إبراهيم محمود - القبض الأخير في النبض الأخير.. قراءة استئناسية في كتاب أ. د. حكمت : النبض الأخير .




أن تتكلم! إشعار لديمومتك في الحياة لمن حولك، وفي نفسك، وهم يسمعونك، أو يتابعونك بصوتك الحي، لأن هناك قوة داخلية تطلق للكلام عناناً ومعنى.
أن تكتب! إشهار لا يخطئه لا سمع ولا بصر، بحياة لا تتوقف على حضور مباشر للكلام فيه شهادته، إنما توقيع على حياة تعنيك وتسمّيك في دائرة أوسع .



تترجم الكتابة ما يجعل الكلام ناطقاً في صمت العبارة، ودلالاتها، في نص له اسمه، وبموضوع معلوم به. هنا تكون مأثرة الكتابة المعتبَرة، مغامرة الاسم الدال، وذائقة المسمى ضمناً.



أن تكون الكتابة فضيلة سرد لمن يمتلك المقدرة على تسطيرها، يعني ذلك السعي إلى تأمين حياة. أن تكتب هو يعترف بك غدٌ لست فيه.
تباشر الكتابة مغامرتها الدالة، وروعتها المائزة ، لا بل وفتنتها في الروح، في هذا المقام المنشود والذي لا يستهان به نزعاً لخلود ما .
لعل صديقنا القانوني، والأكاديمي الدكتور العراقي حكمت شبّر، وهو يشمخ ببياض شعره على تخوم التسعين عمراً، فيه ما يفيه حضوراً.
ذلك ما يمكن تلمّسه، سماعه، تذوقه، وتبيّنه في الموسوم بنبضه الاخير" محطات تستحق التوقف عندها: النبض الأخير " حياتي الشخصية، التجربة الشعرية "، دار الزمان، 2025، 210 ص من القطع الوسط ".
وحين أربط بين كل من مفهوم " القبض " والنبض " فمن باب مكاشفة حركية العلاقة بينهما داخلاً وخارجاً:
القبض حيازة لجسم، امتلاك له، تحكمٌّ ما وتصرف فيه، والقبض دالة قوة ليد تحكم سيطرتها ترميزاً لعلاقة بينية ومرئية، وما فيها من سطوة، بينما النبض يترجم سريان فعل حياة في الجسم الخاص به، وهو " القلب " هنا. النبض علامة حياة وكشف لها. بين القبض وهو الخارجي، يأتي فعل الكتابة، والكتابة تمثيل لرصيد حياة، وقد جرى تسطيرها في موضوع ما، يكون تحت السيطرة، ولا يتم ذلك إلا بتغذية قائمة من مولّد قوة ، من دينامية جسد يكون للقلب من ما يبقيه يقظاً، قادراً على التعبير عن نفسه، خارجاً، وهو داخليٌّ.
ربما بالطريقة هذه، حيث القبض الظاهر، والنبض الدائر، حاول ويحاول كاتبنا وصديقنا بوقار شيبه وشبوبية نظرته، تأكيد وجوده، كما لو أن العمر خارج سنينه، كما لو أن العمر يتقدم بنوعية أعطياته هنا !
يعني ذلك، أن صاحب " النبض الأخير " قد حسبها جيداً بينه وبين نفسه، وإن يأخذها في حساب وعيه المباشر، إنما اللامباشر، وهو أن الكلام معطوف على الحاضر، المباشر، الحسي القريب، وأن الكتابة موصولة بالآتي، بالغد الذي يمتد طويلاً في المستقبل، لهذا، فإن النبض الأخير ليس النهاية إنما لحظة من لحظات الزمن القائمة والمحتسبة، كما هو المعهود في القلب الذي ينبض، والدال هو أنه لا زال " أي صاحبه/ حامله " يعيش حياته على وفي وسعها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأنه بقلبه يحتضن الحياة فيما يعرفه وخبره، وفي من عرفهم وخبرهم، في من يلتقي بهم يومياً، ويتواصل معهم، وفي من يسبح معهم في نهر الحياة الذي لا يهدأ، ويخصب بجريان مائه روحه، وبهذه يكون. ثمة إرساء لما هو قاعدي روحي مسطور للنظر وللتأمل .
إن ما يسبق العنوان وما يليه من توضيح، لا يخفي دفق المعنى المحوري فيه: محطات تستحق التوقف عندها: لعلها هي التي أمكنته من أن يكون في مقام هذا النبض الأخير، ومأثوراته نثراً وشعراً، لسانَ حال معايشة داخلية لحياة تعرَف بتنوعها الاجتماعي. محطات هي لقاءات، مشاهدات، استقصاءات حالات، مكاشفات، مجاهدات، مواظبة على تلقي الدرس الحياتي في ديمومة ليله ونهاره، وارتقاء وتنوّر بكل ذلك. ليكون التحديد تالياً: حياتي الشخصية- التجربة الشعرية، وجهين متكاملين لوجه لا يزال يقيم بيننا وهو في تسعينه، بمفهومه الحسابي، وهو حساب يستعرض هندسة أصوات وأرواح، ألسنة وأسماء، جهات جغرافية، ومجابهات، يمتزج فيها الحياتي اليومي، وقد تنمذج شهادة بساعتها، بوجه معلوم، وجهة معلومة، ونشاط موسوم، حياة يجري الدفع بها في المصفَّى منها حصاد علاقات وقيم قائمة، ولتكون التجربة الشعرية، كما هي النبض للقلب، وخارجاً: الجسم مأخوذاً بقبض القبض وتسمية له.
تجربة يمكن في أمكنة أخرى، تأكيداً على أن متنفسه حياتي ومع الآخرين، وفي مواقع مختلفة، وهو جامع بيئات وحاملها وجدانياً، والأقرب هو كتابه: هؤلاء مرّوا في حياتي " عن دار الزمان، 2025، ولو أنه مسطور بلغة الشعر.
وحيث يتفاعل الإنساني مع البيئي، وما هو أثير لده مع المعزز في روحه( من خلال التأمل في لوحة الغلاف، تظهر في الأعلى صورة زوجته الراحلة، وهي بابتسامة لافتة، وثمة صورته، وبالمقابل، ثمة التمثال الرافديني، كما لو أن الراحلة منصوبة شغفاً وولهاً في روحه، وهي في تحدي الدهر ديمومة، وهو الجامع بينهما. وتلك مأثرة تاريخية جهة هذا التداخل بين المرأة والطبيعة، أو الأرض: الأم الكبرى ميثولوجياً ).
وقبل الانتقال إلى رحابة الكتابة، أنوّه إلى نقطة رئيسة تخص طبيعة الكتابة لديه، وهي في تميّزها ببساطتها، بعفويتها، دون تعقيد، حتى دون أي مشقة التفكير في اللغة جهة سلامتها النحوية، أو الوزن في البحر.. ثمة سليقة، وثمة فيض روح في واقع يستجيب له بكلّيته، كما لو أنه يقول: هوذا أنا رتوش، لمن هو قريب منه أو بعيد عنه، دون السؤال عن مقامه أو انتمائه الجنسي، بانفتاح إنساني!

ماالذي يُسمّيه " النبض الأخير " وباسم من لا يزال ينبض بالحياة بحلوها ومرها؟
أن يشدد الكاتب بداية على أنه مقيم في الحياة، وماض بها وفيها، وأنه يمخر عبابها، رغم عتوّ أمواجها، وسطوة حركتها ورهبتها، وهو يستمر في الكتابة، إعلاء صريح من شأن الروح التي تستنهض قواها، وإقرار بروعة الحياة مع الآخرين، حيث يقول( فما زلت في كل وعيي وقدراتي الفكرية وإمكانياتي الأدبية والشعرية..ص5 )، وهو بالطريقة هذه يحدد نوعية القوة اللازمة والتي تعينه على الاستمرارية في الحياة، فلا يكون النبض الأخير.
ولأن النبض محتفىً به هنا، وهو مؤمّله في المرتجى، لأن النبض مجاز يستدعي جسداً وقلباً خافقاً، وفي عمر معلوم، حسبي التذكير بعنوان مجموعة شعرية يتوجها النبض نفسه عنواناً" نبض الثمانين " والتي صدرت سنة " 2017 "، وها هي قرابة عقد زمني مر، والتسعون حلّت محل الثمانين، وما قاله الشاعر العربي القديم زهير بن أبي سلمى، وهو:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حَولاً لا أبالك يسأم
ورغم أن صديقنا الشاعر شبَّر يقول في مستهل قصيدته الأولى في نبض ثمانينه، وبعنوان المجموعة عينها" نبض الثمانين " ما يشير إلى ذلك:
هذا الخريف وغربة وهزائم خطت على قلبي الرهيف مآتم . ص7 "
سوى أنه في نبض تسعينه، إن جاز التعبير، وبدءاً من التقديم يكون أقوى، وأكثر مضاء قوة، ونفاذ فعل إرادة من هناك، كما تقدم.
نحن لسنا إزاء مشهدية حالة إنما حالات هو توضعات نفسية وجسمية، وهي تلوّن آفاقها أرضياً!
لعله في الذي حفّز فيه هذه القوة أو المقدرة، هو هذا الجمع الغفير من الوجوه الذي يشكل مدد حياة، نهري المقام في روحه.
لا شك أن هؤلاء الذين يأتي على ذكرهم هم أكثر من كون كلّ منهم الآخر الذي تقوم بينهما مسافة، إنما هو ملء اعتبار مشترك، تشارك حياة، ومناجاة أرواح، لا غياب بالمطلق، ولا حضور بالمطلق. ليس من موت يمكن النظر فيه عن بعد، وتأملياً، وليس من حياة، يمكن التعرض لها عن قرب، وبصورة حسية..لا فراغ في أي مسافة قائمة بينه وبين ما يسمّيه أشخاصاً بأعمار مختلفة، وجنسيات مختلفة مشرقاً ومغرباً، ثمة الشعور الذي يوائم بين تنوع الحالات ويضفي على كل منها القيمة التي تقوى بسواها، وتقويّها في آن .
أليست الأم التي يأتي على ذكرها هي الحضن الأول حياتياً بالنسبة إليه، والاسم الرمز الذي يشعره بتفاؤل الإرادة كذلك؟
حب الأم دفاق بالمعاني، ومسلكه مسلك نوراني وابتهاجي روحاني في آن:
أمي وكانت حارسي دوماً تسامرني
بأنواع المشاعر شعلة تضوي العيون .ص6 .
قوة الإنسان تبقى متجذرة داخله، وليست بمؤثر خارجي أساساً، لهذا كان إشعار هذا النبض:
وأحس النسيم يمر عذباً، فنسيم الربيع مازال يجمّل دربي.ص7.
هذا العمر الذي بلغه، يكون لكل شيء نصيب فيه، ولحب الأم، كما تقدم، موقعه. سوى أن رجلاً كان مسكوناً بهاجس حب الوطن بكل فئاته، ومن سن طفولته، مروراً بفترة تلقّي العلم، ومن ثم القيام بأعمال تدريسية وإدارية، وبناء علاقات، والمشاركة في أنشطة جامعية، اجتماعية، وسياسية، ومن موقع الالتزام المبدئي المنظم، لا بد أن يكون منضبطاً في قواه، موازناً فيما بينها، ومستعداً لكل طارىء.
وقوله( لا أستطيع أن أكتم ما أحس به إزاء ما يجري في وطني من هزات ونكبات..ص8 ).
وكما هو متوقع، تكون بغداد التمثيل الرمزي لوطن كامل، ومرآة ضخمة لإظهار مشاعره وأحاسيسه عبرها، وباسم الثوار ووثبتهم:
الله الله يا ثوار بغداد العريقة أيقظتموا في النفس آمالاً جليله.ص12.
ومن نظرة بانورامية، يقرّب صورة الدمار للعراق، ولا ينسى أن يُسمي في أمريكا واحتلالها للعراق بداية لخراب تلو خراب، وهو يرى أن ليس في نية الأمريكان بناء العراق أو دعمه من الداخل، وموقفه صارم منها هنا " ص 26 "
ولا بد أن هناك من مكّنوا الأمريكان لذلك، واستفادوا ولا يزالون يستفيدون من علاقة التبعية هذه.
كما في " لعنة التاريخ على من خرّب العراق "
غرقت بغداد يا هذا تشظى أهلها
وزعيم القوم في طغيانه منشغل.ص 31.
في هذا المسار، يشير إلى المصاعب التي واجهته في عمله الجامعي، حيث يسود جو الإرهاب، حال عمله في " الكلية الإسلامية " في النجف" موئله " ( مارست عملي في ظل ظروف إرهابية كبيرة، مضموناً في ذهابي وإيابي من النجف إلى بغداد وبالعكس..ص51)، وكان ذلك في العام الدراسي " 2004-2005 " وتدريجياً يجري التدخل في مسار عمله والضغط عليه، فاستقال احتجاجاً" ص53"
ولكنه اكتسب أصدقاء ومعارف وخبرة في العلاقات ، حال صديقه الأكاديمي" زهير بحر العلوم ":
أبا نبأ يا صديقي النبيل رحلت عن العالم الظالم " ص 60 "

وعلاقاته الكردية في مسار مختلف طبعاً
صديقنا الكاتب والشاعر والشيخ الوقور والمتبصر لسواد واقعه ونوره معاً، يستحق التقدير على تلك المواقف الدالة على نبل التعاطي مع الأحداث، وفي مجتمع ذي مكونات متعددة، تلمس فيها مجتمعة، وموحدة قوة اعتبارية له، وللكرد اعتبار لا يخفى في حياته وبشهادة قلمه!
وما يجدر ذكره هنا، هو أن وضع الكرد في العراق، مغاير لوضعهم في الدول الأخرى التي تقاسمتهم، جهة الاعتراف الدستوري بهم، بغض النظر عن نوعية الاعتراف هنا، وبهذا يحتفظ المجتمع العراقي بتلك الميزة الخاصة في بنية العلاقات السياسية داخلاً وخارجاً.
لهذا، فإنه ربما من المستحيل بمكان، وجود أي كاتب أو سياسي عراقي دون أن يكون له أسلوب تواصل مختلف فردياً أو حزبياً، وليبقى التباين قائماً على الصعيد العملي، وقراءة تاريخ العراق من خلال كتابه: علي الوردي، حنا بطاطو، عباس العزاوي، كاظم حبيب، هادي العلوي، وعبدالحسين شعبان...إلخ، تعلِمنا بمثل هذا التجذر في العلاقات واختلافاتها وتجاذباتها كذلك.
ولصديقنا الشاعر والكاتب والأكاديمي والقانوني حكمت شبر، كما نوهت، موقع متقدم في نسيج هذه العلاقة مجتمعياً وثقافياً، وهو الذي ارتبط لديه القول مع الفعل، كما يعرفه المقربون منه، وهو المقيم منذ سنوات في " دهوك " ويُعتبر من عائلة نجفية لها مكانتها، وصداقاته، متشعبة.
هو نفسه من يؤرخ لها( ابتدأت علاقتي بكردستان منذ عام 1954 من خلال سفرتي الأولى إلى شقلاوة..ص63).
ليس هنا مجال لأرشفة كل علاقة وواقعة وشخصية تعامل معها الكاتب الشاعر، أو أقام معها صداقات. إنها تمثل سردية علاقات وجدانية، يجلوها الاحترام والتقدير وتفهم كل طرف أو شخص للآخر، من موقعه الاجتماعي، السياسي والقومي بالمقابل، ونسْج هذه العلاقات في تنوعها إلى درجة التفاعل مع قضية الكرد القومية، والتصريح بذلك لم يخل من مخاطر والتعرض لمضايقات من جهة النظام وحتى الثقافة السائد بطابعها الانقسامي( بدأت علاقتي بالكرد عام 1955 حين تعرفت على صديقي تحسين برواري، وتطورت علاقتي- مع مدى الأيام- بمجموعة الكرد في كلية القانون ، وتواصلت مع الطلاب الكرد في دار المعلمين العالية وبقية الكليات..ص65 )..
كثيرة وغنية هي الأمثلة الشواهد الدالة على حميمية هذه العلاقات داخل العراق وخارجه وإلى الآخر..
إن ما ابتدأ به قصيدة " أصلي لكردستان " شديد الدلالة حول ذلك:
وقفت عند رباك حائراً وجلا يا أمة رزحت في بؤسها حقبا..ص71
العلاقة هي الاتصال بالآخر، هي معرفة المختلف، هي تنوير العالم الداخلي وبناء الذات لتكون في مفهومها أكثر قدرة على التكيف مع العالم، وفي الوقت نفسه، هي التعبير الحي والمفيد في معرفة هذه الذات التي تُعرَف بموقعها وحقيقتها الثقافية والاجتماعية.
وكتابة شبّر تبقينا في هذا النطاق المفتوح والواسع، وليس من السهل التفكير فيه، والتعرف على حقيقته. أي كيف يمكن لأحدهم أن يكون في إطار القلة الفعلية التي تعزز هذا البعد العميق والذي يمكنه وحده إبراز حقيقة ما يقوله المرء عن نفسه، ويمارسه من سلوك.
يكون الآخر في الحالة هذه شاهداً حياً على مدى تجذر العلاقة، أي علاقة في الواقع العملي، حيث يمكن للمعني بها أن يكتسب تلك القيم الثلاثية في أبعادها: التاريخية، الاجتماعية والسياسية، ويكون المواطن الفعلي في دولة تستحق أن تكون باسم دولة.
حين يشير إلى ما هو نوعي في أي علاقة من هذه العلاقات، يكون التفاعل ومردوده القيمي هو المحك، كما في أهم مناسبة كردية لها طابع قومي معروف" احتفالات نوروز "، إذ يكون الربيع في مستهله " 21 آذار من كل عام " حاملاً خاصيته الكوكبية والدورية، ودلالته في التجدد والتفتح في الطبيعة، والدخول في حياة جديدة، ومرفقاً بما هو قيمي وجداني ( وتوطدت علاقاتنا في احتفالات نوروز كل عام، فقد ازدادت الألفة والمحبة ونحن منطلقون في دبكاتنا المشتركة مرددين نشيد نوروز( هاكو جيش نيش كونه كرده وبخوش وبهانوا)..)،
وما يصل المحتفى به والمعزَّز به سلوكياً، بما هو سياسي واجتماعي مشترك( واستمرت لقاءاتنا السياسية وعملنا المشترك في الكفاح ضد الحكومات الرجعية والعميلة، وكان أغلب الطلبة الكرد يتميزون بتوجيهاتهم السياسية والقومية. ص 73).
ولو أنني توقفت عند ذكر مجرد الاسماء الخاصة بالشخصيات الكردية السياسية والتاريخية منها، كالرمز القومي الكردي الراحل ملا مصطفى بارزاني، ومام جلال، والأدبية والفكرية وما أكثرها: شيركو بي كه س، فلك الدين كاكائي،رشدي عزيز، كمال مظهر، بابا علي، عزالدين مصطفى رسول، وآخرين تتوزع أسماؤهم وتلك المناقبية الاعتبارية ومن موقع الصداقة وحميميتها، ومآلها القيمي في صفحات مختلفة من كتابه، كما الحال مع رحيمن بيكس ومحمد ملا عبدالكريم والشاعرة الكردية المعروف كَزال... وفي الكثير منهم ثمة ما تتفتح به قريحة شبّر تأكيداً على هذه العفوية الشفافة بحضورها الإنساني، كما في قوله في كزال وهو يرثيها:
كانت برقة زهر الحب يانعة تزهو على فمها الأشعار كالذهب..ص91
في الكتاب، وفي هذا السياق هناك لوحات متداخلة، حيث الوجداني يتآخى مع الاجتماعي، والثقافي مع التاريخي، والنفسي مع الطبيعي، والكل في قاسم مشترك حامله هذا الانفتاح الداخلي والإيمان العميق بالمصير المشترك. ثمة الحب وثمة العتاب، وثمة النقد الصريح والموصول بالود والحرص على سلامة الآخر والذات، وثمة الرهان على الأمل المشترك، كما هو التاريخ السياسي العراقي، وتلك الشبكة المتنوعة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية وعلى صعيد التعاطي مع المستجدات بين العرب والكرد في الدولة:
( كنت أنا صديق الكرد ممن كتب ونظم القصائد الكثيرة مستنكراً اضطهادهم ومناصراً لحريتهم، أن أرى أصدقائي يلفهم الصمت إزاء ما يجري في مدن العراق الجنوبي وفي الوسط من المظاهرات التي خرجت تطالب بحقوق جميع العراقيين وبضمنهم الإخوة الكرد.ص102).
ذلك هو مثال آخر، في شبكة علاقاته وتعامله مع الأحداث ورؤية ما يجري سياسياً وإيديولوجياً، وما يمكن للكرد أن يعرَفوا به تجاه القضايا المصيرية التي كان كاتبنا واضحاً كموقف إزاءها، وما يخص تلك النقطة التي لا تزال خلافية في طبيعة تعامل سياسيين كرد مع إسرائيل وتقييمها خلاف ما هو جار على الصعيد العربي الرسمي والثقافي هنا وهناك،وهو بذلك يسمّي فكرته وتموقعها الاجتماعي والعقيدي واقعاً:
( ولعل ما آلمني وحز في نفسي أن أرى الكرد المضطهَدين والمكافحين في سبيل حريتهم صديقة لهم، وهل يمكن تصور أمة مظلومة لمئات السنين لا تناصر أمة شقيقة مظلومة وهم الفلسطينيون الذين طردتهم العصابات الصهيونية من أراضيهم وقتلت ودمَّرت مدنهم وقرأهم لتقيم استعماراً استيطانياً ظالماً ضد شعب مظلوم لا يجد انتصاراً لحريته من قبل أشقاء في الدين والنضال..ص103).
تلك كانت خاصية الثنائية التي لا تلاقي بين طرفيها لزمن طويل، وربما إلى الآن على الصعيد السياسي الثقافي الاجتماعي والديني عربياً، وسبباً فاعلاً في تأجيج الصراعات على الأرض وزيادة الضحايا وتنامي الأزمات في الداخل، وليكون الكرد حينها وإلى الآن، وعلى أكثر من صعيد مأخوذاً بهم في سيرورة هذه الثنائية الموجَّهة كثيراً، وليس النظر إليهم خارج بنية الثنائية المركَّبة كثيراً، ومراعاة التنوع في النظر إلى الآخر قومياً، وما لمفهوم القومية من حقوق تتطلب تمايزاً تاريخياً وجغرافياً، وليس الصهر في بوتقة الآخر.
ودون الانجراف في صخب هذا " السيل " الإيديولوجي العرمرم، يمكنني إيجاز ذلك، ليس رداً أو تعقيباً على ما أفصح عنه صديقتنا الكاتب والقانوني والشيخ الوقور شبّر في موقفه بجلاء، موقف لا يُسمى بمفرده، إنما في نطاق مبدأ حياتي عام، دون تفريد هذا الموقف والتصعيد به كأنه قائم بذاته، أشير إلى حقيقة مرة، في لاتاريخيتها، وانحرافها عن الحقيقة راهناً، حين تستمر النظرة إلى الكرد، من هذه الزاوية الضيقة وتعميم المرئي عبرها في ربطهم بإسرائيل" خرافة كردستان إسرائيل ثانية ومراميها الإيديولوجية "، وفي الوقت الذي تقيم أنظمة عربية لها حضورها السياسي العميق علاقاتها الرسمية مع إسرائيل، ينظَر إلى الكرد، دون مراعاة هذا المستجد، وحتى من قبل كتاب ومثقفين فيهم( ينظَر حول ذلك كتابي: حدوة الفرس: دراسة مع مقالات مختارة حول استفتاء إقليم كوردستان العراق في 25-9/ 2017، منشورات جامعة دهوك، مركز بيشكجي للدراسات الإنسانية، بدءاً من ص 11، وما بعد ".
كما قلت، وأشدد على هذه النقطة لأهميتها، فإن علاقة كهذه، وهي في وضوحها، تعلّمنا بما يعنينا في طريقة تفكيرنا وتقويمنا للأحداث، وهي من حيث الجوهر، تقرّب المسافات، وتناول ما هو خلافي، وكيفية تجاوز رأب الصدع، في مصير مشترك، وتنمّي رصيد المحبة.

ما لا يجب نسيانه ذاتياً
في مثل هذا المقام الذي تتسع حدوده، وتتنوع علاقاته، وتتشكل خريطة ثقافية واجتماعية وأدبية تتجاوز حدود العراق تعبيراً عن ثراء روح صديقنا الشيخ الوقور، ومرونته، ورهانه على هذا التنوع، وتأكيده على أن ليس كصداقة من هذا النوع من نظير، وليس في مقدور أي علاقة خارج إطارها، بقادرة على تعميق القيمي مجتمعياً، وجعل الحقيقة ملموسة. والرجل قانوني ومرشد مجتمعي معاً. في مثل هذا المقام، وما يحق علي قوله في الرجل وله، هو المتمثّل في تلك المكانة السامية التي منحها للراحلة زوجته " إيمان " هو هذا التدفق في المشاعر والصراحة اللافتة في التعبير عنها وداً وصبابة، ودون أي تردد، وإبقاء تسمية " حبيبة " إكسيره الروحي، ومفتتح كل إشارة إليها، ومرتقى كل مختتم في الحديث عنها، والوعد المتوقع في ذلك العود الأبدي، إن جاز التعبير ، إليها، وهو في هذا العمر المتقدم، وفي مقدور المعني بما هو نفسي، وما هو اجتماعي أن يتحرى حقيقة هذه الجذوة المتقدة في كامل جسده، وليس قلبه وحده، وكأن استمراره في الحياة بعد رحيلها المأسوف عليها جداً، هو أن يظل متغنياً بها، تعبيراً عن سداد دَين يتجدد، هوالفيض المستمر لحب به يكون.
ثمة الحزن القابض للروح، لكنه الحزن الذي لا يكتفي بإسدال الستار الأسود على مسرحه الحياتي الشخصي، وإن كان يسمّي حزنه بالطريقة الآلمة المؤلمة، معلِناً حداداً لا ينتهي، يعيش مأساته، ويتنفس وجعه الدفين، إشعاراً بنوعية العلاقة الزوجية وروعتها( والآن أرغمت نفسي على الجلوس لمكتبي والعودة إلى كتابة أفكاري ومشاعري التي لا تخرج عن الحزن العميق الذي ملكني منذ رحيل حبيبتي عام 1920، ونحن كنا آنذاك معها نكافح في سبيل صيانة أنفسنا من هجوم الآفة التي ضربت العالم ولم تتركنا.. نعم، ونحن نكافح مصيبة ( الكرونا ) والإجراءات المتخذة من قبل حبيبتي أمّونة لصيانتي من الموت الذي هجم بوحشية على بلدنا واجتز خيرة إخوتنا وأخواتنا. ص 149).
قصائد لا تحصى ترنم بروحه المنكوبة فيها، كأنه في كل تسمية لها يخاطبها ويسمعها صوته على تماس مباشر بروحها الحية لديه، وهو يتواسى بها، أو يحيل رحيلها الأبدي إلى رحيل حي في صميم قلبه وإبقاء الزوجة المحبة حية تنبض في روحه، لأنه قدرته كثيراً، وأحبته الحب الذي لا حب بعده صفاء معنى ونقاء محتوى، أكثر من خمسين عاماً، وثمة مشاهد حياتية تخص مسيرتهما معاً، وقوله:
حبيبة قلبي نـــــــــــداء جميل وعشت بعمـــري زماناً طويل
أيا رعشة الحب وقت الغرام وقعت صريح الهوى المستحيل. ص 151
وما يعزز هذا التيتم بالآخر حباً، حين يضع الوطن وإياها في كفة واحدة، ثمة اثنان ملكا عليه قلبه:
حب العراق بلادي كلها ثمر
...
وثاني من هوى قلبي وتيَّمه
حبيبة ملأت قلبي بأنغام..ص159
على طريقة " والحق يقال " أشير هنا إلى حقيقة عشتها لبعض زمن مع علاقة من هذا النوع، حين كنا نتردد " صديقي نوزت دهوكي وأنا " وفي سيارته إلى بيت شاعرنا شبّر والذي تشكلت صداقة بيننا بفضل الصديق والكاتب نوزت الكردي الدهوكي والأكثر اهتماماً به وتقديم ما أمكنه من خدمات شخصية له، بعد رحيل زوجته. نزوره في بيته في حي " أفرو سيتي " الدهوكي الجميل، فتستقبلنا بوجه صبوح، يخالها الناظر، ودون أي مجاملة، وكأنها أربعينية في عمرها، بقوامها الرشيق، وشعرها الفارع، وخفة حركتها، والقيام بواجبات الضيافة كأفضل ما تكون الضيافة بالطريقة العراقية المحببة، والجلوس معنا ومشاطرتنا جوانب مما كنا نتكلم فيه بوعيها الاجتماعي وشخصيتها المؤثرة، وما كان لذلك من تأثير فعلي جرّاء فقدها، فيكون كل قول يتفوه به شاعرنا فيها في محله.

أمكنة وأزمنة ووجوه تداخل
في هذه المكاشفة التنويعية، حيث تتجاوب أسماء المدن العراقية وخلافها، الجهات الجغرافية، والوجوه بأسماء أشخاصها، واللقاءات، والأنشطة، بقلم سيال يتشعب روافد والروافد تجد نفسها في نهره السيري، يمكن تبيّن أي شخصية سندبادية عراقية معاصرة، تسطر خلاصة الخلاصة لحياة تستحق أن تكون حياة، والحديث لا يعني قارئاً محدداً، إنما كل من يرى في المقروء ما ينير ويطرب معاً.
على سبيل المثال، ليس من الصعوبة بمكان ربط حب شبر للراحلة زوجته أمونة" أم نوار، كما كانت تعرَف به " بما هو مكاني، ومعْلم حضاري وبيئي: النخل العراقي. النخلة جسد والجسد نخلة.. وهل في مقدور أحد تناسي مدى التغني بالنخل عراقياً؟:
سعف النخيل يؤطر الآفــــاقا وجميل جسمك يحمل الأشواقا
تتمايل السعفات في رقصاتها وسناء وجهـــك يزدهي إشراقا. ص 171
في العودة المستمرة إلى " أمونة " ما يشبه وضع الخميرة في العجينة، كما لو أن ورود اسمها ضمان لسير القول فعلياً وفلاح في المعنى المرتجى بالمقابل، وكأن النبض نفسه متوقف على اسمها، أو يكون اسمها هو واهب النبض حقيقة حركته في جسد معنَّى به:
( كتبت لحبيبتي عشرات- بل مئات- القصائد أتغنى تارة وأبكي تارة أخرى.." ص189
خمسون عاماً مضت والحب ما فترت
سعراته غصة تغزو شراييني..ص191
طبعاً يمكن تبين ذلك في كتابه المهدى إليها " إيمان قلادة حبي "!
وما يصلها بالمكان :
( كانت ربوع كردستان هي الجاذب لنا ولجمالها ولطيب أهلها..ص192 ).
من منطلق وجداني يسمّي وفاءه للمكان لأهله، ولكل من مد له يداً تصافحه حباً، ودهوك التي يقيم فيها الآن لها مأثرة لديه.. حين يشير إلى اسمي " ص 195 " تعبيراً عن ود واهتمام، ويورد القصيدة التي كتبها عني تقديراً" ص 196" والمفكر الراحل " جلال زنكبادي " ومكانته الأثيرة لديه " ص 197"، ويبقى للصديق نوزت المقام المختلف جرّاء الاهتمام النوعي به، في حياته اليومية، وهو العاجز في المشي كثيراً، فيكون تردده شبه اليومي عليه، وهو يأتي على ذكر مناقبه:
أنوزد نعم الصديق الصدوق..ص199..
كثيرون كسب ودهم وصداقتهم، وليس بخاف الآن، ومنذ سنوات، مدى اهتمام الأكاديمي والبروفيسور والمؤرخ الكردي العراقي الدكتور عبدالفتاح يحيى بوتاني، وصاحب أشهر مكتبة حديثة وأضخمها ملتقىً في دهوك، به، وهو الذي نشر له مجموعة شعرية في حبه للكرد وكردستان، حين كان رئيساً للأكاديمية الكردية في أربيل، ولا يزال هذا الاهتمام قائماً ودون انقطاع وفي زيارات دورية ..
قرأت الكثير، وكتبت القليل والموجز، وكان لا بد أن أعمد إلى ذلك لاستحالة إيفاء المحتوى حقه، فالحكمة في قراءة كتاب ما، كما هو ممكن قوله، ليس أن تسمي كل ما ورد فيه، وإلا لبطل أن يكون المكتوب مقال " عن " وإنما كتاباً يكرر كتاباً، فيُعدَم المعنى .
وأنا أتحدث عن كيفية تحويل رثاثة الحياة اليومية إلى كلمات فيها ما يبقيها أثراً يمتد بها إلى الأمام !
إن ما يهم في تعاطي كتاب هو كيفية إقامة علاقة معه، هو الدخول إلى حيث يكون نبضه وقبضه معاً، هو محاولة تنويره، وتلقّي الدرس المنتظَر منه( ليس من كتاب، مهما كان نوعه، إلا وهو يحمل درسه الذي ينتظر من يُسميه ويهديه إلى سواه ) وهنا تكون القيمة الكبرى للكتاب وفاعلية الكتاب في بناء المجتمع، وفي إخصاب الروح، والرهان الديناميكي والملهِم على الآتي وأبعد.
وكتاب " النبض الأخير " يفيدنا بمأثرة أسمائه وجهاته وعوالمه، بكل ما تقدم. حسبنا أن نقدّر روحاً تنبض في جسد بلغ من العمر تسعة عقود زمنية، ودلالته الرقمية والرمزية، والمدد الاعتباري لهذه الروح بالذات وسعيها إلى أن تكون روح إنسان بغض النظر عن اسمه، وجنسه ونوعه، وهو محمول في كلّيته بكل هذه الثراءات في مفردها الجمعي ..
هل سنكون على وعد بكتاب عن نبض عمر تال يمتد به إلى اكتمال قرن وأبعد وهو يفيض حيوية، وينبض بكامل جسده؟ نتمنى ذلك لهذا الذي يعيش بيننا وداخله مكتبة كاملة بتنوع لغاتها وإشعاراتها القيمية والجمالية. هوذا الإنسان !

ملاحظة: وأنا أنشغل بكتابة هذا المقال حول كتاب شيخنا الوقور حكمت شبر، منذ ليلة البارحة، أعلمني الصديق نوزت دهوك، أنه الآن راقد في أحد المشافي الخاصة في دهوك " مشفى غ " جرّاء انتكاسة صحية، وهو واقف على خدمته بتفان مقدَّر عليه حقاً. نتمنى له العودة إلينا بكامل عافيته .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...