شهادات خاصة عبدالرحيم التدلاوي - شهادة في حق الأستاذ المبدع سي محمد فري

في بداياتي مع الكتابة والنشر، وجدتُ نفسي أنشر أولى محاولاتي في منتدى دفاتر، فهو أول فضاء إلكتروني عرفته، وهناك وجدتُ ترحيبًا دافئًا وتشجيعًا صادقًا من مشرفي صفحة الإبداع وقرّائها. ومن بين الأسماء التي بقيت محفورة في ذاكرتي: محمد محضار ونور الدين فاهي، الذين لم يبخلوا بتشجيعي ودعمي.

في ذلك الفضاء، كنت أتابع باهتمام نصوص الأستاذ محمد محضار، ولاحظت أنه كلما نشر نصًا، أرفقه بقراءة نقدية عميقة، يشير فيها إلى منتدى آخر يطرق اسمه سمعي وبصري لأول مرة: منتدى مطر. وكنتُ أرى اسمين يتكرران في قراءاته النقدية: محمد داني ومحمد فري.

ظللتُ فترةً أتردد بين الفضول والتهيّب، أفتح صفحة التسجيل في منتدى مطر ثم أُغلقها، إلى أن جمعتُ شجاعتي وأكملتُ عملية الانتساب، فوجدتُ في استقبالي نصوصي المدير العام نفسه: الأديب المبدع والناقد والقاص سي محمد فري. استقبلني بترحاب قلّ نظيره، ووجدتُ إلى جانبه الأستاذ محمد داني الذي أتحفني بقراءات نقدية حفزتني على التطور والمراجعة. ومع الوقت، صار سي محمد فري أكثر من مدير للمنتدى؛ كان أخًا وصديقًا وأستاذًا موجّهًا، لم يبخل يومًا عليّ بتوجيهاته السديدة.

كنتُ أراسله كما أراسِلُ الأستاذة سعاد بن أخي، فكانا معًا يردان على رسائلي بما ينفعني ويقوّم تجربتي ويشجعني على الاستمرار. ولولا هذا النهج التربوي الراقي، الذي يجمع بين النقد والنصح والتشجيع، ربما كنتُ ابتعدتُ عن الكتابة تمامًا. لكنّ أخلاق مشرفي منتدى مطر الرفيعة جعلتهم يتبنّون أسلوب التوجيه والتكوين، خاصة وأن الانتساب للمنتدى لم يكن مفتوحًا للجميع، بل يشترط على الراغب في التسجيل أن يرفق طلبه بنصوص أدبية، حفاظًا على مستوى المنتدى الذي ظل بيتًا للمبدع العربي الجاد.

بصدق، سي محمد فري كان أستاذًا استثنائيًا، منحني من وقته واهتمامه الشيء الكثير، فكان أحد أهم أسباب استمراريتي. ولم يكن وحده، بل وجدتُ إلى جانبه أسماء كبيرة أمثال سي السقال رحمه الله وأخاه، وسي الشليح، شقيق الشاعر المغربي الكبير مصطفى الشليح، الذي شرفني بترجمة بعض نصوصي إلى الفرنسية، وهو أمر ترك في نفسي أثرًا بالغًا.

طوال سنوات، بقيت علاقتي بسي محمد فري افتراضية، إلى أن شاء الله أن ألتقيه وجهًا لوجه في اللقاء الأول لمنتدى مطر بالدار البيضاء. وهناك، اكتشفتُ فيه الإنسان الراقي، والأديب اللامع، والصديق النبيل. كان اللقاء حافلًا بالود، وأهداني يومها نسخة من مجموعته القصصية، أول هدية أتلقاها من مبدع. وتوالت لقاءاتنا بعد ذلك في بزو ومكناس ومولاي إدريس زرهون، وفي كل مرة، كان يؤكد لي أنه رجل متواضع من طينة الكبار، يجمع بين النكتة الراقية والبساطة الأخّاذة.

وأود أن أعترف هنا بحادثة مؤسفة حصلت عن طريق الخطأ حين فتحت حسابي الأول على الفيسبوك، إذ كنتُ أجهل الكثير من التقنيات، وضغطتُ يومًا على أيقونة لم أفهمها، ففتحت في وجهي نافذة تطلب مني أسباب الإبلاغ والتنبيه، فوجدتني مرتبكًا، وحاولتُ التراجع، لكن يبدو أن إدارة الفيسبوك سجّلت الحدث، ولا أعلم إن كان ذلك قد تسبب في أي إزعاج لصفحة أستاذي وصديقي سي محمد. بقيتُ مترددًا في إخباره بالأمر، لكني حين التقيته بعد ذلك، فضّلت السكوت بعد أن أدركتُ أن الأمر مجرد خطأ تقني غير مقصود.

ومع ذلك، بقي سي محمد فري كما عهدته، نبيلًا، ناصحًا، موجّهًا، مشجعًا. ومن أروع خصاله في اللقاءات الأدبية صبره الجميل، فقد كان يتابع كل المشاركين حتى آخر لحظة، بخلاف بعض الذين ما أن ينتهوا من إلقاء نصوصهم حتى ينصرفوا دون اكتراث لما يليهم، وهي خصلة تربوية تمنيتُ أن أكتسبها، لكني أعترف أنني لم أنجح دائمًا.

سي محمد فري أديبٌ بأخلاق سامية، وصديق أعتز بصداقته وأخوته، وأستاذ أعترف بفضله عليّ وعلى جيلي من الكتاب، بما أسداه من نصح وتوجيه واحتضان إبداعي. أسأل الله أن يمد في عمره، ويمتّعه بالصحة والعافية، ويجزيه خير الجزاء عن كل ما قدّمه لهذا الجيل وللثقافة المغربية والعربية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...