ـ سورة الحديد، الآية 15.
- محمد بودويك، "الشعر والحرية"، جريدة القدس العربي، 12 مارس 2016م.
- فرج بيرقدار، "خيانات اللغة والصمت..."، دار الجديد بيروت، ط 1، 2006م، ص 12.
- "الشعر والحرية"، محمد بودويك، م س.
- محمد عيد إبراهيم، "رباعيات مولانا جلال الدين الرومي"، دار الأحمدي للنشر القاهرة، ط 1، 1998م، ص41.
فسه، ص 44.
- حوار أجريته مع الشاعر، نُشِر بعد ذلك في جريدة الاتحاد الاشتراكي تحت عنوان: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، العدد 11896، السبت - الأحد // 31 مارس -1 أبريل 2018م.
- إليف شافاق، "قواعد العشق الأربعون (رواية عن جلال الدين الرومي)"، ترجمة: خالد الجبيلي، طوى للثقافة والنشر والإعلام، لندن، ط 1، 2012م، ص 500.
- يعرفه جلال الدين الرومي بقوله: "ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف، إنه كما هو، نقي بسيط". نفسه.
- نفسه.
- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س
بوعلام دخيسي، "هديل السحر"، مطبعة الجسور، وجدة، ط 1، 2012م، ص 37.
- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 74.
- "هديل السحر"، م س، ص 104.
- نفسه.
- "العشقة: اللبلابة تخضر، وتصفر، وتعلق بالذي يليها من الأشجار، فاشتق من ذلك العاشق..". ابن القيم الجوزية، "روضة المحبين ونزهة المشتاقين"، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، د ت، ص45 - 46.
- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 73.
- نفسه، ص 82.
- "هديل السحر"، م س، ص 105.
- "كي أشبه ظلي"،م س، ص 114.
- بوعلام دخيسي، "الحرف الثامن"، مطبعة الجسور وجدة، ط 1، 2014م، ص 102.
- نفسه، ص 29.
- "الحرف الثامن"، نفسه، ص 25.
- لطيفة بنت يحيى بن عبد الله المقحم، "الأب في الشعر المصري الحديث: دراسة في الموضوع والفن"، بحث لنيل الماجستير في الأدب والنقد، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية، 1434هـ،1435ه، ص 82.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 42.
- نفسه، ص 43. وهذا أمر مسبوق إليه في الشعر العربي ومذكور بصيغ مختلفة. رأى أحمد عبد المعطي حجازي، مثلا، أن داره الحقيقية هي ذاك القبر الذي يضمه، في قريته، إلى جانب قبر والده، وقد تمنى من أبيه أن يمنحه لقاء في المنام ليقاسمه أحاديثه المعهودة:
رسالتي إليك يا أبي حزينةٌ
في البدء والختــــــام
فإن أهاجت شوقك القديم للكلامْ
هب لي لقاء في المنام !. أحمد عبد المعطي حجازي، "مدينة بلا قلب"، دار العودة بيروت، ص 221.
- حوار مع الشاعر بوعلام دخيسي، "جريدة الحقيقة"، جريدة يومية سياسية عامة، 14-7- 2014، الشبكة العنكبوتية.
- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 100.
- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 91 - 92.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 94.
- "هديل السحر"، م س، ص 104.
- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س.
- "الحرف الثامن، م س، ص 76.
- نفسه، ص 102.
-"حوار مع الشاعر بوعلام دخيسي"، عزيزة رحموني، مجلة معارج الفكر، مجلة الكترونية، نشر الحوار بتاريخ 30 أبريل 2014م.
- حوار الشاعر بوعلام دخيسي مع "جريدة الحقيقة"، م س.
- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 90.
- حوار الشاعر بوعلام دخيسي مع "جريدة الحقيقة"، م س.
- نفسه.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 61.
- نفسه.
- يقول أبو صخر الهذلي في المعنى نفسه:
فيا حبذا الحياة ما دمت حية ** ويا حبذا الموت ما ضمك القبر
- "هديل السحر"، م س، ص 40.
- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 33 - 35.
- حوار الشاعر بوعلام دخيسي مع يوسف عاصم، انظر صحيفة "رأي اليوم"، نشر بتاريخ: 26 ماي 2016.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 13.
- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 91.
- يقول: "وحتى لا أبخس التاريخ حقه أقول إنني كنت أحب الشعر وكنت بكل اختصار مشغولا عنه وأرجو أن يغفر لي شعري ما جنيت وأن لا يُشغل عني هو لأنه صار الصديق والأخ الوحيد..". - "حوار مع الشاعر بوعلام دخيسي"، عزيزة رحموني، م س.
- جريدة السفير عدد 15 أبريل 2002.
- نازك الملائكة، "قضايا الشعر المعاصر"، منشورات مكتبة النهضة، ط 3، 1967م، ص 291.
- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 111.
- كوين جون، "بناء لغة الشعر"، ترجمة أحمد درويش، مكتبة الزهراء، القاهرة، ص 35.
- السعيد الورقي، "لغة الشعر العربي الحديث، مقوماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية"، دار المعارف، ط 2، 1983م، ص 71.
- نفسه، ص 72.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 7.
- أدونيس، "مقدمة للشعر العربي"، دار العودة بيروت، ط 3، 1979م، ص 128- 130.
- نفسه، ص 125.
- نفسه، ص 159.
- أدونيس، "سياسة الشعر"، دار الآداب بيروت، 1985م، ص 132.
- رائد جميل عكاشة وخالد عبد الرؤوف الجبر، "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، إسلامية المعرفة، مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، العدد 76، السنة 19، ربيع 1435ه / 2014م، ص 110.
- "هديل السحر"، م س، ص 96.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 76.
- "هديل السحر"، م س، ص 102.
- قسم ابن قتيبة الشعر أربعة أضرب، جعل أولها حسن اللفظ جيد المعنى... انظر مقدمة "الشعر والشعراء"، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف - القاهرة، د- ت، ص 64.
- "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، م س، ص 108- 109..
- حوار أجريته مع الشاعر، لم ينشر بعد.
- "لغة الشعر العربي الحديث، مقوماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية"، م س، ص 70.
- ينظر ميشال بوتور، "بحوث في الرواية الجديدة"، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط 2، 1971م، ص 14.
- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س.
- "لغة الشعر العربي الحديث.."، م س، ص 70.
- ليس ضروريا أن نجعلها تقول ما لم تتعلم أن تقوله، ولا أن يصبح الشعر ثورة على اللغة، كما يقول أدونيس. انظر: "مقدمة للشعر العربي"، م س، ص 125 - 126.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 66.
- عبد السلام المسدي، "النقد والحداثة"، دار الطليعة بيروت، 1983م، ص 13- 14.
- "الحداثة"، نقلا عن: "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، م س، ص 110.
- قسم ابن قتيبة الشعر أربعة أضرب، جعل أولها حسن اللفظ جيد المعنى... انظر مقدمة "الشعر والشعراء"، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف - القاهرة، د- ت، ص 64.
- "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، م س، ص 108- 109..
- حوار أجريته مع الشاعر، لم ينشر بعد.
- "لغة الشعر العربي الحديث، مقوماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية"، م س، ص 70.
- ينظر ميشال بوتور، "بحوث في الرواية الجديدة"، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط 2، 1971م، ص 14.
- نص الحوار: "بوعلام دخيسي: الشاعر الذي يشبه ظله"، م س.
- "لغة الشعر العربي الحديث.."، م س، ص 70.
- ليس ضروريا أن نجعلها تقول ما لم تتعلم أن تقوله، ولا أن يصبح الشعر ثورة على اللغة، كما يقول أدونيس. انظر: "مقدمة للشعر العربي"، م س، ص 125 - 126.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 66.
- عبد السلام المسدي، "النقد والحداثة"، دار الطليعة بيروت، 1983م، ص 13- 14.
- "الحداثة"، نقلا عن: "الحداثة بين الفكر الغربي والفكر العربي: انقطاع أو اتصال؟ الأدب نموذجا"، م س، ص 110.
- "الحرف الثامن"، م س، ص 76.























عمـر قلعـي[ - باحث، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، جهة الرباط سلا القنيطرة.]

- كتبت هذه الورقة النقدية في مارس 2018م، وقد شملت الدواوين الثلاثة الأولى: "هديل السحر"، و"الحرف الثامن"، و"كي أشبه ظلي".]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...