ومضة هايكو
الشاعر : فتحي مهذب
الشاعرُ التونسيُّ صديقنا المدهشُ فتحي مهذبي Fathi Mhadhbi
يدهشني في كثيرٍ من نصوصه ، و اليوم سأعلق على إحدى ومضاته الباهرة
1- النصُّ :
رفقاً ، يا حطّابُ
كمْ أوجعَتْ ضرباتُ الفأسِ
عظامَ الأسلافِ
2 - التعليقُ :
ومضةُ هايكو عميقةٌ جداً ، يبدؤها بالإنشاءِ ، في جملتينِ متلاحقتين : " رفقاً ، يا حطابُ.."
و الإنشاء عموماً مؤشرٌ إلى انفعالِ المتكلم ، فهو في حالة توترٍ شعوريٍّ إزاء حدثٍ ما .
يبدو لي أن الحطابَ هنا معادلٌ موضوعيٌّ للموت ، و معلومٌ أنّ الهايكو يعتمد هذه التقنية ، بل قد لا نبالغ إذا قلنا :
إن تي سي إليوت و عزرا باوند استلهما فكرة المعادل الموضوعي من الهايكو.
يقوي هذا التاؤيل أنه طلب من الحطاب الرفقَ لا الكفَّ المطلقَ ، ذلك أن هذا الحطاب " الموت " يقومُ بعملٍ حتميٍّ لا جدال فيه ، فطلبُ الكفّ هنا سفسطةٌ لا قيمة لها.
و ترك الحطاب في النداء نكرةً مقصودةً " يا حطابُ " ، وفيه أقرأ أن الموتَ معروفٌ بالعمومِ مجهولٌ بالخصوصِ ، فنحن نعلم أننا سنموت و لكننا نجهل كيفية و زمكانية الموت.
في السطر الثاني يفاجئونا مهذبي بأنّ موضوعَ الحطبِ هو : عظام الأسلاف لا جذوع الأشجار كما هو متوقع...
و جمالية الشعرُ تكمن في خيبةِ التوقعِ هذه ، وهو في هذه الجزئية " عظام الأسلاف " يفتح كوةً على عالمٍ من المعرفةِ و الجدل الفلسفيّ و اللاهوتيّ ، حيث تقفزُ إلى الذهن فورَ قراءته حزمةٌ من المعلومات :
أ- بيت المعريّ الشهيرُ :
" خففِ الوطءَ ..
ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هذه الأجسادِ "
تبدو النظرة هنا شاعريةً ، و لكنها تتعمق أكثرَ إذا نظرنا إلى المسألة علمياً
ب - من وجهة نظر علمية :
- تعتبرُ فرضية الانفجار الكوني العظيم - كأصل لنشأة الكون - اكثر النظريات قبولا في المؤسسات العلمية ، فالكونُ - وفقها - نشأَ من انفجار هائل لجسيمٍ متناهٍ في الصغرِ حجماً ، و سار في عملية توسعٍ منضبطة بدقة هائلةٍ ، و لازمُ القول أننا جميعا أنا و أنت و الشمس و الحصان كنا في ذلك الجسيم الصغير كمكونات .
- تعتبر نظرية الأوتار الفائقة من أهم النظريات التي تلامس مما يتألف الكونُ ، فالكون مؤلف من أوتار من الطاقة الفائقة " هي اللبنة الأساسية لبناء الكون " ، فأنا و أنت و الحجر و الضوء عبارة عن حزم هائلة من أوتار الطاقة ، و هنا يحضرني رأي إنشتاين بأن المادة طاقة تنتظر التحرر ، و أن الطاقة مادة متحررة
- بناء على ماسبق : فنحن بعد موتنا و مرور مئات ألوف السنين سنعود إلى نسيج الكون أوتاراً من الطاقة الفائقة ، يمكن أن تدخل في تركيب مكونات جديدة لهذا الوجود ، يمكن أن يذهب جزء منك إلى حجر ، و جزء إلى شجرة و هكذا ..
- هذا الوجع الذي تحس به الأشجار " عظام الأسلاف " يطرح سؤالاً حول خصوصية الوعي لدى الإنسان أو عمومية الوعي في الوجود ، بمعنى أن الكون مضمخ بالوعي ، وهو ما يطلق عليه فلسفياً " روحنة المادة " ، هنا أتذكر نظرية التناسب بين التعقيد و الوعي للفيلسوف و اللاهوتي اليسوعيّ و الإحاثيّ " تيار دو شاردن " ، فهو يرى أن كل ذرة في الوجود تختزنُ قليلاً من الوعي ، و بحسب تعقيد بنية الكائن يكون مستوى وعيه ،
و أنا على المستوى الشخصيّ أميل لتصديق هذا الافتراض ، و خصوصاً أن عالم النبات " كليف باستر " قام بتجربة مهمة حيث هدد نبتة بأن يحرقها بعد أن ربطها بمستشعرات جهاز كشف الكذب " البوليغراف " فلاحظ تحرك الموشرات كدليل على انفعال النبتة ، مما حدا ب " الفريد شتلتر " أن يقول :
" حتى النبات يصرخُ ، و يصاب بالإغماء "
مهذبي في هذه الومضة يحملنا إلى طبقات من التاويل ، فهو من جهة يشي بالوحدة الوجودية ، و بالرفق بكائنات الوجود بوصفها أشقاءنا و شركاءنا في الوعي و الوجدان ، كما يلمح إلى ما يتركه الموت من ألم في نفوسنا وهو يختطف منا ٱباءنا و يهزّ فأسه فوق رقابنا
# عيسى الجميل #
الشاعر : فتحي مهذب
الشاعرُ التونسيُّ صديقنا المدهشُ فتحي مهذبي Fathi Mhadhbi
يدهشني في كثيرٍ من نصوصه ، و اليوم سأعلق على إحدى ومضاته الباهرة
1- النصُّ :
رفقاً ، يا حطّابُ
كمْ أوجعَتْ ضرباتُ الفأسِ
عظامَ الأسلافِ
2 - التعليقُ :
ومضةُ هايكو عميقةٌ جداً ، يبدؤها بالإنشاءِ ، في جملتينِ متلاحقتين : " رفقاً ، يا حطابُ.."
و الإنشاء عموماً مؤشرٌ إلى انفعالِ المتكلم ، فهو في حالة توترٍ شعوريٍّ إزاء حدثٍ ما .
يبدو لي أن الحطابَ هنا معادلٌ موضوعيٌّ للموت ، و معلومٌ أنّ الهايكو يعتمد هذه التقنية ، بل قد لا نبالغ إذا قلنا :
إن تي سي إليوت و عزرا باوند استلهما فكرة المعادل الموضوعي من الهايكو.
يقوي هذا التاؤيل أنه طلب من الحطاب الرفقَ لا الكفَّ المطلقَ ، ذلك أن هذا الحطاب " الموت " يقومُ بعملٍ حتميٍّ لا جدال فيه ، فطلبُ الكفّ هنا سفسطةٌ لا قيمة لها.
و ترك الحطاب في النداء نكرةً مقصودةً " يا حطابُ " ، وفيه أقرأ أن الموتَ معروفٌ بالعمومِ مجهولٌ بالخصوصِ ، فنحن نعلم أننا سنموت و لكننا نجهل كيفية و زمكانية الموت.
في السطر الثاني يفاجئونا مهذبي بأنّ موضوعَ الحطبِ هو : عظام الأسلاف لا جذوع الأشجار كما هو متوقع...
و جمالية الشعرُ تكمن في خيبةِ التوقعِ هذه ، وهو في هذه الجزئية " عظام الأسلاف " يفتح كوةً على عالمٍ من المعرفةِ و الجدل الفلسفيّ و اللاهوتيّ ، حيث تقفزُ إلى الذهن فورَ قراءته حزمةٌ من المعلومات :
أ- بيت المعريّ الشهيرُ :
" خففِ الوطءَ ..
ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هذه الأجسادِ "
تبدو النظرة هنا شاعريةً ، و لكنها تتعمق أكثرَ إذا نظرنا إلى المسألة علمياً
ب - من وجهة نظر علمية :
- تعتبرُ فرضية الانفجار الكوني العظيم - كأصل لنشأة الكون - اكثر النظريات قبولا في المؤسسات العلمية ، فالكونُ - وفقها - نشأَ من انفجار هائل لجسيمٍ متناهٍ في الصغرِ حجماً ، و سار في عملية توسعٍ منضبطة بدقة هائلةٍ ، و لازمُ القول أننا جميعا أنا و أنت و الشمس و الحصان كنا في ذلك الجسيم الصغير كمكونات .
- تعتبر نظرية الأوتار الفائقة من أهم النظريات التي تلامس مما يتألف الكونُ ، فالكون مؤلف من أوتار من الطاقة الفائقة " هي اللبنة الأساسية لبناء الكون " ، فأنا و أنت و الحجر و الضوء عبارة عن حزم هائلة من أوتار الطاقة ، و هنا يحضرني رأي إنشتاين بأن المادة طاقة تنتظر التحرر ، و أن الطاقة مادة متحررة
- بناء على ماسبق : فنحن بعد موتنا و مرور مئات ألوف السنين سنعود إلى نسيج الكون أوتاراً من الطاقة الفائقة ، يمكن أن تدخل في تركيب مكونات جديدة لهذا الوجود ، يمكن أن يذهب جزء منك إلى حجر ، و جزء إلى شجرة و هكذا ..
- هذا الوجع الذي تحس به الأشجار " عظام الأسلاف " يطرح سؤالاً حول خصوصية الوعي لدى الإنسان أو عمومية الوعي في الوجود ، بمعنى أن الكون مضمخ بالوعي ، وهو ما يطلق عليه فلسفياً " روحنة المادة " ، هنا أتذكر نظرية التناسب بين التعقيد و الوعي للفيلسوف و اللاهوتي اليسوعيّ و الإحاثيّ " تيار دو شاردن " ، فهو يرى أن كل ذرة في الوجود تختزنُ قليلاً من الوعي ، و بحسب تعقيد بنية الكائن يكون مستوى وعيه ،
و أنا على المستوى الشخصيّ أميل لتصديق هذا الافتراض ، و خصوصاً أن عالم النبات " كليف باستر " قام بتجربة مهمة حيث هدد نبتة بأن يحرقها بعد أن ربطها بمستشعرات جهاز كشف الكذب " البوليغراف " فلاحظ تحرك الموشرات كدليل على انفعال النبتة ، مما حدا ب " الفريد شتلتر " أن يقول :
" حتى النبات يصرخُ ، و يصاب بالإغماء "
مهذبي في هذه الومضة يحملنا إلى طبقات من التاويل ، فهو من جهة يشي بالوحدة الوجودية ، و بالرفق بكائنات الوجود بوصفها أشقاءنا و شركاءنا في الوعي و الوجدان ، كما يلمح إلى ما يتركه الموت من ألم في نفوسنا وهو يختطف منا ٱباءنا و يهزّ فأسه فوق رقابنا
# عيسى الجميل #