عبدالرحيم التدلاوي - العنوان: دلالات الرموز في الديوان.

في ديوان "سنتذكر ونندم"، يفتح جمال الموساوي كوةً على الذات وهي تتقلّب في سراديب الذاكرة، تائهة بين فتنة الحب ومرارة الفقد، بين توهّج الحياة وغموض المصير. ليست قصائد الديوان مقطوعات تأملية فحسب، بل هي أشبه بندوبٍ تنزف بلغة خافتة، بصور تنسلّ من عمقٍ داخلي غير قابل للترميم، حيث يُستبدل الإفصاح بالتماس، والانفعال بالانصهار الصامت في تفاصيل الوجود.
يشتغل النص الشعري عند الموساوي على توترات خفية بين العابر والمقيم، بين ما يُقال وما يختبئ في فراغ البياض، لتتشكل القصائد كمساحات استبطانية تُصغي للأثر أكثر مما تُعلي الصوت. هنا لا يُحتفى بالحب كحالةٍ خالصة، بل يُطارد في تشظّيه، في غيابه، في تحوّله من وهجٍ إلى ندمٍ، ومن حضورٍ إلى ذكرى تتأرجح على حافة السهو. فالذاكرة لا تعود كمجرد استرجاع، بل كقوة فاعلة تهدم وتبني، تستدرج الزمن وتعيد تشكيله في قلب اللحظة.
يتحول الزمن بدوره إلى مادةٍ تأملية، تعبر عن شرخٍ داخلي يتسع كلما حاول الشاعر ملامسته. الزمن ليس شيئًا يحدث، بل شيئًا يترك أثره في الداخل: سقوطًا، تآكلًا، انطفاءً. من هنا تتصاعد أسئلة الوجود الكبرى، لا كخطاب فلسفي مباشر، بل كتنهيدة شعرية تشي بانكسارات الكائن أمام لامعنى العالم.
وحين يحضر الليل، فإنه لا يأتي كإطار زمني فحسب، بل ككائن شعري، كصديقٍ خافت اللهجة، يحتضن اللغة حين تضيق العبارة عن الإفضاء. يمثل الليل هنا ساحة للبوح، مرآة للخراب، فضاء للانمحاء والتخلق من جديد.
أما الصور الشعرية فتغدو لغةً موازية، فهي وسيلة لفكّ التشفيرات العاطفية والوجودية التي يحفل بها النص. يستخدم الشاعر رموزًا تتكرر كأنها مفاتيح لفهم ذاته: النار كعاطفةٍ متأججة أو كألمٍ طاهر، الشجرة كحضورٍ مكثف للحياة والعزلة في آن، البحر كهاوية عاطفية لا قرار لها، الغياب كظلٍ مقيم، لا يفارق النص ولا يسمح له بالاكتمال.
وما يميز هذه الرموز أنها لا تستقر في معنى واحد، بل تتقلب وفق السياق، تنزاح بين الحب والفقد، بين الحنين والخوف، بين التجدد والاندثار. هكذا تتكثف التجربة الشعرية في انزياحاتها، في ترددها، في ذلك التواطؤ الجميل بين اللغة والفراغ، بين ما يُقال وما لا يُحتمل قوله.
لا يقدم جمال الموساوي في هذا العمل إجابات، بل ينصب مرآةً مضبّبة أمام القارئ، يدعوه فيها إلى أن يرى شروخه الخاصة من خلال شروخ النص، أن يسمع صدى صمته، أن يمشي إلى جوار الشعر في ممرٍّ ضيقٍ يقود إلى العزلة، لا إلى اليقين.
فهنا، لا شيء يُغلق، لا شيء يُقال على نحوٍ نهائي، كل ما يحدث أنّ الشاعر يضع أمامنا هذا الديوان كندبةٍ مفتوحة، كندمٍ جميل نتذكّره ليظل يحترق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...