عنوان هذه المقالة هو الآية رقم 60 من سورة الأنفال التي نصُّها الكامل هو : "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ" (الأنفال، 60).
أولاً، ما أثار انتباهي، في هذه الآية الكريمة، هو أن كلامَ الله، سبحانه وتعالى، مُوجَّهٌ للمسلمين الذين كانوا يُجاهِدون في سبيل الله، أي في سبيل نشر رسالة الإسلام التي أرادها الله لجميع الناس.. والمسلمون لا يزالوا موجودين في جميع أنحاء العالم ولا يزالوا يُحاهدون في سبيل الله. والجهاد في سبيل الله، بالنسبة لعصرنا الحاضر وحسب ما وَرَدَ في القرآن الكريم، هو أن بنعَمَ الناسُ بما أراده الله، عزَّ وجلَّ، من خيرٍ للبلاد والعباد. أي إذا أردنا أن ينعَمَ الناس، فُرادَى وجماعات، بما أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرٍ للبلاد والعباد، فالجِهادُ في سبيل الله يجب أن يكونَ سِلميا وجماعيا.
والجهاد في سبيل الله، في عهد الرسول (ص) وبعد وفاتِه، أدركَه علماءُ وفقهاءُ الدين أنه، من واجبهم أن ينشروا رسالةَ الإسلام باستعمال قوة السلاح أو بشنِّ الحروب على الغير أو بالقيام بغزوِ البلدان غير المسلِمة. أما بالنسبة لعصرنا الحاضر، فكل عملٍ يقوم به شخصٌ من الأشخاص ويندرج فيما أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرٍ للبلاد والعباد، فهو جهادٌ في سبيل الله. وبعبارةٍ أخرى، كل عملٍ يقوم به جميع الناس، وفيه خيرٌ للبلاد والعباد، فهو جهاد في سبيل الله. الأستاذ، عندما ينشر المعرفةَ، فإن هذه الأخيرة تعود بالنَّفع على البلاد والعباد. وهذا خيرٌ وهو جهادٌ في سبيل الله. والطبيبُ، عندما يعالج الأمراضَ، فإن علاجَه يعود بالنفع على البلاد والعباد. وهذا خير وجهاد في سبيل الله. والمهندِس، عندما يُشيِّد السدودَ والطُّرق، وبصفة عامة، عندما يُشيِّد البنيات التَّحتية، فإن تشييدَه هذا يعود بالنفع على البلاد والعباد. وهذا خيرٌ وجهاد في سبيل الله. وهكذا…
ثانيا، ما أثار انتباهي، كذلك، في هذه الآية الكريمة، هو جزءُها الأول الذي قال فيه، سبحانه وتعالى : "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ…". في عصرنا الحاضر، قوَّة البلدان لم تعد مُقتصِرةً، فقط وحصرياً، على الجيوش ومختلف الأسلِحة الفتاكة. البلدان، اليوم، يمكن أن تستمدَّ قوَّتَها من الاقتصاد، من العلم، من التكنولوجيا، من نوعِية وجودة الخدمات التي تُقدِّمها للمواطنين…
ثالثا، وحتى لو افترضنا أن الجزءَ الأول من الآية التي هي عنوانُ هذه المقالة، يُشير إلى نشر رسالة الإسلام بالسِّلاح، فكلمةُ "قوة" تشمل كل الأسلِحة التي تمكَّن العقلُ البشري من أختراعِها، منذ وفاة آلرسول (ص) إلى يومنا هذا. ويدخل في ذلك القنبلة النووِية la bombe atomique ومختلف الأسلحة الذكية les armes intelligentes التي تؤدي مهامَها عن بُعد وبمساعدة الذكاء الاصطناعي.
لكن ما يُثِير الانتباهَ أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد لا نوعَ ولا مستوى ال"قوة"، وتركها مفتوحةً لتصلُحَ هذه الآيةُ لكل زمان ومكان، أي لتسايِرَ كلَّ ما يطرأ من تطوُّرأت لا في الفكر البشري ولا في المجتمعات. وهذه ميزةٌ من مُميِّزات القرآن الكريم الذي توجد في كثيرٍ من آياته أسماءُ عامة des noms génériques التي هي عبارة عن كلمات يدخل في نطاقها كثيرٌ من الأشياء التي لها خاصياتّ مُشتركة des propriétés partagées، علما أن كل الأشياء التي تدخل في نِطاق الكلمة العامة، لها مُسمَّياتٌ خاصة بها ont des noms spécifiques. مثلا، "فاكهة" اسمٌ عام يدخل فيه كلُّ أنواع الفواكه التي يعرفها الإنسان أو سيكتشفُها مستقبلا أو سييحدِثها بواسطة عقله. و"فاكهة" اسمٌ عام ورد في آيات من القرآن الكريم. ونفس الشيءِ نلاحِظه بالنسبة لكلمات عامة أخرى وَرَدَت، هي الأخرى، في القرآن الكريم ك"نخل" و"نحل" و"نبات" و"نمل" و"شجر"... ولا داعِيَ للقولِ أن أنواعَ النخل والنحل والنبات والنمل والشجر كثيرة. منها ما اكتشفه ودرسه الأنسانُ في الماضي، ومنها ما تعرَّف عليه في الحاضر، ومنها ما سيتغرَّف عليه في المستقبل.
وفي الختام ورجوعاً إلى عنوان هذه المقالة، سواء كانت القوة، ككلِمةٍ عامة واردةٍ في الآية رقم 60 من سورة الأنفال، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، علمية، تكنولوجية أو حتى عسكرية، فعدمُ الإشارة إلى تحديد هذه القوة، نوعا وحِدَّةً، هو بمثابة تَركِها مفتوحةً ليُدرِكَها الناسُ حسب ما تقتضيه ظروفُ الواقع الذي يعيشون فيه أو حسب ظروف الزمان والمكان اللذَين يعيشون فيهما. غير أن علماءَ وفقهاءَ الدين، القدامى والحاليين، جمَّدوا هذه الآية وجعلوا من القوة قوةَ السيف ومن الحهاد حرباً أو حروباً سيمتُها الأساسية هي الاعتداء على الغير، علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول العكسَ، على الأقل في الآيتين المواليتين :
1."وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة، 190).
2."ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل، 125).
في الآية الأولى، الله، سبحانه وتعالى، يأمر المسلمين بالقتال، لكن في حالة الدفاع عن النفس. في الآية الثانية، كلام الله، عزَّ وجلَّ، موجَّه للرسول (ص) داعياً إياه أن ينشرَ رسالةَ الإسلام دون أن يستعمِلَ العنفَ أو قوةَ السلاح. بل دعاه أن يقولَ للناس كلاماً طيباً فيه الحكمة والموعِظة الحسنة.. بل طالب منه أن يفتح حِوارا مع الكفار والمشركين. حوارٌ مبنيٌّ، هو الآخر، على اللياقةِ la décence واللباقة la bienséance، أي دون أن يجرحَ العواطف ويمُسَّ الكرامة.
أولاً، ما أثار انتباهي، في هذه الآية الكريمة، هو أن كلامَ الله، سبحانه وتعالى، مُوجَّهٌ للمسلمين الذين كانوا يُجاهِدون في سبيل الله، أي في سبيل نشر رسالة الإسلام التي أرادها الله لجميع الناس.. والمسلمون لا يزالوا موجودين في جميع أنحاء العالم ولا يزالوا يُحاهدون في سبيل الله. والجهاد في سبيل الله، بالنسبة لعصرنا الحاضر وحسب ما وَرَدَ في القرآن الكريم، هو أن بنعَمَ الناسُ بما أراده الله، عزَّ وجلَّ، من خيرٍ للبلاد والعباد. أي إذا أردنا أن ينعَمَ الناس، فُرادَى وجماعات، بما أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرٍ للبلاد والعباد، فالجِهادُ في سبيل الله يجب أن يكونَ سِلميا وجماعيا.
والجهاد في سبيل الله، في عهد الرسول (ص) وبعد وفاتِه، أدركَه علماءُ وفقهاءُ الدين أنه، من واجبهم أن ينشروا رسالةَ الإسلام باستعمال قوة السلاح أو بشنِّ الحروب على الغير أو بالقيام بغزوِ البلدان غير المسلِمة. أما بالنسبة لعصرنا الحاضر، فكل عملٍ يقوم به شخصٌ من الأشخاص ويندرج فيما أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرٍ للبلاد والعباد، فهو جهادٌ في سبيل الله. وبعبارةٍ أخرى، كل عملٍ يقوم به جميع الناس، وفيه خيرٌ للبلاد والعباد، فهو جهاد في سبيل الله. الأستاذ، عندما ينشر المعرفةَ، فإن هذه الأخيرة تعود بالنَّفع على البلاد والعباد. وهذا خيرٌ وهو جهادٌ في سبيل الله. والطبيبُ، عندما يعالج الأمراضَ، فإن علاجَه يعود بالنفع على البلاد والعباد. وهذا خير وجهاد في سبيل الله. والمهندِس، عندما يُشيِّد السدودَ والطُّرق، وبصفة عامة، عندما يُشيِّد البنيات التَّحتية، فإن تشييدَه هذا يعود بالنفع على البلاد والعباد. وهذا خيرٌ وجهاد في سبيل الله. وهكذا…
ثانيا، ما أثار انتباهي، كذلك، في هذه الآية الكريمة، هو جزءُها الأول الذي قال فيه، سبحانه وتعالى : "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ…". في عصرنا الحاضر، قوَّة البلدان لم تعد مُقتصِرةً، فقط وحصرياً، على الجيوش ومختلف الأسلِحة الفتاكة. البلدان، اليوم، يمكن أن تستمدَّ قوَّتَها من الاقتصاد، من العلم، من التكنولوجيا، من نوعِية وجودة الخدمات التي تُقدِّمها للمواطنين…
ثالثا، وحتى لو افترضنا أن الجزءَ الأول من الآية التي هي عنوانُ هذه المقالة، يُشير إلى نشر رسالة الإسلام بالسِّلاح، فكلمةُ "قوة" تشمل كل الأسلِحة التي تمكَّن العقلُ البشري من أختراعِها، منذ وفاة آلرسول (ص) إلى يومنا هذا. ويدخل في ذلك القنبلة النووِية la bombe atomique ومختلف الأسلحة الذكية les armes intelligentes التي تؤدي مهامَها عن بُعد وبمساعدة الذكاء الاصطناعي.
لكن ما يُثِير الانتباهَ أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد لا نوعَ ولا مستوى ال"قوة"، وتركها مفتوحةً لتصلُحَ هذه الآيةُ لكل زمان ومكان، أي لتسايِرَ كلَّ ما يطرأ من تطوُّرأت لا في الفكر البشري ولا في المجتمعات. وهذه ميزةٌ من مُميِّزات القرآن الكريم الذي توجد في كثيرٍ من آياته أسماءُ عامة des noms génériques التي هي عبارة عن كلمات يدخل في نطاقها كثيرٌ من الأشياء التي لها خاصياتّ مُشتركة des propriétés partagées، علما أن كل الأشياء التي تدخل في نِطاق الكلمة العامة، لها مُسمَّياتٌ خاصة بها ont des noms spécifiques. مثلا، "فاكهة" اسمٌ عام يدخل فيه كلُّ أنواع الفواكه التي يعرفها الإنسان أو سيكتشفُها مستقبلا أو سييحدِثها بواسطة عقله. و"فاكهة" اسمٌ عام ورد في آيات من القرآن الكريم. ونفس الشيءِ نلاحِظه بالنسبة لكلمات عامة أخرى وَرَدَت، هي الأخرى، في القرآن الكريم ك"نخل" و"نحل" و"نبات" و"نمل" و"شجر"... ولا داعِيَ للقولِ أن أنواعَ النخل والنحل والنبات والنمل والشجر كثيرة. منها ما اكتشفه ودرسه الأنسانُ في الماضي، ومنها ما تعرَّف عليه في الحاضر، ومنها ما سيتغرَّف عليه في المستقبل.
وفي الختام ورجوعاً إلى عنوان هذه المقالة، سواء كانت القوة، ككلِمةٍ عامة واردةٍ في الآية رقم 60 من سورة الأنفال، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، علمية، تكنولوجية أو حتى عسكرية، فعدمُ الإشارة إلى تحديد هذه القوة، نوعا وحِدَّةً، هو بمثابة تَركِها مفتوحةً ليُدرِكَها الناسُ حسب ما تقتضيه ظروفُ الواقع الذي يعيشون فيه أو حسب ظروف الزمان والمكان اللذَين يعيشون فيهما. غير أن علماءَ وفقهاءَ الدين، القدامى والحاليين، جمَّدوا هذه الآية وجعلوا من القوة قوةَ السيف ومن الحهاد حرباً أو حروباً سيمتُها الأساسية هي الاعتداء على الغير، علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول العكسَ، على الأقل في الآيتين المواليتين :
1."وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة، 190).
2."ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل، 125).
في الآية الأولى، الله، سبحانه وتعالى، يأمر المسلمين بالقتال، لكن في حالة الدفاع عن النفس. في الآية الثانية، كلام الله، عزَّ وجلَّ، موجَّه للرسول (ص) داعياً إياه أن ينشرَ رسالةَ الإسلام دون أن يستعمِلَ العنفَ أو قوةَ السلاح. بل دعاه أن يقولَ للناس كلاماً طيباً فيه الحكمة والموعِظة الحسنة.. بل طالب منه أن يفتح حِوارا مع الكفار والمشركين. حوارٌ مبنيٌّ، هو الآخر، على اللياقةِ la décence واللباقة la bienséance، أي دون أن يجرحَ العواطف ويمُسَّ الكرامة.