حسين عبروس - قراءة نقدية في رواية "الطرحان" لعبد الله كروم"

- مقدمة نقدية
في زحمة الأحداث المتتالعة تظلّ الرواية التاريخية كجنس أدبي قادرا على استنطاق الذاكرة الجمعية ، وتفكيك البنى العميقة للوعي الاجتماعي للإنسان المتطلّع للحريّة والإستقال خارج دائرة الإستعمار، وفي هذا المجال تأتي رواية "الطرحان" لعبد الله كروم لتشكل تجربة سردية متميزة في الكتابة عن الجنوب الجزائري من زاوية إنسانية وإبداعية مزدوجة. إنها ليست مجرد محاولة لإعادة تدوين تاريخ أبناء منطقة توات تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، بل هي عمل أدبي ينزع نحو مساءلة الذاكرة من داخل نسيجها الشّعبي، ومن خلال استلهام آليات السرد الحديثة في بناء عالم روائي يُبنى على جدلية "الحكي/التأمل"، و"الواقعي/الرمزي".
تتأسس الرّواية على خلفية تاريخية دقيقة، تتمثل في معاناة سكان الجنوب الجزائري مع ممارسات الاستعمار الفرنسي، خصوصاً التّجنيد الإجباري في الحربين العالميتين، واستغلال الأهالي في مواقع التّجارب النّووية، غير أن الكاتب لم يتعامل مع هذه الوقائع بمنطق التسجيل التّوثيقي الجاف، بل جعل منها مادة خاماً لصياغة سردية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها حمولات التّراث المحلّي (المادي واللامادي) مع قضايا الكرامة الإنسانية، من خلال فضاء روائي ينفتح على عوالم متباينة جغرافياً وثقافياً.



لقد عنوان الرّواية"الطرحان"، ليمثل عتبة دلالية تنبئ بعمق الرّؤية التي تحكم البناء السردي للرّواية. إذ أن هذا المصطلح الشّعبي، بما يحمله من دلالات الرّبا والاستغلال الاقتصادي زمن الفاقة والجوع، يتحوّل إلى استعارة كبرى لتوصيف أنماط الاستغلال الكولونيالي في بعدها الرّمزي، بما يجعل من الرّواية نصاً يقرأ التاريخ من منظور نقدي حاد، لكنّه يكتبه بلغة شعرية متماسكة وبنية فنية محكمة.
إنّ أهمية رواية "الطرحان" لا تكمن في بعدها التّوثيقي فقط، وإنّما تتجلىّ في قدرتها على تقديم نص سردي محكم، يستثمر تقنيات التّكسير الزمني، وتعدّد مستويات الحكي، واستدعاء الأسطورة والعجائبية، ممّا يمنح القارئ تجربة جمالية ومعرفية في آن واحد، ويُحيل النّص إلى مشروع روائي مفتوح على إمكانات التّأويل المتعدّدة.
بهذه الرّؤية، ينجح عبد الله كروم في تدشين تجربة روائية تنبثق من رحم الذاكرة الصّحراوية، لكنّها تتجاوز حدودها الجغرافية لتلامس أسئلة الإنسان الكبرى: الحرّية، الهوية، المنفى، والكرامة.
يُعدّ نص "الطرحان" لعبد الله كروم نموذجاً للرّواية التاريخية التي تتجاوز الحياد التّوثيقي لتندمج في رؤية فنّية تستلهم من التاريخ مادتها، لكنّها تعيد بناءه برؤية شعرية مشبعة بالوعي النّقدي. فالنّص ليس مجرّد سجل لمعاناة أبناء توات تحت نير الاستعمار الفرنسي بل هو "وثيقة إبداعية" تكتب المأساة بلغة الفن، وتعيد تشكيل الذاكرة الجماعية من خلال استنطاق التراث الصحراوي في علاقته بالزمن الكولونيالي.
العنوان كعتبة دلالية: "الطرحان"
يحمل العنوان "الطرحان" قوة دلالية مزدوجة؛ فهو من جهة مصطلح محليّ يرتبط بمعاملات ربويّة مريرة عمّقتها ظروف الجوع والفقر، ومن جهة أخرى يتحوّل إلى "ميتافور" (استعارة كبرى) لمعنى الاستغلال في كلّ تجلياته: الاقتصادي، الاجتماعي، الكولونيالي. الطرحان في الرّواية ليس فقط قرضاً مع رهن بل هو فعل اغتصاب لكرامة الإنسان ووجوده. هذا الوعي بتحميل المصطلح المحليّ أبعاداً كونية يجعل الرّواية تنفتح منذ عتبتها الأولى على البعد الإنساني الشمولي.ّ
الشخصية الروائية: السباعي ولد نجوم... تجسيد المأساة الفردية والجماعية
اختار الكاتب أن يجعل من شخصية "السباعي ولد نجوم" محوراً لبناء سردي تتشابك فيه المعاناة الشّخصية بالمأساة الجماعية. فالرجل الذي جُرِّد من ممتلكاته بفعل الطرحان، وجد نفسه مرّة أخرى ضحية للتجنيد الإجباري في صفوف الجيش الفرنسي، ليُلقى به بعيداً عن الصحراء في حرب لا تعنيه (الفيتنام). هنا تبرز إحدى أبرز قضايا الرّواية: الإنسان المستلب بين قهر الداخل (الاجتماعي/الاقتصادي) وقهر الخارج (الاستعماري).
الفضاء الصحراوي كذاكرة مكانية ووجدانية
استثمر عبد الله كروم الفضاء الصّحراوي بكل تفاصيله المادية والرّمزية: القصور الطينية، الفقاقير، الزوايا، المخطوطات، الأساطير الشعبية... فكانت الصحراء في "الطرحان" ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي كائن سردي يشارك في صناعة الذاكرة. الصحراء في الرواية ليست فضاءً جامداً بل تتنفس بحكايات أهلها، وتنبض بنضالاتهم اليومية ضد الجوع والاستعمار، وضد الموت الرمزي.
التقاطع بين الوثائقي والمتخيل:
الرواية تُنجز لعبة سردية دقيقة بين التّوثيق والتّخييل؛ فهي من جهة تقدم معطيات تاريخية دقيقة عن فترات التّجنيد القسري واستغلال الأهالي في مواقع التجارب النووية، ومن جهة أخرى تمتح من أساليب الرواية الحديثة في التكسير الزّمني، وتوظيف الأسطورة والعجائبية لتجاوز النمط السردي الخطي الكلاسيكي. بهذا التداخل بين "الحقيقة/المخيال" يتحقق للنص عمق فني وإنساني يجعله مفتوحاً على قراءات متعددة.
الشعرية الكثيفة والبنية السردية المتماسكة:
يمتاز أسلوب عبد الله كروم بلغة شعرية كثيفة تنأى عن الخطابية المباشرة. فالنّص يراهن على الجملة المكثفة ذات البعد التصويري، لكنّه لا يسقط في الترهل اللّغوي. خلف هذه الكثافة تتماسك البنية السردية بوضوح: الفصول تتعالق وفق جدلية "الحكي/التأمل"، "الحدث/الذاكرة"، مما يمنح الرواية إيقاعاً خاصاً بين تصاعد التوتر النفسي وبطء الوصف الجغرافي والثقافي.
الزمن المفكّك والتّوازي بين المحكيين:
يعتمد الكاتب تقنية التكسير الزّمني حيث تتداخل أزمنة الحكي بين الماضي الاستعماري (الثلاثينيات والأربعينيات) وزمن السرد اللّاحق. كما يوازي النّص بين مسارين:
مسار السباعي ولد نجوم في التّيه والنفي والضياع.
ومسار الياقوت (الحبيبة/الأرض) التي تنتظر عودته في صمت صحراوي عميق.
هذا التوازي بين الشخصي والجمعي يكشف قدرة الرواية على بناء سردية مزدوجة: سردية الحب/الحرمان و سردية الوطن/المنفى.
أفق الرواية: من المحلّي إلى الكوني
ما يجعل "الطرحان" نصاً عابراً للحدود هو انفتاحه الواعي على الآخر الثقافي؛ فالرّواية تتقاطع مع الثقافة الفرنسية والفيتنامية لكنّها تنحاز إلى المشترك الإنساني، بعيدا عن ثنائية المستعمِر/المستعمَر. هناك مشاهد تنفتح على آداب الآخر لا بوصفها خصماً بل كإمكان للحوار الثقافي. هذا الانفتاح يمنح الرواية بعداً إنسانياً يحررها من ضيق الأيديولوجيا إلى أفق التلاقي الإنساني.
-الخاتمة
تتجلى رواية "الطرحان" لعبد الله كروم كعمل سردي يحمل في عمقه مشروعاً أدبياً يتجاوز النّزعة التّوثيقية الضيقة نحو رؤية جمالية وإنسانية شاملة. لقد استطاع الكاتب، من خلال استثماره لفضاءات التراث الصحراوي والموروث الشعبي، أن يمنح التاريخ المهمَّش صوتاً فنياً يتقاطع فيه البُعد المحلي بالبعد الكوني، في بنية روائية تتسم بالكثافة اللغوية والوعي السردي.
إنّ "الطرحان" ليست مجرد حكاية عن معاناة أبناء توات زمن الاستعمار، بل هي كتابة ضد النسيان، وضد السرديات الرسمية التي غالباً ما تفرغ الألم من محتواه الإنساني. ومن هنا، فإن أهمية هذه الرواية تكمن في قدرتها على تحويل وقائع الاستلاب الاجتماعي والاستعمار الثقافي إلى تجربة إبداعية، تزاوج بين الحكي الوثائقي والتخييل الجمالي، وتفتح أفقاً للتأمل في العلاقة بين الأدب والتاريخ والذاكرة.
وإذ ينهل عبد الله كروم من معين التّراث والأسطورة والعجائبية، فإنّه في الآن ذاته يوظف تقنيات الرواية الحديثة ببراعة، من خلال التكسير الزمني، وتعدد الأصوات السردية، والتقاطع مع الثقافات الأخرى، مما يجعل من "الطرحان" نصاً مفتوحاً على أبعاد جمالية وفكرية عميقة، ويؤسّس لصوت روائي جديد في المشهد الأدبي الجزائري، يُراهن على التفاعل الخلاق بين الهوية المحلّية والبعد الإنساني،ومن هنايمكن القول إن "الطرحان" تشكّل لبنة أولى في مشروع روائي واعد، يحمل من الرصانة الفنية ومن الوعي التاريخي ما يجعله قادراً على إثراء الأدب الجزائري بكتابة روائية واعية، تكتب الوجع بروح الجمال، وتقاوم النسيان بفن الحكاية.


















تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...