مفهوم رشيد بوطيب - التواصل في الفلسفة : من الحقيقة إلى الاختلاف ( هابرماس و لوهمان)

لا غرو أن التواصل هو المفهوم الأكثر مركزية في علم الاجتماع الألماني المعاصر. إنه يمثل بالنسبة إلى هابرماس ونيكلاس لوهمان نقلة براديجمية. أو نقلة تواصلية، يعني ذلك أن مفهوم التواصل أصبح ضروريا من أجل وصف وتشريح البناء الاجتماعي.

وقد تحقق مفهوم التواصل كنظرية علمية بداية مع الأمريكي جورج هربرت ميد ونظريته عن التفاعل الرمزي. إن ميد دافع عن فكرة أن التواصل هو المبدأ المؤسس للمجتمع. وهو يفهم التواصل كتدخل للآخر في تكوين وبناء الأنا أو الهوية. إن الأنا بالمعنى الترنسندنتالي، المكتفي بذاته، لا مكان لها في عالم التواصل. والوعي في نظره إمكان وليس بناء قبليا. فلا تحقق للوعي خارج التفاعل الاجتماعي، خارج التواصل، وفي استقلال عن بقية أعضاء المجتمع. وإذا انتقلنا إلى علم الاجتماع الألماني، فإننا سنلاحظ بأنه ينقسم إلى مدرستين، مدرسة هابرماس، الأقرب إلى الروح الكانطية، ومدرسة نيكلاس لوهمان، التي انفصلت نهائيا عن المثالية الألمانية، والتي تقترب في طروحاتها من مدرسة ما بعد الحداثة الفرنسية.

1- هابرماس: نظرية الإجماع

يربط هابرماس الحقيقة بالعقل، رافضا الطرح الميتافيزيقي وطرح العلوم الحقة أيضا. فالحقيقة في نظره، لا تتأسس انطولوجيا، وليست هبة التجربة، وإنما تتأسس على العقل، وتهدف إلى الإجماع. "العقل هو المرجعية الأخيرة للمفكرين و الممارسين والمتكلمين من البشر في الواقع اليومي كما في العلم"

[1]، عقل ليس بمفهوم المثالية الألمانية. عقل لا يعيش خارج التاريخ، بل كما بين ذلك هابرماس في كتابه "الفكر مابعد الميتافيزيقي":"الوعي الترنسندنتالي يجب أن يحقق نفسه في الواقع، عليه أن يتحول إلى كائن تاريخي من لحم و دم"[2] .مع هابرماس ستعيش الفلسفة تحولا براديجميا Paradigmenwechsel. الفلسفة كنظرية للعقلانية، عليها أن تحصن مفهومها المركزي، الذي هو العقل. ولن يتم ذلك إلا بالتحول من فلسفة للوعي إلى فلسفة للغة. بذلك فقط تتحول إلى عقل عبر / ذاتي يعيش داخل مجتمع، متحررا من كل شطط انطولوجي. وقبل أن يشرع هابرماس بشرح هذا العقل عبر/الذاتي، يبدأ أولا، في بحثه المهم "نظريات الحقيقة"[3]، بنقد وتشريح الفلسفة التحليلية أو بنقد نظريات الحقيقة لدى المدرسة التحليلية، هذه المدرسة التي هدفت إلى تجاوز الميتافيزيقا. ففي نظرها، وكما صاغ ذلك بيتر يانيش : "الحقيقة هي جملة (عبارة لغوية)/حقيقة و ليست وجود/حقيقة"[4]، ولهذا سمي هذا الاتجاه بالنقلة اللغوية Linguistic turn. نظرية هابرماس في المقابل نقلة برجماتية، نظرية للتواصل أو نظرية عبر-ذاتية للحقيقة، تجد أصلها في سيميائية بيرس. وبحسب هذه النظرية، الحقيقة ترتبط صميميا بالإقناع والإجماع والتواصل. يبدأ هابرماس نقده للفلسفة التحليلية بطرح السؤال التالي : ما الذي يمكن أن نقول عنه بأنه صحيح أم خاطئ؟

جواب طارسكي: الجمل (العبارات اللغوية). أما أوستن فيرى بأنها المزاعم وليست الجمل، ويشرح هابرماس رأي أوستن، حيث يوضح أنه بإمكان المرء أن يستعمل الجملة الواحدة للتعبير عن مزاعم مختلفة، كما يمكنه أن يعبر عن زعم واحد بجمل كثيرة. ولكن هابرماس يوضح كيف أن المزاعم لا تحقق شرط الثبات، لأنها ترتبط بزمن محدد. إذ إنها يمكن أن تصدق في زمن معين ولا تصدق في زمن آخر. الحقيقة في نظر هابرماس ذات طبيعة لا زمنية. هابرماس شأنه في ذلك شأن ستراوسن يرى أن المقولات هي التي تقبل الخطأ أو الصواب. ثم ينتقل بعدها لنقد نظرية الحشو. رامسي منظر هذا الاتجاه، يرى أنه حين نزعم مثلا أن ب صحيحة، فإن الوصف أو الكلمة "صحيحة" مجرد حشو، لأنها لا تعني شيئا آخر سوى ب نفسها. إن العبارة:"إنها صحيحة" منطقيا زائدة. وينتقد هابرماس هذا الرأي في نقطتين:

أولا: إن نظرية الحشو تهمل أن الإعلان بأن ب صحيحة، تعني أن ادعاء/صحة Geltungsanspruch قد أعلن. فحين نقول: ب فقط، ولا نقول شيئا بحقها، لا نزعم شيئا.

ثانيا: هابرماس يميز بين الفعل Handlung والخطاب Diskurs. فالأفعال تتضمن ادعاءات الصحة في المقولات وتعترف بها. بعد تناول وجبة طعام جيدة، نقول:"الحمد لله". كلمة "الله" هنا تخبر بأن الطعام كان جيدا أو مشبعا، أما حقيقة "الله" في هذا السياق، فهي ليست موضع سؤال. في الخطابات بعكس ذلك، تصبح ادعاءات الصحة إشكالية. هنا لن نتبادل الأخبار أو المعلومات، بل سنبرهن إذا ما كانت كلمة "الله" حقيقة أم خطأ. معنى هذا الكلام أو هذا المثال بالذات، أنه في مجال الأفعال، القول أو الإعلان بعد وجبة طعام دسمة:"الحمد لله الحقيقي"، كلمة "الحقيقي" في هذا السياق مجرد حشو. لكن في مجال الخطاب تصبح هذه الكلمة أو هذا الزعم ضروريا وليس حشوا. ويلخص هابرماس نقده لنظريات الحقيقة في أربع نقط:

أولا: أن نظرية الحقيقة كإجماع (نظرية هابرماس)، ترى أن الحقيقة والصحة ادعاءات صحة تنتمي إلى الخطاب، من دون أن تنكر الاختلافات المنطقية بين الخطابات النظرية والتطبيقية. ولكن نظرية الحقيقة الميتافيزيقية توضح صحة القضايا التطبيقية بالطريقة نفسها التي توضح بها القضايا النظرية. في المقابل ينكر التيار الوضعي إمكانية الحديث عن الحقيقة في المجال التطبيقي.

ثانيا: أن نظرية الإجماع تفرق بين الأنظمة التي تتكون من تجارب ومعلومات وأفعال وبين الخطابات التي لا بد من البرهنة على صحة ادعاءاتها، في حين تخلط نظرية الحقيقة الترنسندنتالية بين شروط التجربة وشروط الخطاب أو الاستدلال.

ثالثا: تفرق نظرية الإجماع بين ادعاءات الصحة عبر/ذاتية واليقينيات الذاتية. في حين تقوم بعض نظريات الحقيقة، نظرية التوافق مثلا، على يقين ذاتي.

رابعا: نظرية الإجماع تفرق بين ادعاءات الصحة التي تنتمي إلى الخطاب الاستدلالي وتلك التي لا تنتمي إلى هذا الخطاب. في حين تخلط بعض نظريات الحقيقة بين الاثنين.

إن هابرماس ينتقد بالخصوص الخلط بين الموضوعية والحقيقة، وبين ادعاء الصحة واليقين الذاتي. إنه يرى أن الحقيقة تنتمي إلى عالم الأفكار وليس إلى عالم الإدراك الحسي. في حين أن كلتا النظريتين، الترنسندنتالية والأمبريقية تنظر إلى الحقيقة كإدراك حسي. إن الموضوعية تنتمي حسب هابرماس إلى مجال الأفعال والتجارب، في حين تنتمي الحقيقة إلى مجال الخطاب الاستدلالي. وضدا على الخلط بين ادعاءات الصحة واليقينيات الذاتية، يعلن هابرماس بأن الحقيقة ليست علاقة تطابقية، ليست منطقا توافقيا. إنها عقل واستدلال. لكن ما هي العلاقة التي تنسجها الحقائق التي نزعمها مع مواضيع تجربتنا؟ الحقائق هي ادعاءاتنا التي نزعم أنها صحيحة، أما المواضيع فهي تنتمي إلى العالم، ونظرية التوافق أو التطابق خلطت بين الحقائق والمواضيع. إنها تقول بأن ادعاءات الصحة يجب أن تتوافق مع الحقائق. تبدو الحقائق في مثل هذه النظرة، شيئا واقعيا، جزءا من العالم، مواضيع. إن هابرماس ينتقد هذه النظرة قائلا:"إن نظرية التوافق تحاول بلا جدوى الخروج من المجال المنطقي/اللغوي الذي بداخله فقط يمكن أن نوضح حقيقة فعل لغوي"[5]. إن الحقيقة كما يفهمها هابرماس، قول لا واقع، استدلال وليست تجربة.

ونتيجة للتفاعل النقدي مع النظريات اللغوية والبرجماتية، وصل هابرماس إلى اكتشاف ادعاءات الصحة، التي بحسب نظرته تقوم عليها كل الأفعال التواصلية. إنه يدافع عن فكرة وجود أربع ادعاءات للصحة، وهي كالتالي: المفهومية، الحقيقة، الصحة، الصدقية.

الحقيقة والصحة هي ادعاءات صحة تنتمي إلى الخطاب الاستدلالي، في حين لا تملك المفهومية والصدقية طابعا استدلاليا، ولكن طابع الفعل. ثم ينتقل هابرماس للتمييز بين اليقينيات المبنية على التجارب الذاتية (اليقينيات الذاتية) وادعاءات الصحة، حيث يرى أن هذه الأخيرة عبر/ ذاتية، يمكن التحقق منها، في حين أن اليقينيات الذاتية فردية وذاتية. وهذه اليقينيات المرتبطة بالتجربة الشخصية تنقسم إلى ثلاثة: فهناك اليقين الاعتقادي المرتبط بالتجارب التواصلية والذي يرتكز على ادعاء الصدقية، واليقين غير المحسوس الذي يرتبط بفعل الفهم والذي يرتكز على ادعاء المفهومية، ثم اليقين المحسوس الذي لا يتضمن أي ادعاء/ صحة. بعد ذلك ينتقل هابرماس للتمييز بين الصحة والحقيقة. إن الاثنين معا من نوع ادعاءات صحة استدلالية، لكن هل يعني هذا بأن البرهنة على صحة معيار تشبه طريقة البرهنة على حقيقة قول معين؟

ويسرد هابرماس جوابين من تاريخ الفلسفة على هذا السؤال: الجواب الأول قدمه القانون الطبيعي الكلاسي، الذي رأى بأن المعايير الصحيحة هي أيضا مقولات حقيقية. والجواب الثاني قدمته الاسمية والإمبريقية والتي ترى أن المقولات المعيارية غير حقيقية. إن هابرماس يفرق بين الحقيقة و الصحة قائلا:"ادعاء صحة فعل لغوي تقريري يرتبط بمواضيع التجربة و الحقائق. أما ادعاء صحة معيار معروف، فهو في حدّ ذاته موضوع تجربة أو حقيقة"[6]

ان المعايير متضمنة في الفعل اللغوي. فحين يقول المرء:"الكذب خطيئة"، لا يزعم شيئا. إنه يعبر فقط عن حكم أخلاقي معروف. ولهذا يوضح هابرماس لماذا نستعمل حين الحديث عن معايير أخلاقية جملة:"يجب أن تفعل.." وليس جملا تقريرية.

وسيدافع هابرماس -دائما في بحثه "نظريات الحقيقة"- عن نظرية الإجماع ضد اعتراضين. الاعتراض الأول يمس نظريات الحقيقة البرجماتية، والذي يرى أنه لا يجب الخلط بين الحقيقة وبين مناهج تحصيل المقولات الحقيقية.

لا غرو أن نظريات الحقيقة البرجماتية تقوم على مبدأ المفهومية أو التفاهم بين المتكلمين الفاعلين. وأن الفلسفة الرجماتية ترتكز على مبدأ النفعية. إن هابرماس وكما رأينا، لا ينكر حضور مبدأ المفهومية بادعاءات الصحة العامة. ولكن يرى أن فلسفته لا تقوم على مبدأ النفعية. ولهذا يفرق بين تحصيل حقيقة، وهو إجراء ينتمي إلى مجال الأفعال، وبين الحقيقة التي تنتمي إلى مجال الخطاب أو الاستدلال.

أما الاعتراض الثاني فإنه يرى أن الإجماع، الذي لا يعني شيئا آخر سوى الاتفاق على رأي معين، لا يمكن أن يكون مقياسا للحقيقة. إن هابرماس لا ينكر فكرة الاتفاق ولكنه لا يرى في الاتفاق أو التوافق على رأي معين، مقياسا للحقيقة ولكن هدفا لادعاءات/الصحة الاستدلالية. إن الحقيقة في هذه النظرة تهدف إلى الإجماع ولكنها تقوم على الاستدلال أو هي الاستدلال نفسه.

بعد ذلك يقدم هابرماس تعريفا لمنطق الخطاب، ويقول:"إن منطق الخطاب هو منطق برجماتي يبحث في المميزات الصورية للسياقات الاستدلالية"[7]

يتضمن هذا التعريف نقطتين أساسيتين:

أولا: إننا أمام منطق برجماتي. وهذا المنطق يتكون من إجراءين: الاستدلال والإجماع.

ثانيا: هذا المنطق البرجماتي يمثل قطيعة مع الفلسفة التحليلية. إننا نقف أمام ابستمي عبر/ ذاتي، حيث الإجماع له الكلمة الأخيرة.

ثم ينتقل هابرماس للحديث عن ظروف الكلام المثالية والتي يمكن أن نلخصها في كلمتين: المساواة في الفرص. أن يكون للمتكلمين الفاعلين نفس الحرية في التواصل والاستدلال وفي وضع كل شيء موضع سؤال، وفي التعبير عن أفكارهم وأحاسيسهم، بحيث إن حرمان بعضهم من امتياز معين، من شأنه أن يضع عقبات أمام التواصل، وبالتالي أمام الحقيقة؛ لأن الحقيقة تبنى على الاستدلال وليس على القهر، لأنها ضد صناعة الوعي واستعمار الواقع.

ولكن ألا ترتكز نظرية الإجماع على مقاييس للحقيقة ثابتة وقبلية؟ أليست هذه النظرية احتفاء بسلطة العقل؟ ألا تشيد ميتافيزيقا جديدة أو أمرا حمليا على الطريقة الكانطية؟ ولماذا يتوجب على الحقيقة أن تهدف إلى الإجماع؟

إن الخطاب في نظر هابرماس، استدلال. وعن طريق الاستدلال فقط نحقق الإجماع. استدلال يقوم على مبدأ سواسية الفرص. و إذا تأملنا لغة هابرماس: الإجماع، الاستدلال، الصدقية، سواسية الفرص... سنكتشف بسهولة أننا أمام نظرية آخرية، متحركة ومفتوحة. نظرية يمكن أن نلخصها في كلمة واحدة: الديمقراطية. إننا أمام فلسفة عبر/ ذاتية، يلعب فيها العقل دورا إجرائيا فقط. ومع ذلك فقد تعرضت هذه النظرية لنقد حاد في الفكر الألماني المعاصر، وعلى رأس منتقديها، عالم الاجتماع الكبير نيكلاس لوهمان.

2- نيكلاس لوهمان: التواصل وموت الذات

يرى لوهمان في كتابه المركزي:"الأنظمة الاجتماعية"[8] أن التواصل لا يجب أن ينبني على مبادئ انطولوجية، كما يرى أن التواصل لا يهدف إلى الإجماع. إن التواصل حسب هذه الرؤية ليس لعبة ذاتية وإنما لعبة تقوم على الاختلاف بين المعلومة والتوصيل. إن لها هدفا واحدا، وهو التواصل نفسه، الذي ينتج الإجماع كما ينتج الاختلاف. فالإجماع حسب لوهمان لا يمكنه تجاوز عوامل الإزعاج والاضطراب. في حين أنه بمساعدة التواصل قد نصل إلى فهم ما هو غير منتظر وغير مرغوب فيه. لوهمان يرفض أن يقوم التواصل على العقل. بدل ذلك يرى أن عليه أن يقوم على الصراع أو ما يسميه بالاستقرار الدينامي، فالصراعات في نظره تحافظ على مرونة النظام وقابليته المستمرة للتعلم.

ويتساءل لوهمان في كتابه عن العنصر المؤسس لهذه النظم، هل هو الفعل؟ أم التواصل؟

إن التواصل لدى نيكلاس لوهمان ليس فعلا، وصيرورة التواصل ليست سلسلة من الأفعال. إن التواصل ليس مجرد فعل إخبار، بل هو حاصل تفاعل العناصر الثلاثة: الإخبار والخبر أو المعلومة والفهم. إنه اختلاف وليس بفعل. ورغم ذلك فإن الفعل يظل عنصرا أساسيا في تكوين التواصل، إنه فعل إعادة إنتاج للنظام. لذلك فلوهمان يعتبر أنه ليس خطأ أن نفهم التواصل كفعل ولكنه فهم مع ذلك، أحادي البعد. إن التواصل في تصوره هو الوحدة الأولية للتأمل الذاتي والوصف الذاتي للأنظمة الاجتماعية.

إن السياق التواصلي هو بذلك عنصر ضروري للفعل الاجتماعي. هذا الجواب يمثل في حد ذاته، من جهة تجاوزا لأنطولوجيا ماكس فيبر الاجتماعية، والتي ترى أن وحدة العناصر معطاة مسبقا، فيبر الذي يرى أن وحدة الفعل تجد مصدرها في الشعور الاجتماعي للفاعل. ومن جهة أخرى يمثل هذا الجواب تجاوزا لتالكوت بارسنز الذي فهم النظام الاجتماعي كبناء تحليلي يقوم على الفعل، وعن طريق الفعل تدلف الذات إلى النظام..

إن نظرية لوهمان عن البناء الذاتي هي أيضا نظرية المرجعية الذاتية بامتياز. فوحدة النظام لا تتأسس أنطولوجيا. إنها هبة التواصل، نتاج عمليات النظام نفسه. فهي لا تقوم على شعور الفاعلين وليست نتاج أبنية ومعايير معطاة مسبقا، بإمكانها أن تحكم النظام وتتحكم بمساره. نظرية تنتقل من الوحدة إلى الاختلاف، تتجاوز مفهوم الهوية، إنها موت للذات. إن الإنسان في هذه النظرية لا ينتمي إلى النظام ولكن إلى البيئة المحيطة. النظام مستقل عن كل ذات. في البدء كان الاختلاف وليس الهوية و"حين يدخل المرء إلى عالم التواصل، يتعذر عليه نهائيا العودة إلى جنة الأرواح البسيطة"[9]

إن فرضية لوهمان ترفض كل شكل من أشكال الثنائية الميتافيزيقية. فبدل الحديث عن التمييز: الذات/الموضوع، يتحدث لوهمان عن نظرية النظام/المحيط. نظرية هي نتاج للعلوم الحقة، التي تفهم االمرجعية الذاتية للعالم كوصف للوجود وليس تذويتا أو أمثلة للموضوع. إنها نظرية تهدف إلى تأسيس فهم لا ـ أنطولوجي للواقع.

ويستند لوهمان، من أجل شرح مفهوم التواصل، إلى قراءة دريدا لفلسفة اللغة الهوسرليانية. إن الاختلاف بين الإخبار والخبر يقابله عند هوسرل الاختلاف بين الدليل والعبارة. وقد استحوذت على اهتمام هوسرل العبارة وليس الدليل، لأن العبارة وعي وليست لغة، أو لأنها تنتمي إلى مجال الوعي. ويرى لوهمان أن أولوية العبارة على الدليل لدى هوسرل تقوم على فهم ناقص لواقع التواصل. وقد عبر بيير تروتينيون على نفس الفكرة، بلغة أخرى، حين اعتبر فينمينولوجيا هوسرل ميتافيزيقا أو "ميتا منطق"[10] ، لأنها تعتقد بأن المنطق وليس الطبيعة هي التي تؤسس الحقيقة العلمية. إن الأنا الترنسندنتالية في فلسفة هوسرل، هي مصدر كل الدلالات. ويرى لوهمان أن دريدا سيعمد إلى استبدال المركزية الذاتية والبناء الترنسندنتالي لفلسفة هوسرل، بسيميولوجيا قائمة على الاختلاف، ويرى بأن ذلك يساعد على فهم الاختلاف بين الإخبار والخبر في العملية التواصلية. إن دريدا يدافع عن الدال ويرفض الأنطو-تيولوجيا الفنيمينولوجية، التي تحط من قدر الدال. إن الدال في نظره، هو لا مركزة للأنا وللمعنى وأيضا للوجود. إنه يقول في كتابه "الصوت والظاهرة"[11] بأن العبارة لدى هوسرل تجسيد شعوري. إنها تعبر عن معنى يسكن الوعي الإنساني، إن العبارة في غياب الذات، غير ممكنة التحقق، وكل ما لا ينتمي للوعي، لا مكان له في العبارة. إن الدال بالنسبة إلى دريدا، مثل المرجعية الذاتية لدى لوهمان، تجاوز للذات وتأصيل للاختلاف.

إن التواصل كعملية إرسال هو علاقة عمودية. وكل ما هو عمودي، هو انطولوجي. لأنه يتضمن سلطة معينة، لأنه يتناقض والاختلاف. وغالبا ما يفهم التواصل كعملية إرسال، إرسال لمعلومة من طرف المرسل إلى المرسل إليه. إن لوهمان سيتخلى عن مفهوم الإرسال هذا، لأنه ذو بنية انطولوجية، ذلك أنه "يوحي بأن المرسل يبعث بشيء لا يملكه المرسل إليه"[12]. إن سلبيات هذا الفهم، يلخصها لوهمان في ثلاثة:

أولا: إن التواصل هو في هذا المعنى: إخبار.

ثانيا: أنه يخفي فكرة الهوية بين أحشائه. ذلك أن المرء يعتقد أن المعلومة التي يبعث بها المرسل إلى المرسل إليه هي واحدة بالنسبة إلى الاثنين.

ثالثا: أن التواصل في هذا المعنى عملية مزدوجة. ذلك أن المرسل يخبر المرسل إليه بشيء ما.

إن التواصل بحسب لوهمان هو العنصر الأخير للأنظمة الاجتماعية. إنه العملية التي تنتج عناصر هذه الأنظمة. وهي ليست بعملية مزدوجة. فالتواصل لا يقوم على الإرسال والاستقبال. إنه مركب من ثلاثة عناصر أو اختيارات Selektionen: الإخبار، والمعلومة، والفهم. ويفرق لوهمان بين المعلومة والإخبار، فالمعلومة هي معالجة اختيارية للاختلافات. إنها ليست إرسالا. فالأنا لا تمتلك المعلومة، والآخر لا يتوصّل بها. إنها نتاج للعملية التواصلية. والإخبار، كما رأينا أحد المكونات الثلاثة للتواصل، ولكن ليس أهمها. ولكن فقط حين يكون هناك إخبار تصبح للمعلومة قيمة داخل العملية التواصلية. إن المرء يتحدث عن التواصل، حين تفهم الأنا أن الآخر قد أخبرها بمعلومة.

ويعتبر الفهم المكون الثالث للتواصل. إنه لا يعني أكثر من تحقق للإخبار والمعلومة. وحتى لو كان هناك سوء تفاهم، فإن الفهم لا يتأثر بذلك، إذ ليس من الضروري أن يكون هناك توافق بين المعلومة والإخبار، بل اختلاف. والمعلومة تنتمي إلى عالم معنى Sinnwelt، والأنا والآخر هما أيضا جزءان من هذا العالم المعنى، إنهما لم يخلقا المعلومة. إن الفهم في هذه الرؤية يتأسس على التواصل وليس على الوعي. والتواصل لا يتحقق إلا إذا كان من الممكن ملاحظة وفهم الاختلاف بين المعلومة والإخبار بها. إن الفهم في النهاية، لا يحقق فقط تواصلا معينا، بل يفتح الباب لعمليات تواصلية أخرى.

خلاصة:

في الفصل الرابع من كتابه السابق الذكر، ينتقد لوهمان نظرية الإجماع، ويرى بأن على التواصل أن يكون قادرا على إنتاج اللاانسجام أيضا. فالتواصل ليس انطولوجيا، ولا يقوم على أسس أنطولوجية، وهو لا يريد أن يؤسس للإجماع. إن له هدفا واحدا وهو التواصل نفسه الذي يتضمن وينتج الإجماع والشقاق معا. فليس بإمكان الإجماع أن يتجاوز عوامل القلق ولا أن يفهم ما هو طارئ، بعكس التواصل. إن التواصل لدى هابرماس يقوم على العقل. فالعقل هو أساس التفكير والفعل والكلام. أما لوهمان فإنه يدافع عن نوع من الاستقرار الدينامي، عن الصراع؛ لأن الصراع يسمح للنظام بأن يظل مرنا ومفتوحا. إن التواصل هو دعوة إلى الاحتجاج وليس إلى القبول والتسليم. إنه تجاوز لمنطق الهوية وتأكيد للاختلاف. إن المرء لا يفكر، إنه يتواصل!

[1] Habermas, Jürgen „Nachmetaphysisches Denken“

[2] Habermas, Jürgen „Nachmetaphysisches Denken“ Suhrkamp.S.9

[3] In „Wirklichkeit und Reflexion“ Pfülingen(

[4] Janich, Peter“Was ist Wahrheit“ Beck 1996.S.9

[5]-Wahrheitstheorien S.216

[6]- نفس المرجع، ص.235

[7] - نفس المرجع، ص.241

[8] Luhmann, Niklas „Soziale Systme“ Suhrkamp 1987

[9] نفس المرجع، ص.207

[10]- Besnier, Jean-Michel“Histoire de la philosophie

moderne et contemporaine » Grasset 1993.p.484

[11]- Derrida, Jacques „La voix et le phénomène“PUF 1967
[12]- Soziale Systeme.S.193)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...