تتميز مجموعة "مخاضات" بقدرتها على المراوغة؛ وتفترض المراوغة اللعبة السردية، لتحقيق منافسة بين القارئ واللاعب، والمقصود هنا باللاعب السارد، الذي يسعى إلى تجاوزه بلمسات فنية وبراعة، تتجاوز توقعاته؛ ذلك أن اللعبة السردية في القص الوجيز تقوم على تخييب أفق انتظار القارئ؛ وهي شبيهة بضربة الجزاء، حيث يرتمي الحارس في جهة، والكرة في الجهة الأخرى.
إن لغة الحوار ينبغي أن تكون حذرة، حتى لا يرتبك المعنى، ويختل توازن القارئ، مما يولد النفور. فبراعة المراوغة هي التي تبقيه حاضرًا ومتأملاً، بغاية الفهم وإعادة ترتيب عناصر الكتابة.
القصة تبرق في الغيم، أو في الغرب، أو في مكان لا تكون فيه توقعات القارئ صائبة، الأمر الذي يدفعه إلى إعادة القراءة من جديد للوقوف على أدوات اللعبة وتقنياتها، وتجديد قراءته لغاية التواصل مع النصوص، والتمكن منها بالقبض على آلياتها.
ولهذا، وصف الكاتب نصوصه بـالمشاكسة، بمعنى: غير المهادنة، وغير الوديعة؛ إنها تطمح إلى إرباك قارئها، وخلق زوبعة ذهنية لديه.
لنأخذ الأمثلة التوضيحية التالية:
1. "تراشق" (ص 18):
بداية النص غير نهايته، ذلك أن العديد من النصوص يمكن تقسيمها إلى قسمين: البداية والنهاية، تسير البداية باتجاه، والنهاية في الاتجاه المعاكس.
فإذا كانت النهاية تُولّد الخيبة لدى الشخصيات، فإنها تُخيب توقعات القارئ.
وهكذا، نجد الشخصية الأنثوية تسير وراء أريج الوردة إلى أفق السعادة، لتأتي النهاية قاصمة الظهر، حيث تحصل على الخيبة، فترى بأمّ عينيها معانقة العاشق الولهان لأخرى غيرها.
وهذا الفعل يؤكد –مع نصوص أخرى– العلاقة المتوترة بين الرجل والمرأة؛ فتلك من تيمات العمل القصصي، فضلًا عن قضايا أخرى كـالظلم، التسلط، والمعالجة الاجتماعية.
2. "عتاب" (ص 19):
الرجل ينظم قصيدة لحبيبته الافتراضية، ويهديها لها.
لكن، بدل أن تظهر الحبيبة شاكرة، ومعبرة عن حبها للرجل، تظهر الزوجة مؤنبة.
النص ينتقد الخيانة، ويلوم وسائط التواصل الاجتماعي التي سهّلت هذا السلوك المنحرف.
3. "غواية" (ص 20):
تظل قضية التفاحة والغواية قوية الحضور في نصوص القص الوجيز.
فالرجل يقضم التفاحة المهداة له بلذة، ليجد نفسه عاريًا.
والعُري نهاية غير متوقعة، لكن العنوان يمنح فرصة توقعه عمومًا، لكن ليس بقوة العُري؛ إذ العُري فضيحة مدوّية.
خلاصة الأمثلة السابقة:
يتضح أن النهاية غير البداية، وتخلق المفاجأة، وتُخيب التوقع، وتُربك القارئ، والدفع به إلى إعادة بناء النص من جديد.
وإذا كانت القفلة صادمة ومخيبة للتوقع، فإن الكاتب قد تفنّن في عرضها على صفحات المجموعة؛
فمرة تأتي الحروف مبعثرة، كما في نص "ليطمئن قلبي..." (ص 16)، إذ أتت مبعثرة، كل حرف استفرد بسطر، وما ذلك إلا للتعبير عن فداحة الفعل المرتكب؛ إنه الطلاق، أبغض الحلال عند الله.
فالزوجة تطلب برهان حب، حتى يطمئن قلبها، والجملة الأخيرة تناص صريح مع قول سيدنا إبراهيم، لكن الزوج خيّب رجاءها، فأتى بفعل مناقض، هو الطلاق.
هنا، ندرك أن حاسة الزوجة كانت صائبة؛ فلم تكن مطمئنة لنوايا زوجها، وعبرت عن ذلك بقولها المأخوذ من كلام الرسول إبراهيم عليه السلام، الذي جاءه الاطمئنان من الله سبحانه، لكن الزوجة بدل أن تحصل على ما تريده، تجني الخيبة والمرارة.
وقد تأتي جملة مضافة لحرف العطف: ثم، كما في نص "نسيان" (ص 25)؛
فقد قرأ، ثم فقد؛ فعلان متتابعان، متناقضان، يمحو الثاني الأول، وينفيه.
فصاحب الذاكرة الحادة غير قادر على التذكر، بل يُصاب بعلة النسيان.
وغالبًا ما تأتي القفلة في سطر خاص بها، مشكّلة فقرتها الخاصة، المخالفة لما يسبقها.
وقد صدق الناقد أحمد زنيبر حين قال في تقديمه للعمل:
«تجنح قصص القيشوري إلى خلق دهشة جمالية تستمد حضورها من طرق موضوعات شاسعة، عُبر عنها في جمل قصيرة وتعابير مركزة. هي بعض تقنيات الأقصوصة، حيث التكثيف، الحذف، البياض، الإشارة، والمراوغة البارعة، التي تفرض على المتلقي إعادة القراءة، إضافة إلى طريقة عرضها كتابيًا على صفحات المجموعة».
إن لغة الحوار ينبغي أن تكون حذرة، حتى لا يرتبك المعنى، ويختل توازن القارئ، مما يولد النفور. فبراعة المراوغة هي التي تبقيه حاضرًا ومتأملاً، بغاية الفهم وإعادة ترتيب عناصر الكتابة.
القصة تبرق في الغيم، أو في الغرب، أو في مكان لا تكون فيه توقعات القارئ صائبة، الأمر الذي يدفعه إلى إعادة القراءة من جديد للوقوف على أدوات اللعبة وتقنياتها، وتجديد قراءته لغاية التواصل مع النصوص، والتمكن منها بالقبض على آلياتها.
ولهذا، وصف الكاتب نصوصه بـالمشاكسة، بمعنى: غير المهادنة، وغير الوديعة؛ إنها تطمح إلى إرباك قارئها، وخلق زوبعة ذهنية لديه.
لنأخذ الأمثلة التوضيحية التالية:
1. "تراشق" (ص 18):
بداية النص غير نهايته، ذلك أن العديد من النصوص يمكن تقسيمها إلى قسمين: البداية والنهاية، تسير البداية باتجاه، والنهاية في الاتجاه المعاكس.
فإذا كانت النهاية تُولّد الخيبة لدى الشخصيات، فإنها تُخيب توقعات القارئ.
وهكذا، نجد الشخصية الأنثوية تسير وراء أريج الوردة إلى أفق السعادة، لتأتي النهاية قاصمة الظهر، حيث تحصل على الخيبة، فترى بأمّ عينيها معانقة العاشق الولهان لأخرى غيرها.
وهذا الفعل يؤكد –مع نصوص أخرى– العلاقة المتوترة بين الرجل والمرأة؛ فتلك من تيمات العمل القصصي، فضلًا عن قضايا أخرى كـالظلم، التسلط، والمعالجة الاجتماعية.
2. "عتاب" (ص 19):
الرجل ينظم قصيدة لحبيبته الافتراضية، ويهديها لها.
لكن، بدل أن تظهر الحبيبة شاكرة، ومعبرة عن حبها للرجل، تظهر الزوجة مؤنبة.
النص ينتقد الخيانة، ويلوم وسائط التواصل الاجتماعي التي سهّلت هذا السلوك المنحرف.
3. "غواية" (ص 20):
تظل قضية التفاحة والغواية قوية الحضور في نصوص القص الوجيز.
فالرجل يقضم التفاحة المهداة له بلذة، ليجد نفسه عاريًا.
والعُري نهاية غير متوقعة، لكن العنوان يمنح فرصة توقعه عمومًا، لكن ليس بقوة العُري؛ إذ العُري فضيحة مدوّية.
خلاصة الأمثلة السابقة:
يتضح أن النهاية غير البداية، وتخلق المفاجأة، وتُخيب التوقع، وتُربك القارئ، والدفع به إلى إعادة بناء النص من جديد.
وإذا كانت القفلة صادمة ومخيبة للتوقع، فإن الكاتب قد تفنّن في عرضها على صفحات المجموعة؛
فمرة تأتي الحروف مبعثرة، كما في نص "ليطمئن قلبي..." (ص 16)، إذ أتت مبعثرة، كل حرف استفرد بسطر، وما ذلك إلا للتعبير عن فداحة الفعل المرتكب؛ إنه الطلاق، أبغض الحلال عند الله.
فالزوجة تطلب برهان حب، حتى يطمئن قلبها، والجملة الأخيرة تناص صريح مع قول سيدنا إبراهيم، لكن الزوج خيّب رجاءها، فأتى بفعل مناقض، هو الطلاق.
هنا، ندرك أن حاسة الزوجة كانت صائبة؛ فلم تكن مطمئنة لنوايا زوجها، وعبرت عن ذلك بقولها المأخوذ من كلام الرسول إبراهيم عليه السلام، الذي جاءه الاطمئنان من الله سبحانه، لكن الزوجة بدل أن تحصل على ما تريده، تجني الخيبة والمرارة.
وقد تأتي جملة مضافة لحرف العطف: ثم، كما في نص "نسيان" (ص 25)؛
فقد قرأ، ثم فقد؛ فعلان متتابعان، متناقضان، يمحو الثاني الأول، وينفيه.
فصاحب الذاكرة الحادة غير قادر على التذكر، بل يُصاب بعلة النسيان.
وغالبًا ما تأتي القفلة في سطر خاص بها، مشكّلة فقرتها الخاصة، المخالفة لما يسبقها.
وقد صدق الناقد أحمد زنيبر حين قال في تقديمه للعمل:
«تجنح قصص القيشوري إلى خلق دهشة جمالية تستمد حضورها من طرق موضوعات شاسعة، عُبر عنها في جمل قصيرة وتعابير مركزة. هي بعض تقنيات الأقصوصة، حيث التكثيف، الحذف، البياض، الإشارة، والمراوغة البارعة، التي تفرض على المتلقي إعادة القراءة، إضافة إلى طريقة عرضها كتابيًا على صفحات المجموعة».