لم أجِد للدَّوخة التي تنتابني دواءً يشُدُّني إلى الأرض، حتى جلستُ أعيدُ التفكير في نفسي التي أسْرَفَتْ في الشِّعر والحياة وتمردت على كل ما يَعْقِلُها ، لعلِّي أكتشف سبباً وجيهاً لدوختي التي لم تحتكرني في مَيْلها العاشق، بل انتقلت آفتها إلى السواد الأعم الذي صار أبيض الشَّعر من مُثقّفي جيلي؛ وقد عزوت في البدء هذه الدوخة التي تجعلني أطُوف الكرة الأرضية وأنا في مكاني، إلى مُضاعفات صحِّية ناتجة عن تجاوز سن الأربعين، تجعل الدم غير الدم في عروق الإنسان، فقط يصير أحلى بزيادة غرام أو غرامين من السُّكر؛ لكن كل التحاليل الطبية التي استنزفَتْ مع سائل الدم سيولة الجيب، لم تجد في جسدي سُكَّراً أو شاياً، فأيقنتُ أن دوختي التي تجعلني أحياناً أمسك الحائط حتى لا يسقط بَدَلي، حالة نفسية يُعاني من فراغها، كل إنسان في زمننا الإرتيابي الحديث، وذلك بعد أن انهارت الكثير من اليقينيات الفكرية التي تشُدُّنا إلى أنفسنا وتزيد شعورنا بالوجود، وكأننا انتقلنا بالقراءة التي أعتبر التسكُّع على مُنحدرات أسطرها أشبه بالمشي براً، إلى السباحة بحراً في عوالم افتراضية تحملنا جميعاً في سفينة تتلاطمها أمواج من الأخبار والصُّور والفيديوهات والأكاذيب، تجعل دوختنا لا تستقر وهي تعتلي طوفاناً من الغثيان؛ لقد انفتح العالم بسبب الإنفجار الكوني الذي أحدثته قيامة التقنية على مستوى المعلوميات، بينما انغلقنا نحن في بيوتنا ومكاتبنا لا نبرح عالماً قيَّدَنا بشبكاته التَّواصُلية التي لا تغذينا صباح مساء، إلا صُوراً تجعل العقل البشري لا يتجاوز السطح إلى الحفر في الأفكار..!
أحتاج إلى ما يشُدُّني إلى نفسي، بعد أن صرت موجوداً في كل شيء قد يخطر على العالم، ولكنني فقدتُ وجودي..!
ليس ذنبي أنني وُلدتُ من رحم المرجعيات الفكرية والأدبية الكُبرى، التي منحتني إرادة اختيار كيف أكون في طريقة تفكيري؛ فَإنْ أدباً كُنَّا نقرأ مع من يكتبُ سوريالياً أو رمزياً أو رومانطيقياً أو دادائياً، ونستهيم مع آخر يُبدع برناسياً أو كلاسيكياً أو واقعياً؛ وكُنّا نقرأ ونحن نعرف أي التيارات الأدبية قمينة بإشباع يقيننا الجمالي، دون خشية من أن يتسرب بينها تيارٌ كهربائي يضْربُنا بالضوء من أقرب جهاز إليكتروني..!
أمَّا على الصعيد الفكري والسياسي، كُنّا نستطيع أن نُميِّز ولو التحم كُلٌّ في إيديولوجياه عناقاً، بين الشيوعي الإشتراكي والقومي والليبرالي وحتى الفاشستي الذي لا يستقيم العالم في اعتقاده إلا إذا تحوَّل بعصبيَّته جحيما، ليُشبع بلذة تعذيب الناس، إيمانه العنصري المريض الذي يعتقد أنه يؤدي صلاة..!
أجل، كانت أشياء من هذا القبيل أو حتى القبيلة تشُدُّنا إلى أنفسنا، فنتأثر و نفتتنُ ونُحاكي ما لا يُشبهنا لنكتب ما يشبهنا، ونمحو وننشر، وقد ننتمي أو نرفض، ونقضي ليلا بسواده نُنقِّب عن الضوء في كتاب ولا يُهم إذا أحرقناه صباحاً كي يكتمل المعنى..!
كانت الرأس مع كل هذه الأفكار أثقل من أن تدوخ أو يُحركُها هواء، بل تستطيع أن تكون مرساةً لأضخم السُّفن في بحر المعرفة حيث الحياة لا تكون إلا غرقاً في الأعماق..!
لستُ كبيراً في السن، ولكن دوختي ما فتئت تتَّسِعُ صفراً، فلا أدري هل لأني لم أجد اليوم شيئاً يُشبِعُ ويُعوِّضُ في ذاتي انهيار المرجعيات الفكرية والجماليات الكبرى التي عِشنا أنفاسها الأخيرة مع مطلع الألفية الثالثة، وبدأ عصر جليدي ما فتئ يمتد بتصحُّره البارد والأبيض ليُغلِّف العقول؛ أو ربما دوختي تتسِعُ قَفْراً لأني فقدتُ القدرة على التأثر والافتتان والجرأة في الحُبّ التي كُنَّا نمارسها مع الكلمات كما مع المرأة والحياة؛ عُذراً إذا مسَّت أحدٌ عَدْوى دوختي، ورأى العالم لا يستقيم إلا مائلا، فأنا لستُ عبثياً، إنما عقلاني إلى درجة العبث، وأحاول العثور في كُلّ المرجعيات الفكرية التي تؤسس اليوم للفراغ، على شيءٍ يَشُدُّني إلى نفسي، فلا أجد إلا فراغا يُفْقِدُني و عيي..!
* (افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 12 نونبر 2015)
.
أحتاج إلى ما يشُدُّني إلى نفسي، بعد أن صرت موجوداً في كل شيء قد يخطر على العالم، ولكنني فقدتُ وجودي..!
ليس ذنبي أنني وُلدتُ من رحم المرجعيات الفكرية والأدبية الكُبرى، التي منحتني إرادة اختيار كيف أكون في طريقة تفكيري؛ فَإنْ أدباً كُنَّا نقرأ مع من يكتبُ سوريالياً أو رمزياً أو رومانطيقياً أو دادائياً، ونستهيم مع آخر يُبدع برناسياً أو كلاسيكياً أو واقعياً؛ وكُنّا نقرأ ونحن نعرف أي التيارات الأدبية قمينة بإشباع يقيننا الجمالي، دون خشية من أن يتسرب بينها تيارٌ كهربائي يضْربُنا بالضوء من أقرب جهاز إليكتروني..!
أمَّا على الصعيد الفكري والسياسي، كُنّا نستطيع أن نُميِّز ولو التحم كُلٌّ في إيديولوجياه عناقاً، بين الشيوعي الإشتراكي والقومي والليبرالي وحتى الفاشستي الذي لا يستقيم العالم في اعتقاده إلا إذا تحوَّل بعصبيَّته جحيما، ليُشبع بلذة تعذيب الناس، إيمانه العنصري المريض الذي يعتقد أنه يؤدي صلاة..!
أجل، كانت أشياء من هذا القبيل أو حتى القبيلة تشُدُّنا إلى أنفسنا، فنتأثر و نفتتنُ ونُحاكي ما لا يُشبهنا لنكتب ما يشبهنا، ونمحو وننشر، وقد ننتمي أو نرفض، ونقضي ليلا بسواده نُنقِّب عن الضوء في كتاب ولا يُهم إذا أحرقناه صباحاً كي يكتمل المعنى..!
كانت الرأس مع كل هذه الأفكار أثقل من أن تدوخ أو يُحركُها هواء، بل تستطيع أن تكون مرساةً لأضخم السُّفن في بحر المعرفة حيث الحياة لا تكون إلا غرقاً في الأعماق..!
لستُ كبيراً في السن، ولكن دوختي ما فتئت تتَّسِعُ صفراً، فلا أدري هل لأني لم أجد اليوم شيئاً يُشبِعُ ويُعوِّضُ في ذاتي انهيار المرجعيات الفكرية والجماليات الكبرى التي عِشنا أنفاسها الأخيرة مع مطلع الألفية الثالثة، وبدأ عصر جليدي ما فتئ يمتد بتصحُّره البارد والأبيض ليُغلِّف العقول؛ أو ربما دوختي تتسِعُ قَفْراً لأني فقدتُ القدرة على التأثر والافتتان والجرأة في الحُبّ التي كُنَّا نمارسها مع الكلمات كما مع المرأة والحياة؛ عُذراً إذا مسَّت أحدٌ عَدْوى دوختي، ورأى العالم لا يستقيم إلا مائلا، فأنا لستُ عبثياً، إنما عقلاني إلى درجة العبث، وأحاول العثور في كُلّ المرجعيات الفكرية التي تؤسس اليوم للفراغ، على شيءٍ يَشُدُّني إلى نفسي، فلا أجد إلا فراغا يُفْقِدُني و عيي..!
* (افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 12 نونبر 2015)
.