د. أحمد الحطاب - الكهنوت غير موجود في الإسلام، ومع ذلك له شريعة مخالِفة لما نص عليه القرآن الكريم

ما هو الكهنوت؟ ولماذا أقول "الكهنوت له شريعة مخالفة لما نص عليه القرآن الكريم"؟

جوابا على السؤال الأول، أي "ما هو الكهنوت؟، الكهنوت مفهوم مرتبط، ارتباطاً وثيقاً بالديانتين اليهودية والمسيحية. وهو عبارة عن وظيفة كان يقوم بها الرجالُ في هاتين الديانتين من أجل تقديم الخدمات الدينية للناس. كما كان الكهنوت يتولَّى شؤونَ العبادة وكل ما من شأنه أن يُقرِّبَ هؤلاء الناس من الله. ومما اختصَّ به رجالُ الكهنوت، في الديانتين، اليهودية والمسيحية، هو أن هؤلاء الرجال نصَّبوا أنفسَهم صلةَ وصل بين الناس والله.

ومع هذا التَّنصيب، أصبح كل سلوكٍ أو عملٍ يقوم به المُتديِّنون اليهود والمسيحيون، غير مقبول إن لم يتدخَّل فيه رجالُ الكهنوت. إلى درجة أن هؤلاء الرجال أوهَموا الناسَ بأن الطريقَ المُؤدي إلى الجنة أو إلى النار، يوجد بِيَدِِهم. فأصبحوا يبيعون للناس صكوكَ الغفران les actes d'absolution التي تضمن لهم المغفرةَ يوم الحساب.

والله، سبحانه وتعالى، أشار إلى هذا النوع من المُتديِّنين وهذا النوع من الكهنوت و وصفَهم بأنهم، ضِمنياً، كُفار ومشركون، في الآية رقم 31 من سورة التوبة : "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ". كفار لأنهم يعرفون الحقيقة ويتنكَّرون لها، ومُشركون لأنهم جعلوا من الأحبار والرهبان ومن عيسى بن مريم أربابَ من دون الله.

وما يمكن استنتاجُه من هذه الآية الكريمة، هو أن رجالَ الكهنوت احتكروا كل ما له علاقة روحية بالديانتين، اليهودية والمسيحية، بل جعلوا من هاتين الديانتين ملكاً لهم وأصبحوا يتصرَّفون فيهما كما يشاؤون. حينها، أصبحت لرجال الكهنوت سلطة دينية une autorité religieuse تُمارس على الناس، كُرهاً، وخصوصا، عندما جمعَ رجالُ الكهنوت السلطتين، الدينية والدنيوِية.

انطلاقاً من هذه الاعتبارات، أقول بدون تردُّد، لاوجودَ للكهنوت في الدين الإسلامي. لماذا؟ لأن التَّديُّنَ مسألةٌ شخصية تدور أطوارُها بين الخالق والمخلوق. بمعنى أن كلَّ مسلم مسؤولُ عن تديًّنه أمام الله، سبحانه وتعالى، ولا يحتاج إلى وسيط ليتقرَّبَ منه. والدليل على ذلك أن الله، سبحانه وتعالى، بيَّن هذه العلاقة العمودية في بعض الآيات، أذكر من بينها الآية رقم 41 من سورة الزمر والتي نصُّها : "إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" (الزمر، 41).

في هذه الآية الكريمة، الله، سبحانه وتعالى، يوجِّه كلامَه للرسول (ص) قائلاً له إن القرآنَ الذي يُوحَى إليك فيه الحق، أي بيَّن ويُبيِّن للناس، فرداً فرداً، طريق الخير وطريق الشر. فما على هؤلاء الأفراد إلا أن يختاروا الطريقَ الذي يُناسبُهم. والدليل على ذلك أنه، عزَّ وجلَّ، يقول فمَن اختار طريق الإيمان (طريق الخير)، فإنه ينفع نفسَه. ومَن اختار طريق الكُفر أو الشرك (طريق الشر)، فعليه مسؤولية اختياره. ودليل الدلائل، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لا يحمِّل الرسول مسؤولية اختيار الأفراد أحد الطريقين (...وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ). ولهذا، فمسؤولية الرسول (ص) تتمثَّل في تبليغ ما يوحى إليه للناس. وهناك آياتٌ أخرى من القرآن الكريم يخاطب فيها الأفرادَ مباشرةً أو عن طريق الرسل والأتبياء. فمثلا، عندما نقرأ في بعض آيات القرآن الكريم، "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"، فالمقصود هو أن كل نفسٍ مسؤولة عن ما تقترِفه من ذنوب. وهذا يعني أن الله، عزَّ وجلَّ، لا يُحاسب نفساً بما اقترفته نفسٌ أخرى من ذنوب.

غير أن شريحةً عريضةً من علماء وفقهاء الدين الإسلامي، القُدامى والحاليين، عوضَ أن يُبيِّنوا للناس طريقَ الهداية والإيمان والتقوى، فإنهم نصَّبوا أنفسَهم كهنوتا، وهم يعرقون، حق المعرفة، أن التَّديُّن أمرٌ شخصي تدور أطوارُه بين خالِقٍ، وهو الله، ومخلوق، وهو الكائن الحي البشري.

بل إن هذه الشريحة العريضة جعلت من الأمور الدينية وظيفةً مُدِرة لأموالٍ طائلةٍ، وهم يعرفون، حقَُ المعرفة، أن الرسل والأنبياء، في الأزمِنة الغابرة، كانوا يبلِّغون بأمانةٍ ويقولون إن هذا التبليغ سينالون عليه أجراً من عند الله مقابل تبليغهم للرسالات الإلهية بأمانة. فإذا كان الأنبياء والرسل كنوح ولوط وصالح وشعيب… لا ينتظرون أجرا من أقوامهم، فلماذا لم تتَّعِظ بهم الشريحة العريضة من علماء وفقهاء الدين، المسلمين، القدامى والحاليين؟

فمثلاً، قال نوحٌ لقومِه : "وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ" (هود، 29). أما لوطٌ، فقال لقومِه : "وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الشعراء، 164). وهكذا… فهل اتَّعظ علماء وفقهاء الدين، القدامى والحالِيون بهؤلاء الرسل والأنبياء وتطوَّعوا ليبيِّنوا للناس طريقَ الخير وطريقَ الشر.؟

لا، أبدا! بل إن الشريحةَ العريضة من علماء وفقهاء الدين حوَّلوا الدينَ إلى اختصاصٍ معرفي صعب الإدراك، هم أدرى بِشعابِه أكثر من غيرهم. بل ألفوا آلاف الكتب لترسيخ وظيفةَ الكهنوت في ادمغة الناس وفي المخيال الجماعي للمسلمين. بل أفتوا وحرَّموا ما لم يُحرّمه الله، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم. والله، سبحانه وتعالى يقول في الآية رقم 119 من سورة الأنعام: "وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ". في هذه الآية الكريمة، الله، سبحانه وتعالى، يقول بأن ماحرَّمه الله على عباده مُفصَّلٌ في القرآن الكريم.

وما حرَّمه علماء وفقهاء الدين، القدامى، وسار على نهجهم كثيرٌ من العلماء والفقهاء الحاليين، أذكر مثلا : ممارسة وامتهان الموسيقى والغناء (نشرتُ مقالةً، على منصة الأنطولوجيا، في هذا الشأن، يوم الجمعة 25 يوليوز 2025 تحت عنوان "الموسيقى والغناء بين التَّحريم والإباحة")، الرسم والتَّصوير، النَّحث، إطالة الملابس إلى أسفل الكعبين، حَلق اللِّحية، الأكل باليد اليسرى، شُرب الماء وقوفاً، استعمال المرأة للعِطر، تربية الكلاب في البيوت، سفر المرأة بدون مَحْرَم، تعليق اللوحات والصور على الجدران، القهوة، الطباعة، السنيما، التلفزيون…

والغريب في الأمر أن بعض ما حرمه علماء وفقهاء الدين، يجدون أنفسَهم مضطرين للجوء إليه كالتَّصوير وغيره مما حرَّمه العلماء وافقهاء.. فهل يوجد، حالياُ، عالِمٌ أو فقيهُ ليس له قناة على مِنصة اليوتيوب YouTube بتحدَّث فيها عن هذه المحرمات وعن أمور أخرى؟ ثم هل توجد، في العالم بأسره، جوازات سفر بدون صُورٍ؟ ثم لما يسافر هؤلاء العلماء والفقهاء ويُقِيمون في الفنادق الفاخرة، فهل يضعون سدَّدات على آذانهم لكي لا يسمعوا الموسيقى المُذاعة في صالات الإستقبال؟ وهل هؤلاء العلماء والفقهاء، لما يبعثون بناتِهم إلى الجامعات الأجنبية، فهل يبعثون معهم محارم؟ ثم لما يرتدي هؤلاء العلماء الزي أو البدلة costume الأوروبية المُكونة من سترة veste وبنطلون pantalon، فإنهم يُخالِفون تقصيرَ اللباس إلى الكعبين…

ما هذا التناقض وما هذا النِّفاق؟ ما يمكن قولُه هو أن علماءَ وفقهاءَ الدين، عقَّدوا حياة الناس ووضعوها في قفص التَّحريم الذي يلا يمكن الإفلاتُ منه إلا بإذنِهم. لكنهم، رغم تحريمهم لكثيرٍ من الأمور، فإن الواقعَ أجبرهم على مُخالفة ما حرموه. وهذا يعني أن الواقع أقوى منهم ومن فتاواهم التي أصبحت متجاوزة، في العصر الحاضر، أي أكل الدهر عليها وشرب.

ألم يَقُلْ، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 20 من سورة لقمان : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ". في هذه الآية الكريمة، الله وضع رهن إشارة الإنسان كل ما هو موجود في السموات وفي الأرض. بل أفاض على عبادِه نِعماً كثيرةً. وما يجب الانتباه إليه، هو أن النِّعم تختلف نوعاً ومضمونا، وتُساير تطوُّرَ العقل البشري. ولهذا، فنِعَمُ الماضي ليست هي نٍعَمُ الحاضر. أليس القهوة والسينما والتلفزيون والإذاعة والطباعة… نٍعمٌ من نٍعَم الله على مخلوقاته البشرية. إذن، بصفة عامة، حُكم الأشياء والتصرُّفات والسلوك، هو الإباحة. أما ما هو محرَّمٌ شرعا على المسلمين، فمنصوص عليه في القرآن الكريم. و المحرَّمات فيها ما هو مُضرٌّ بالجسم، كالخمر والميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والمخدرات وكل ما يتسبَّب في فقدان الوعي…، وفيها ما هو أخلاقي كالشرك، وعقوق الوالدين والزنا وقتل النفس بغير حق والكذب والنميمة والكِبرياء والظلم والتبدير والإسراف والاستهزاء بالآخر…، وفيها ما هو خاص بالمعاملات كالتعامل بالربا وأكل مال اليتيم والغش في الميزان والبيع والشراء وغياب الصدق والأمانة في كل ما هو تجاري…

وفي الختام وجوابا على السؤال الثاني، أي "ولماذا أقول الكهنوت له شريعة مخالفة لما نص عليه القرآن الكريم؟"، أقول "نعم، الكهنوت له شريعة مُخالفة لما نصَّ عليه القرآن الكريم من محرمات". فإذا وجَّه الله، سبحانه وتعالى، اللومَ للنبي والرسول، محمد (ص)، قائلاً : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (التحريم، 1). واضحٌ في هذه الآية أن النبيَ ليس الحق في تحريم ما لم يحرٍِمه الله، سبحانه وتعالى. فما بالُك بعلماء وفقهاء الدين الذين هم ناسٌ عاديون. ورغم ذلك، أعطوا لأنفسِهم حق تحريم ما لم يذكره اللهُ، عزَّ وجلَّ، في القرآن الكريم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...