عبدالرحيم التدلاوي - مضامين مجموعة الق المدافن وجماليتها.

من خارج المجموعة:
بداءة: عتبة الغلاف:
يُقدم لنا غلاف مجموعة "ألق المدافن" لـ رشيد شباري مفتاحًا بصريًا وفلسفيًا لمضمونها. يُبرز العنوان في المنتصف تباينًا لافتًا بين "الألق" (النور والجمال) و"المدافن" (الموت والفناء)، ليُشكل هذا التناقض دعوة للتفكير في الجمال الخفي حتى في أصعب جوانب الحياة، مُمهدًا لرحلة أدبية تتنقل بين النور والظلام وتستكشف تناقضات الإنسان.
المقبرة والشجرة: رموز الحياة والموت
تُسيطر على الغلاف صورة مقبرة تقليدية بقبورها البيضاء المتراصة تحت ظلال شجرة عتيقة. تُجسد هذه الصورة "المدافن" وتُلمح إلى "الألق" بفضل بياض القبور الذي يُوازن بين الموت والجمال. تتوسط الشجرة بأغصانها المتشابكة المشهد، لتكون رمزًا للحياة والاستمرارية، وتُضفي لمسة من الحزن الجميل الذي يتناسب مع طبيعة القصة القصيرة وقدرتها على التقاط اللحظات الإنسانية المؤثرة، موحدةً بين الحياة والموت، النور والظلام.



تناغم الألوان والتكوين: عمق بصري وفني
يتجلى التوازن البصري في تناغم العنوان والصورة، وتُعكس المعالجة اللونية الهادئة (الأبيض، الرمادي، البني الترابي) التوازن بين الحزن والجمال، مُضفيةً جوًا شعريًا مناسبًا للقصص. تعزز الألوان الطبيعية الإحساس بالأصالة، بينما يُضفي التدرج اللوني الناعم عمقًا بصريًا يُثري تجربة القارئ ويُهيئه لقصص غير تقليدية. ظهور اسم الكاتب بخط أصغر من العنوان يُشير إلى تركيزه على المحتوى الأدبي وقوة السرد، مما يعكس نهجًا أصيلًا. في الختام، غلاف المجموعة هو عمل فني متكامل يُجسد التفاعل بين الفن والأدب، مُهيئًا القارئ لرحلة قصصية عميقة تتناول الحياة والموت بمنظور جمالي وإنساني وفلسفي.

في الما بين بين:
تُقدم المجموعة إلى القارئ استراتيجية تلقٍ مبتكرة من خلال صفحة "الإرشادات" التي تسبق النصوص، لتحول القراءة من مجرد فعل سلبي إلى تفاعل واعٍ ومسؤول. هذه الإرشادات، بصيغتها التي تحاكي لغة الطب والصيدلة وتُقدّم النصوص كـ"أقراص" ذات "آثار جانبية"، تُضفي على التجربة الأدبية بُعداً علاجياً وتطهيرياً، وتُحرّر الكاتب من المسؤولية الأخلاقية عن التأثيرات النفسية، بينما تُشرك القارئ في قراره بوعي تام. يحمل هذا التناقض الأسلوبي في طياته إغراءً للقارئ بالاستمرار، مُجسّداً الطبيعة المزدوجة للأدب كمتعة وألم. توجّهها المباشر للقارئ العشوائي يُشير إلى وعي الكاتب بأنماط التلقي المختلفة، مُضفياً على العمل طابعاً ميتانصياً يتأمل في آليات القراءة ذاتها.
تُشكل عناوين القصص داخل المجموعة خريطة دلالية متكاملة تُوجّه القارئ. نجد الحقل الدلالي الديني والروحي في عناوين مثل "الفاتحة" و"طيور الجنة"، التي تحيل إلى المرجعية الدينية ورمزية البدايات والخلاص. أما الحقل الدلالي الوجودي والفلسفي فيتجسد في عناوين مثل "البين بين"، و"البعد السالب"، و"الكائن الممغنط"، لتعكس الحيرة الوجودية والقلق الفلسفي. تتناول العناوين أيضاً الحقل الدلالي الحسي والجسدي من خلال "الكف"، و"وجدان غيمة"، و"إجهاض"، مركزة على الجسد والحواس. وأخيراً، يُبرز الحقل الدلالي الاجتماعي والثقافي في "ضيوف"، و"جون جنيه في لبنان"، و"كوريدا"، مُحيلةً إلى السياقات الاجتماعية والثقافية المتنوعة.
تتناغم عناوين القصص هذه دلالياً مع العنوان الأكبر "ألق المدافن"، حيث تُجسّد التضاد بين الألق والموت، فـ"الفاتحة" و"طيور الجنة" تُمثل جانب "الألق" الروحي، بينما "إجهاض" و"أعز ما يُسلب" تُشير إلى "المدافن" والفقدان. العناوين الوسطية مثل "البين بين" و"زوم" تُجسّد المنطقة الرمادية، مُثريةً النسيج الدلالي للمجموعة. تُشكل "الإرشادات" مفتاحاً تأويلياً للعناوين، مُضفيةً عليها بُعداً تشويقياً إضافياً من خلال التحذير من آثارها المحتملة، ومُحوّلةً إياها إلى دعوات للمغامرة أو تحذيرات، مما يُغيّر من طبيعة التوقع القرائي ويُعمّق من التجربة التفاعلية. في المحصلة، يُظهر رشيد شباري في هذه المجموعة استراتيجية تلقٍ مُحكمة تُحوّل القارئ إلى شريك فعال في التجربة الأدبية، عبر خريطة دلالية متكاملة تُهيئه لرحلة تتأرجح بين الألق والظلام، الجمال والألم، الكشف والإخفاء، مما يعكس نضج رؤيته الفنية ووعيه بآليات التلقي، ويُضفي على المجموعة طابعاً متفرداً في المشهد الأدبي المعاصر.
في قلب المجموعة:
تتجلى فرادة رشيد شباري من خلال تحليلنا لقصصه في نسج عوالم سردية مكثفة وغنية، تتداخل فيها مستويات الواقعي بالرمزي، وتبرز قدرته الفائقة على استكشاف أعماق النفس البشرية وصراعاتها الوجودية. من خلال قصتي "كوريدا" و"الفاتحة"، نلحظ بصمته الواضحة في الجمع بين العمق القضوي والفني وبلاغة القول، ليصوغ نصوصاً لا تُقرأ بل تُعاش وتُتأمل.
الجانب القصصي: جدلية الوجود والصراع الداخلي
تُشكل قصص شباري، كما يظهر في "كوريدا" و"الفاتحة" و"أعز ا يسلب" وغيرها، رحلة استبطانية عميقة داخل الذات الإنسانية. في "كوريدا"، يُصوّر الكاتب صراعاً داخلياً مريراً، تتجسد فيه النفس البشرية كـ "حلبة" لمصارعة "وحوش" الغرائز والتحديات. الراوي يبدأ كـ "أبو محايد"، مراقباً لهذا الصراع من "العين البرانية"، لكن سرعان ما ينخرط فيه قسراً، ليجد أن "وحوشه" هي التي تفتك به. هذا الانتقال من المراقبة إلى المشاركة القسرية، يبرز عجز الإنسان أحياناً عن السيطرة على دواخله أو مواجهة أقدارها. القلب، بـ "عينه الواحدة"، يصبح حكماً متناقضاً "يصفق للغالب ويحتقر المغلوب"، مما يعكس ازدواجية النفس. تتضح العقدة في غياب السيطرة الذاتية، حيث يصبح القلب "مالكاً بلا رصيد" على مملكة الراوي. أما في "الفاتحة"، فيمتد الصراع ليشمل جدلية الإيمان والشك، والبحث عن الحقيقة في مواجهة الأوهام. الراوي يبدأ بـ "زعم" الرحيل إلى الجنة، بينما كيان آخر داخله يسخر من هذا اليقين، ويشير إلى عبثية الوجود وسيطرة الصدفة. هذه الجدلية لا تقتصر على الذات الفردية، بل تتسع لتشمل فشل الأيديولوجيات الكبرى، مما يجعل القصة ذات أبعاد فلسفية أعمق. كلا القصتين تنتهيان بنوع من الاستسلام أو التسليم للقدر، حيث تظل الأسئلة الوجودية معلقة، مما يعكس عمق التجربة الإنسانية المركبة.

أما قصة "أعز ما يُسلب" فترتكزعلى بنية حلمية ثنائية الأقطاب؛ قسمٌ يُجسد الفرح وآخرٌ يُجسد الحزن. فبينما يمنح القسم الأول النفسَ متعةً غامرةً وإحساسًا بالتحقق، يغمرها القسم الثاني بألمٍ عميقٍ ويأسٍ قاتل. يتشكل هذا القطب الحزين أساسًا من سلسلة خيباتٍ متراكمة عاشها السارد/البطل، تتناقض بشدة مع ومضات النجاح المتلألئة في حياته، وعلى رأسها النجاح الدراسي الباهر الذي حمله إلى قمم المجد والاعتراف الاجتماعي ("عليين"). غير أن هذه الذروة لم تدم طويلاً، إذ جاءت صدمة الاختطاف والتعذيب كزلزالٍ مدمرٍ لتهوي به من عليائه إلى حضيض واقعٍ مأساوي "مزري"، محولةً انتصاره إلى هزيمةٍ ساحقةٍ ومسحقةٍ لكرامته.

في مشاهد الفرح (خاصةً تلك المرتبطة بالتفوق الدراسي)، تشعر الشخصية بأنها تُتوج وتُحقق ذروة آمالها، إلا أن هذا الشعور المؤقت سرعان ما يتحطم على صخرة الواقع المرير. هذه المفارقة القاسية بين حلم التتويج واستيقاظ المرارة تدفع بالسارد، في ذروة سقوطه، إلى محاولة التشبث ببقية أمل عبر خطابٍ مباشرٍ موجَّهٍ إلى القارئ. يناشده أن "يتوّجه" (أي يتوّج الساردَ نفسه) على "عرش الكتابة". هذا النداء اليائس ليس مجرد تعبير عن ألم، بل يشكل القفلة المحورية للنص التي تُعيد تشكيل قراءتنا بأكملها.

فبعد هذه الدعوة المؤثرة، يُعاد استكشاف العنوان ("أعز ما يُسلب") في ضوء هذه الرحلة العاطفية والفكرية المضطربة. فما الذي هو "أعز" حقًا؟ أهو النجاح الدراسي والمركز الاجتماعي؟ أم هو الكرامة والإنسانية التي سُلبت بالتعذيب؟ أم هو حلم الكتابة نفسه الذي أصبح الملاذ الأخير؟ تتكشف عندئذٍ خيوط المعنى الدفينة في العنوان وتتجلى أبعاده المأساوية: فـ"العزيز" قابلٌ للسلب دائمًا، وأعز ما نملك – كرامتنا، أحلامنا، ذواتنا – هو الأكثر عرضةً للانتهاك. وهكذا يتحول العنوان من مجرد إشارة إلى خسارة، إلى تجلٍّ كاملٍ لمسار القصة وخلاصتها: صعودٌ على أجنحة النجاح، ثم سقوط مروّعٌ بسلب الكرامة، وانتهاء بمحاولة يائسة لاستعادة الذات عبر الكلمة المكتوبة."
جنائزية المجموعة:
ليس الموت ما يثير الرهبة في "ألق المدافن"، بل الطريقة التي يُقدَّم بها، كأنه زينة تُعرض في واجهة الزمن، وكأننا نغنّي له لا عنه. لا يبدو هنا حفرةً في الأرض، بل مرايا معلّقة على جدران الروح. في بداياته يظهر كأنه وعد بالخلاص، نوم هادئ لمن أثقلته اليقظة، أو همس ناعم لمن أنهكه الصراخ. حين يقول الراوي "ما أحلى الموت"، لا يمدحه بقدر ما يكشف عن تعب الحياة. الألق الذي يغلف به الموت ليس إلا سرابًا يلمع وسط صحراء من الإنهاك. الصمت في هذه الجملة لا يغيب، بل يتربص خلفها، حادًا، لامعًا كخنجر في صدر السكون.
وهذا الصمت ذاته يتكثف في صورة الغريب، الذي يزحف إلينا دون أن يُعلن حضوره، ويتسلّق صفاتنا دون أن ينالها. لا يُعرّف كدخيل فقط، بل ككائن شبحي، يتخلل الأوصاف والمفاهيم، يندسّ في اللغة، يسرق تخطيط الواقع دون أن يكون جزءًا منه حقًا. هو الموت في هيئته الرمزية: لا يكتفي بالحضور، بل يحتلّ مكان الرغبة، يشكّل تهديدًا صامتًا لا بكونه مفاجئًا، بل بقدرته على التكيّف مع الإيقاع اليومي، تمامًا كما تفعل الألفاظ المنمقة وهي تخفي الخواء خلفها.
ومع أخبار اليوم، تنكشف قسوة العادة. لم يعد الموت مفاجئًا، بل صار جزءًا من الإيقاع اليومي. يتكرر في النشرات، في العيون، في الأحاديث، حتى غدا مشهدًا عاديًا يُروى كما تُروى الطرائف. تُلقى التعازي كما يُلقى السلام، والكلمات تلمع بلا دفء، بلا عزاء، بلا أثر. كل ما يحيط بالموت في هذا السياق يبدو كالورق الذهبي على تابوتٍ رخيص؛ واجهة براقة لفراغٍ داخلي.
في لحظة داخلية من الانكسار، يظهر القمر الاصطناعي، لا كإنجاز حضاري، بل كعين جامدة تراقب التدهور. لم يعد التقدّم صعودًا، بل سقوطًا مختلفًا، سقوطًا هادئًا، مضاءً، مبتسمًا. البشرية تتقدّم نحو الهلاك وكأنها تشارك في عرض جنائزي فاخر. ما يفرحنا لم يعد النجاة، بل الأداء: أن نموت بأناقة، أن نحترق ونحن نتلألأ.
هكذا يتسلل الموت من داخلنا، لا كعدو، بل كظلالٍ ممتدة. لا يتجسد في هيئة واضحة، بل ينساب عبر صفاتنا، رغباتنا، لغتنا. إنه يشبه قناعًا يتخذ من ملامحنا هيئة له، دون أن ينتمي لنا. وهو لا يهددنا بصراخٍ أو طغيان، بل بكونه حياديًا، أليفًا، مألوفًا... وهذا ما يجعله أكثر رعبًا.
عند الحديث عن السلطة، تتبدّل المواقع. لا يعود الأعمى ضحية، بل هو من يصدر الأوامر. حضوره يلمع كلما غاب البصر. الطاعة، الغرق، الرصاص، تُعرض كخيارات، لكنها جميعًا تقود إلى ذات المصير. حين يقرّر مصيرك من لا يراك، لا فرق بين الجسر والرصاص.
الصمت لا يُعلن عن نفسه، بل يتكثف في الفجوات. في هذا النص لا نقرأ عن الموت بقدر ما نُحاصر به. كل شيء يلمع، لكن اللمعان كاذب، موهوم، لا يضيء بل يعمي. ما يبدو ألقًا ليس إلا غشاوة، قناعًا يخفي الفناء ويجعله مشهدًا يعجب من يشاهده.
وما يخيفنا ليس الموت في ذاته، بل مدى تشابهه معنا. أنه يشبهنا حتى نكاد نرحّب به، نخافه لأننا نعرفه في دواخلنا. الموت إذًا ليس ما نخشاه، بل هو ما نغويه. هو ذلك الآخر الذي يشبهنا، ويزحف إلينا متسلقًا صفاتنا دون أن ينالها، كأنه انعكاسنا في مرآة مشروخة، أو ظلّ لغدٍ كُتب سلفًا دون أن نقرأه.

الجانب الفني: براعة التصوير وتكثيف الرمز
يتميز أسلوب شباري الفني بـ طاقة تخييلية عالية تتجاوز حدود التوصيف لتبني عوالم رمزية مستقلة. في "كوريدا"، يبرع في استخدام التشخيص، محولاً الأجزاء الجسدية والعناصر المجردة إلى كائنات فاعلة: "صماماته تصفق"، و"الخلاء القاني الموغل في دواخلي"، و"فوهة بركان يتقيأ الحمم". هذه التجسيدات تُحيي العالم الداخلي للراوي وتلغي الحواجز بين المادي والمعنوي. كما يوظف الرمز ببراعة، حيث تمثل "كوريدا" الصراع الوجودي، و"الوحوش" الغرائز، و"القيثارة الأندلسية" تاريخاً من الصراع من أجل الوجود. أما في "الفاتحة"، فيعتمد الكاتب على تداخل الأصوات والمستويات السردية من خلال الحوار الداخلي المكثف، مما يضفي على النص طابعاً تجريبياً ويعكس التعقيد النفسي للشخصية. الصور البلاغية مكثفة، فـ "الأرواح تتراقص مثل شرارة من سراج جفّت زينته" لا يصف الذبول فحسب، بل يفتحه على تأويلات وجودية تتعلق بالزمن والكينونة. كلا النصين يتميزان بـ لغة حسية مشحونة تُشرك القارئ في التجربة مباشرة، وبتقنيات سردية مبتكرة تكسر حواجز الواقعية، مما يمنح النصوص بعداً فنتازياً فلسفياً. الأوصاف تتشكل "بريشة فنان يعرف كيف يصنع المتفرد من المألوف، ويمنح الصورة البدوية جناحين من خيال، فتصير قادرة على التحليق، لا في فضاء بادية الشاوية، بل في سماء الدهشة".
بلاغة القول: إتقان اللغة وسحر العبارة
تُعد لغة رشيد شباري في هذه القصص سمة مميزة، فهي لغة ذات تكثيف عالٍ وبلاغة لافتة. كل كلمة مختارة بعناية لتخدم دلالات متعددة، مما يجعل النصوص غنية بالمعنى. في "كوريدا"، تتجلى الاستعارة الكبرى والمتواصلة التي تُبنى عليها معظم صور النص، بالإضافة إلى التعبيرات الجريئة والمدهشة التي تكسر المألوف، مثل "الدم المتوردة والمتورطة هي الأخرى في لعبة الشماتة". كما يبرز توظيف المفارقة في علاقة الراوي بقلبه، مما يعمق من الحس الدرامي. وفي "الفاتحة"، يتميز النص بـ اللغة الشعرية المكثفة والتضاد والمفارقة اللفظية، مثل "خشونة ناعمة"، والتي تولد معاني أعمق. الصوت الساخر واللاذع هو أداة بلاغية أساسية، خاصة في صوت الكيان الآخر الذي يسفه آمال الراوي، ويكشف عن عبثية الوجود بمرارة. الاستفهام الإنكاري والتعجبي يحمل أبعاداً وجودية، ويعكس حيرة الإنسان أمام ذاته. تكرار بعض الألفاظ يعزز من الإحساس بالمعاناة أو الدهشة. هذا التنوع في الأدوات البلاغية، من الاستعارة والتشخيص إلى المفارقة والسخرية، يُضفي على نصوص شباري سحراً خاصاً يجعل القراءة تجربة تحليق، حيث يصبح القارئ لا مجرد متلقٍ بل كائنًا يتأمل أثر الخيال على الوجود.
خصائص المجموعة القصصية:
بناءً على التحليلات السابقة، يمكن استخلاص عدة خصائص تُميز المجموعة القصصية لـ رشيد شباري:
تتميز المجموعة القصصية لـ رشيد شباري بعمقها الفلسفي والوجودي، حيث تتجاوز السرد المباشر لتطرح أسئلة جوهرية حول الوجود، الإيمان، الشك، الحياة، الموت، والسيطرة الذاتية، دافعةً القارئ للانخراط في تأملات عميقة حول طبيعة الكينونة البشرية. يبرع الكاتب في استخدام الرمزية المكثفة، خالقًا عوالم متعددة الطبقات حيث تتجاوز الكلمات مجرد وصف الواقع لتشير إلى دلالات أعمق وأكثر تجريدًا. ويتميز أسلوب شباري الفني بالابتكار، إذ يمزج بفرادة بين السرد الداخلي، التشخيص المبالغ فيه، والمفارقات اللفظية، مما يُنتج نصوصًا غير تقليدية ومثيرة للانتباه. وتُعد لغته سمة بارزة بفضل طابعها الشعري وبلاغتها العالية، فهي غنية بالاستعارات والتشبيهات البليغة، وذات إيقاع خاص يجعل القراءة تجربة حسية وجمالية فريدة. ورغم الطابع الفلسفي للقصص، إلا أنها ترتبط بعمق بالواقع المحلي والتاريخي، فمصادر إلهامها من البيئة المغربية والتاريخ الثقافي تمنحها أصالة وعمقًا. وتعبر القصص عن أصالة الذات، فلا تنتهي عند فصلها الأخير، بل تفتح أبوابًا لأسئلة جديدة، تعيد القارئ إلى نقطة البداية، لا بحثًا عن نهاية، بل عن سرّ ذلك الخط السردي الفريد، المختلف، اللذيذ، الذي يجمع ببراعة بين حكمة االإنسان المغربي المستقاة من تجربته الوجودية ، وبراعة الرسام في تشكيل الصور الخيالية من المألوف، ودهشة المتصوف في البحث عن المعنى والارتباط بالكون والذات بشكل روحي عميق.
في الختام، تُعد قصص رشيد شباري تجربة أدبية غنية ومعقدة، تُجسّد قدرة المؤلف على الغوص في أعماق النفس الإنسانية وتقديمها بأسلوب فني فريد، يجمع بين الأصالة والبلاغة وعمق التأمل الفلسفي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...