حسين عبروس - أدرار... الشمس.. والرمل ..والمحبة ..

لم تكن رحلتي إلى أدرار مجرد عبور في جغرافيا المكان من الشمال إلى الجنوب، بل كانت عبوراً وجودياً إلى عالم آخر، حيث تصبح الطبيعة ذاتها كائناً حيّاً يختبر صبرك ويكشف لك عن أسرارها العجيبة على مهل. لقد عزمت السفرإليها وفي نفسي طوفان من الشوق والتّساؤل عن مدينة تقع في جنوب الفلب الكبير،كانت درجة الحرارة وأنا في مطارهواري بومدين تصل الى الدرجة 28بينما كانت حرارة أدرارتبلغ 48 درجة.ولقد كانت المفاجأة اللّحظة الأولى التي أعلنت فيها إدارة الرّحلة عن تأخر الطائرة بسبب زوبعة رملية عنيدة في سماء أدرار، ولذا يمكنها أن تتأخر ساعة من الزمن ،وأدكنا أنّنا لسنا مقبلين على زيارة عابرة، بل على مغامرة جنوبية في شهرجويلية،وقد دامت الرّحلة حوالي ساعتين و عشرين دقيقة أو أكثرفي بعض الحالات، على مسافة تتجاوز 1,400 كيلومتر ، فكلّ تلك الصّور النّمطية الجاهزة التي نحملها عن الصحراء في بعض الحالات، هي غير حقيقية بل تقريبية رسمها لنا الإعلام على غير دقّة في أدرار، لا شيء يحدث ببرود المدن الكبرى. فالرّمل هناك لا يكتفي بأن يكون خلفية للمشهد،بل يتقدّم ليصافحك بجرأة، أما الشّمس فليست مجرد مصدر للضوء، بل هي امتحان حقيقي لقدرتك على الصبروالتّحمل، وأنت تتلقى صفعة الطبيعة الأولى في مطار أدرار عند نزولك من الطائرة، حرارة صيف لا فحة ترافقها حرارة قلوب طيّبة تتوق في استقبال رائع للأحبة الزائرين،حيث تجد أن الأيدي المفتوحة والقلوب الدافئة التي تستقبلك، قادرة على أن
على أن تمحو كلّ عناء، وتترك فيك يقيناً واحداً.هو أنّ الجنوب الكبير ليس جغرافيا قاسية، بل روحاً منبسطة على وسع امتدادالأفق بكلّ معاني الإنسانية التي تكاد تنقرض في مدن العالم.
- عاصفة الاستقبال... حرارة الرّمل وبرودة الأرواح الطيبة.
- وبمجرد أن تجاوزنا بوابة المطار، بدا لنا وكأنّها فوهة بركان فتحت في وجوهنا.. عاصفة حارقة تسوفها الرّيح،و لا مهرب منها سوى أن تبتسم في وجه الطبيعة ،وأنت تدرك أن هذا هو "طقس التّرحيب" في الجنوب الكبير. لكن العجب أنّ حرارة الاستقبال البشري كانت أقوى من حرارة الجوّ. استقبلنا السيد مدير دار الثقافة محمد السرّ، برفقة رئيس نادي الإبداع الأدبي أحمد دليل، والشاعر أحمد بن مهدي، كأنّنا أبناء عائدون لا زوّار قادمون. كلماتهم كانت ظلّاً ناعماً وسط لهب الرمال.
- في حضرة الشيخ محمد بالكبير... العاصفة الثانية
- بعدما وصولنا مع قليل من الإستراحة خرجنا من الفندق بعد أن تركنا خلفنا أمتعة السفر، وانطلقنا في جولة لاكتشاف ملامح المدينة. كانت وجهتنا إلى زاوية مولانا الشيخ محمد بالكبير، ذلك المعلم الرّوحي والثقافي الذي يشكّل قلب أدرار النّابض، ولكن الجنوب لا يمنحك سكينة الأماكن المقدسة إلا بعد أن يختبرك مرّة أخرى. عاصفة رملية ثانية هجمت علينا فجأة، حتى أن ّالعالم من حولنا صارصفحة بيضاء من الرّمال المتطايرة،ولم يكن أمامنا إلاأن نستسلم لطقوس
المكان ،ونلجأ إلى محل بيع الأقمشة، حيث اشترينا "العِمامة" – كما ينطقها أهل أدرار بكسر العين – تلك اللّفافة التي ليست مجرد زي تقليدي، بل درع صامت في وجه جنون الطبيعة. وفي تلك اللّحظة، أصبحنا من أبناء الصحراء، لا غرباء عنها.
- المطر... الوجه الآخر للصحراء..
- وبينما كنّا نتهيأ للتّنفس بعد العاصفة، انقلب المشهد تماما إلى حالة أخرى، فالسّماء التي كانت تلفحنا بلظى الشّمس الحارقة، أشفقت على النّاس وراحت فجأة تحنّ علينا ،فهطلت أمطاراً طوفانية، سالت على إثرها الشوارع كأنّها وديان مفتوحة. وقد كان المشهد سريالياً، وكأنّ الطبيعة في أدرار قرّرت أن تعيد ترتيب عناصرها أمام أعيننا: من الرّمل إلى الماء، ومن اللّهيب إلى الغمر. وسكان أدرار أنفسهم كانوا ينظرون إلى السّماء بدهشة، فمثل هذه السيول نادرة حتى في جنوبهم العريق.
- في ساحة الشهداء... حين تصبح الشوارع بيوتاً مفتوحة..
لكن ما عجزت عنه العواصف والمطر، استطاع أن يُكمله كرم الناس. في ساحة الشهداء، حيث الأفرشة البسيطة تُفرش في اليوم الثاني بقلب المدينة، جلسنا نحن والناس جماعات جماعات، رجالاً ونساءً وأطفالاً، نلتقط أنفاسنا ونتقاسم ضحكاتنا. والوقت كان يتقدّم نحو منتصف اللّيل، لكن أدرار لا تعرف الخوف ولا تغلق أبوابها في وجه اللّيل.
الأحاديث الشعبية، ونكهة القهوة العربية،والشاي وصحون الكسكس الأدراري المطبوخ بلحم الغنم والإبل، كلّها عناصر صنعت لوحةً من الدّفء الإنساني الذي لا يُشترى ولا يُباع. جلسنا هناك برفقة الشاعر أحمد بن مهدي، والفنان التّشكيلي أبليلة مسعود ابن أولف ، كأنّنا في ندوة أدبية مفتوحة على اتساع السّماء في رحاب كؤوس الشاي.
- من فيض الطبيعة إلى فيض الإنسان... أدرار تتنفس بالشعر
كانت تلك السهرات البسيطة في ساحة الشهداء أشبه بندوات مفتوحة لا تحتاج إلى منصة ولا ميكروفونات. الأحاديث تدور ببساطتها، لكنّها عميقة كالصحراء ذاتها. كنّا نتنقل بين مواضيع الأدب والفن والحياة، وكأنّ الرّمل والمطر قد غسلا عقولنا من صخب المدن ليتركا لنا مجالاً لنسمع أنفسنا. أحمد بن مهدي كان يقرأ علينا مقاطع من قصائده، كأنّها حكايات من الرّمل ذاته. الفنان التشكيلي أبليلة مسعود كان يتحدث عن ألوان الصحراء، كيف يرسمها لا بريشته فقط، بل بروحه أيضاً ،وهو بفيض محبة للحديث عن معرضه الذي تمّ افتتاحه بدار الثقافة تحت عنوان: البعد الأفروأمازيغي فن وهواية. كانت جلسة عامرة بالمحبة والثقافة والفن الذي لاتنتهي مواضيعه في كلّ مراحل التاريخ.
- الضيافة التي لا تحتاج إلى مراسم
- في أدرار، الضّيافة ليست طقوساً فولكلورية تُعرض أمام الضّيوف، بل هي فعل يومي طبيعي. الأكلات الشعبية التي تذوقناها من طبق "التَشْخَشُوخْ" إلى لحم الإبل المطبوخ بعناية أم صحراوية لم تكن مجرّد أطباق، بل كانت قصائد محكيّة تُقدَّم بالأيادي قبل الألسنة. الشاي الأدراري، الذي يُسكب على مهل، ليس مشروباً يُقدَّم، بل هو جلسة كاملة تُبنى حوله، حيث يتم تقليب الكؤوس كما تُقلب صفحات الشعر،والأمر المدهش في كل ذلك، هو أن سكان الجنوب لا يتعاملون مع الكرم كميزة يتمتعون بها، بل كجزء من هواء يتنفسونه. في أدرار، لا تحتاج إلى دعوة لتجلس، ولا إلى استئذان لتشرب الشاي. يكفي أن تكون هناك، حتى تصبح واحداً من أبناء الدار.
- أدرار... حيث الثقافة ليست رفاهية بل حياة
- إنّ ما فهمته في تلك الرّحلة أنّ الإنسان في الجنوب رجالا ونساء وأطفالا لا ينظر إلى الثّقافة كترفٍ أو نشاطٍ نخبوي.ّ في أدرار، فالثقافة جزء من الحياة اليومية في القصيدة التي تُروى على الأفرشة تحت سماء مفتوحة، وفي الأغنية التي تتسلّل من بين أصابع العود في زقاق ضيّق، وفي الألوان التي تُرسم على جدران الطين. والتّطلع إلى الأمسيات الأدبية والفنية ليس مجرد شغف لدى سكان الجنوب، بل هو حالة وجودية يعيشونها بشغف حقيقي، كأنّهم يقاومون به جغرافيا الصمت القاسية.
- الجنوب... مرآة الروح الجزائرية العميقة..
- عند العودة من أدرار، لا تعود كما ذهبت. فالجنوب يعلّمك دروساً لا تُقال، بل تُعاش. هناك تتعلّم أن البّساطة ليست فقرًا، بل غنىً من نوع آخر، وأن الإنسان يمكنه أن يعيش في قلب الطبيعة القاسية، لكنّه يبقى قادراً على أن يقدّم لك ابتسامة أحنّ من نسيم البحر.
أدرار... تلك الأرض التي تتقاسم معك الرّمل والماء والقصيدة والكسرة، تترك فيك أثرًا لا يُمحى. هناك حيث العاصفة تصافحك، وحيث الكرم يحتضنك، تدرك أن الجنوب ليس جغرافيا بعيدة، بل هو مرآة الرّوح الجزائرية العميقة.
- لقد كان وجودنا في أدرار تكريما للقائزين في مسابقة زرزور لقصة الطفل بحكم كنت ساعتها رئيسا للجنة التحكيم بمساعدة كل من الأستاذين الدكتور سليمان قراري والأستاذة الدكتورة حورية بكوش ،وللأسف قد غابا عن الحضور لظروف السفر خارج المدينة ،لقد كان الإحتقاء رائعا
- القصة تنمو في حضن الصحراء... حين تحكم الأطفال بقلب الكاتب
ومن أجمل مفاجآت هذه الرحلة، كانت مسابقة القصة القصيرة للأطفال، تلك الفعالية التي أعدّها الأحبة بعناية، وجعلوا منها مساحة خضراء تنبت في قلب ،حيث عشنا مع نصوص الأطفال لحظات من الدهشة الصافية؛ نصوص صغيرة في حجمها، لكنّها واسعة في خيال أصحابها من المشاركين كصحراء أدرار ذاتها.
- كان مشهد توزيع الجوائز مؤثراً للغاية. الأطفال بعيونهم اللاّمعة، وآباؤهم الذين ينظرون إليهم بفخر، جعلونا ندرك أن الكتابة في الجنوب ليست ترفاً، بل فعل بقاء. كان الاحتفاء رائعاً، ليس فقط بالنّصوص، بل بتلك الأرواح الصغيرة التي تحمل بذور الحكايات القادمة.
وقد زاد من بهاء المناسبة حضور أسماء ثقافية وازنة، مثل الشاعرأحمد بن مهدي والكاتب العقيد دحو، والأستاذ الشاعرعبد القادر عبيد، والشاعر أحمد نيكلو، وغيرهم من الأسماء التي تصنع من الثقافة جسرًا بين الأجيال. وبينما كنت أتلقى التهاني من الأصدقاء، تمنيت لو تسنّت لي فرصة اللقاء مع الروائي الكبير الحاج الرزهواني، والروائي عبد الله كروم، وغيرهم من المبدعين الذين ظلّوا في ذاكرتي كأسماء كتبت جزءاً من ذاكرة الجنوب،،وتمنيت لو التقيت الرّوائي الحاج الزيواني والرّوائي عبدالله كروم والكاتبة سعاد اعريبي وصديقي عبدالله الملثّم الذي حفزني على كتابة هذه الوقفة الأدبية عن أدرار أشكره كثيرا...وآخرين..
كان ذلك المشهد درساً آخر في معنى أن تكون الثقافة فعلاً شعبياً نابضاً في الشوارع والساحات، وليس مجرد احتفال نخبوي مغلق. فسلام على كلّ أهلنا في جنوب القلب الكبير،وخاصة الأحبة في أدرار..أملي أن تستمرّ تلك المسابق من اجل اكتشاف المزيد من المواهب في عالم الكتابة للطفل.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...