في الجنوب الجزائري، حيث تهبّ الريح محملة بذاكرة الرمال ،و طوفان الحنين للقوافل التي تعبر الذاكرة، يطلّ علينا هناك شاعر متصوّف الكلمات يكتب القصيدة كما تُتلى تبتّلات المعنى في صلاة المعتكفين في زوايا الروح، وهناك تتحوّل القصيدة إلى جدار يستند إليه الشاعر كي لا ينهار. من بين هؤلاء، أحمد بن مهدي، شاعر أدرار، وصوتها المتوّحد، وسادن لغتها الصامتة، فهو ليس مجرد اسم يتردّد في المنتديات الثقافية، بل هو ذاكرة ثلاثين عامًا من الشعر والحكمة والصمت العالي، من الحضور التربوي الذي يلتقي فيه التكوين الروحي بالتكوين الإبداعي، ويشكل نموذجًا نادرًا للشاعر–المربّي، والصّوفي–الكاتب.
القصيدة... جدار الذات:في واحدة من أكثر قصائده توهّجًا وتأمّلًا، يكتب أحمد بن مهدي حيث يقول:
"ها هنا
حيث أنا و جداري
لا أنا
و لا الجدار الذي يسندني
جدار!!
أي السنونوات الحزينة
تثقب هذا الصمت
و تلملم الأنا في الأنا
كي يعود الجدار
جدار؟!"
بهذا النص، يفتح الشاعر باب التّأمل في معنى "الذات" و"السند" و"الجدار"، لا بوصفها أشياء مادية، بل كرموز لاهتزاز الكينونة، ولصراع الإنسان مع هشاشته.
هذا الانهيار الداخلي الذي يبدأ من لحظة "اللا أنا"، ويتعقّد مع انهيار الجدار الذي يُفترض أن يسندنا، يتحوّل في القصيدة إلى تجربة وجودية شعرية تبحث عن الانبعاث من رماد الذات.
إنّ "السنونوات" ليست مجرد طيور مهاجرة، بل كائنات روحية تأتي لتثقب الصمت، ولتُداوي التمزق الداخلي، محاولةً أن تُعيد ترميم الجدار. غير أن النهاية تظل معلّقة، مفتوحة على الشك:
"كي يعود الجدار... جدار؟!"
وهنا قمة الإبداع: السؤال الذي لا يجيب، بل يفتح الأسئلة.
أحمد بن مهدي لا يشبه غيره، هو شاعر يُشبه ظلّه، يسير بجانبه ولا يُشبه أحدًا. في قصائده نبرة من الصوفية الرمزية، وتجريدٌ ميتافيزيقيٌ يقترب من ممارسات الحلاج وابن عربي، لكن دون ادعاء.
هو صوفيّ على طريقته، شاعر يختبر اللّغة لا ليزينها، بل ليقلّبها على جمر التجربة، ويستخرج منها نداءاته الداخلية.
تجربة الشاعر أحمد بن مهدي تُشكّل جزءًا من نسيج الجنوب الثقافي، حيث الكتابة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية.
إنه يمثل شاعر الجنوب الذي لم يُصنع في المهرجانات، بل في الصمت، في المدارس التي مرّ بها، في الورشات، في تفاصيل الحياة اليومية في أدرار،وفي نصه السابق، الجدار ليس حائطًا، بل هو رمز للذات، للوطن، للذاكرة، وللقدرة على الصمود. أما السنونوات، فهي الشعر نفسه، تأتي من البعيد، تثقب صمت العالم، وتلملم شتات الإنسان.
هذا التّصوير، وهذه الرؤية، تؤكد أنّنا أمام شاعر حقيقي، يشتغل على المعنى كما يشتغل الحائك على تفاصيل العباءة، يراكم الصور، ويربك القارئ، ويدفعه إلى إعادة تعريف المفاهيم.
في مدينة مثل أدرار، بتاريخها الرّوحي والثقافي، نحتاج إلى إعادة اكتشاف أصواتها الإبداعية، لا كحالة محليّة، بل كجزء من المشهد الوطني والعربي.
نحتاج أن نُدرّس شعر أحمد بن مهدي، أن نقرأه لا بوصفه "ابن المدينة"، بل كابنٍ للشعر الخالص، وللتجربة الإنسانية التي تبحث عن سند في جدارٍ داخل تفاصيل الزمان والمكان.
أحمد بن مهدي... بين الحرف والرسالة
وُلد الشاعر أحمد بن مهدي في ولاية أدرار، تلك المدينة التي تشبه قصيدته: صامتة من الخارج، مشتعلة من الداخل. نشأ بين ظلال النخيل وذاكرة الصحراء، وتكوّن لغويًّا وروحيًّا في بيئة تمزج بين التراث والبحث عن المعنى.
بدأت رحلته مع الكلمة منذ أواخر الثمانينات، حين التحق مبكرًا بالمنتديات الأدبية والمجالس الثقافية، وبدأ في كتابة القصيدة كفعل وجودي لا مجرد ترف إبداعي. ومع مرور السنوات، لم يكن مجرد شاعر هاوٍ، بل أصبح ركيزة ثقافية في المشهد الأدبي الجنوبي، يُشار إليه بالحضور والفرادة، طوال أكثر من ثلاثة عقود، ظل وفيًّا لقصيدته، منضبطًا في حضوره بين الورشات الأدبية، والملتقيات الوطنية، ومشارَكًا فعّالًا في الندوات التربوية والفكرية، حيث لم يكن يكتب الشعر فقط، بل كان ينقل فكر الشعر إلى تلاميذه وطلابه، ويربي أجيالًا على الحس الجمالي والنزعة التأملية
كان من بين الأصوات التي أسست لخصوصية الشعر في الجنوب أمثال الكثير من أبناء جيله، من خلال أسلوبه الذي يجمع بين: كثافة المعنى وهدوء الإيقاع،واللغة التأملية والنبرة الصوفية،
والبعد الإنساني العميق.
وقد نُشرت قصائده في العديد من الصحف الثقافية الجزائرية، وشارك في ملتقيات جمعت كبار الشعراء من الجزائر وخارجها، لكنه لم يُغادر جوهره: شاعرٌ يعيش داخل اللغة، لا خارجها.
الختام: الشاعر الذي وقف حين انهار الجدار
سيسجّل شعر الجنوب اسمه طويلًا:كشاعر لم يسنده الجدار، فسنده الشعر،وككاتب لم ينتظر جمهورًا، بل كتب لذاته، وكتبها،وكإنسان جعل من الكتابة جدارًا يحتمي به من العالم، ونافذةً يرى من خلالها إلى ذاته.
ويفول في نصّ آخر:
-مهلا ألملمني يا دعد فاكتنفي
هذا الفؤاد دعاء الماء لا تخفي!!
مهلا ألملمني يا دعد فاغترفي
ملء السماء سنا يفيض من وجفي!!
جرحان نحن و هذي الارض كم تمد
من ثقل أغنية للحب و الشغف!!
مهلا ألملمني، علي اذا عزفت
أوتار قافيتي أرض الخراب أفي(ء)
أو أنمحي عدما تذري الرياح خطى
أرسلتها عبثا في رسف منتزف
تزجي الفراغ بماء الأه يا وجعا
كم راودته زليخا النوء بالرسف!!
ماكنت يوسفها يا أه فاعتصم
هذا القميص ببشرى النّور لم يجف!!
القصيدة... جدار الذات:في واحدة من أكثر قصائده توهّجًا وتأمّلًا، يكتب أحمد بن مهدي حيث يقول:
"ها هنا
حيث أنا و جداري
لا أنا
و لا الجدار الذي يسندني
جدار!!
أي السنونوات الحزينة
تثقب هذا الصمت
و تلملم الأنا في الأنا
كي يعود الجدار
جدار؟!"
بهذا النص، يفتح الشاعر باب التّأمل في معنى "الذات" و"السند" و"الجدار"، لا بوصفها أشياء مادية، بل كرموز لاهتزاز الكينونة، ولصراع الإنسان مع هشاشته.
هذا الانهيار الداخلي الذي يبدأ من لحظة "اللا أنا"، ويتعقّد مع انهيار الجدار الذي يُفترض أن يسندنا، يتحوّل في القصيدة إلى تجربة وجودية شعرية تبحث عن الانبعاث من رماد الذات.
إنّ "السنونوات" ليست مجرد طيور مهاجرة، بل كائنات روحية تأتي لتثقب الصمت، ولتُداوي التمزق الداخلي، محاولةً أن تُعيد ترميم الجدار. غير أن النهاية تظل معلّقة، مفتوحة على الشك:
"كي يعود الجدار... جدار؟!"
وهنا قمة الإبداع: السؤال الذي لا يجيب، بل يفتح الأسئلة.
أحمد بن مهدي لا يشبه غيره، هو شاعر يُشبه ظلّه، يسير بجانبه ولا يُشبه أحدًا. في قصائده نبرة من الصوفية الرمزية، وتجريدٌ ميتافيزيقيٌ يقترب من ممارسات الحلاج وابن عربي، لكن دون ادعاء.
هو صوفيّ على طريقته، شاعر يختبر اللّغة لا ليزينها، بل ليقلّبها على جمر التجربة، ويستخرج منها نداءاته الداخلية.
تجربة الشاعر أحمد بن مهدي تُشكّل جزءًا من نسيج الجنوب الثقافي، حيث الكتابة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية.
إنه يمثل شاعر الجنوب الذي لم يُصنع في المهرجانات، بل في الصمت، في المدارس التي مرّ بها، في الورشات، في تفاصيل الحياة اليومية في أدرار،وفي نصه السابق، الجدار ليس حائطًا، بل هو رمز للذات، للوطن، للذاكرة، وللقدرة على الصمود. أما السنونوات، فهي الشعر نفسه، تأتي من البعيد، تثقب صمت العالم، وتلملم شتات الإنسان.
هذا التّصوير، وهذه الرؤية، تؤكد أنّنا أمام شاعر حقيقي، يشتغل على المعنى كما يشتغل الحائك على تفاصيل العباءة، يراكم الصور، ويربك القارئ، ويدفعه إلى إعادة تعريف المفاهيم.
في مدينة مثل أدرار، بتاريخها الرّوحي والثقافي، نحتاج إلى إعادة اكتشاف أصواتها الإبداعية، لا كحالة محليّة، بل كجزء من المشهد الوطني والعربي.
نحتاج أن نُدرّس شعر أحمد بن مهدي، أن نقرأه لا بوصفه "ابن المدينة"، بل كابنٍ للشعر الخالص، وللتجربة الإنسانية التي تبحث عن سند في جدارٍ داخل تفاصيل الزمان والمكان.
أحمد بن مهدي... بين الحرف والرسالة
وُلد الشاعر أحمد بن مهدي في ولاية أدرار، تلك المدينة التي تشبه قصيدته: صامتة من الخارج، مشتعلة من الداخل. نشأ بين ظلال النخيل وذاكرة الصحراء، وتكوّن لغويًّا وروحيًّا في بيئة تمزج بين التراث والبحث عن المعنى.
بدأت رحلته مع الكلمة منذ أواخر الثمانينات، حين التحق مبكرًا بالمنتديات الأدبية والمجالس الثقافية، وبدأ في كتابة القصيدة كفعل وجودي لا مجرد ترف إبداعي. ومع مرور السنوات، لم يكن مجرد شاعر هاوٍ، بل أصبح ركيزة ثقافية في المشهد الأدبي الجنوبي، يُشار إليه بالحضور والفرادة، طوال أكثر من ثلاثة عقود، ظل وفيًّا لقصيدته، منضبطًا في حضوره بين الورشات الأدبية، والملتقيات الوطنية، ومشارَكًا فعّالًا في الندوات التربوية والفكرية، حيث لم يكن يكتب الشعر فقط، بل كان ينقل فكر الشعر إلى تلاميذه وطلابه، ويربي أجيالًا على الحس الجمالي والنزعة التأملية
كان من بين الأصوات التي أسست لخصوصية الشعر في الجنوب أمثال الكثير من أبناء جيله، من خلال أسلوبه الذي يجمع بين: كثافة المعنى وهدوء الإيقاع،واللغة التأملية والنبرة الصوفية،
والبعد الإنساني العميق.
وقد نُشرت قصائده في العديد من الصحف الثقافية الجزائرية، وشارك في ملتقيات جمعت كبار الشعراء من الجزائر وخارجها، لكنه لم يُغادر جوهره: شاعرٌ يعيش داخل اللغة، لا خارجها.
الختام: الشاعر الذي وقف حين انهار الجدار
سيسجّل شعر الجنوب اسمه طويلًا:كشاعر لم يسنده الجدار، فسنده الشعر،وككاتب لم ينتظر جمهورًا، بل كتب لذاته، وكتبها،وكإنسان جعل من الكتابة جدارًا يحتمي به من العالم، ونافذةً يرى من خلالها إلى ذاته.
ويفول في نصّ آخر:
-مهلا ألملمني يا دعد فاكتنفي
هذا الفؤاد دعاء الماء لا تخفي!!
مهلا ألملمني يا دعد فاغترفي
ملء السماء سنا يفيض من وجفي!!
جرحان نحن و هذي الارض كم تمد
من ثقل أغنية للحب و الشغف!!
مهلا ألملمني، علي اذا عزفت
أوتار قافيتي أرض الخراب أفي(ء)
أو أنمحي عدما تذري الرياح خطى
أرسلتها عبثا في رسف منتزف
تزجي الفراغ بماء الأه يا وجعا
كم راودته زليخا النوء بالرسف!!
ماكنت يوسفها يا أه فاعتصم
هذا القميص ببشرى النّور لم يجف!!