البحث عن الله

يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 11 من سورة الشورى : "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".

ويقول، كذلك، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 4 من سورة الحديد : "هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".

ما يمكن استنتاجُه من هاتين الآيتين، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، موجود في كل زمان ومكان (...وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ…) omniprésent وأنه لا يشبه أياً من الموجودات لا المادية ولا المعنوية (...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…). انطلاقاً من هذه الاعتبارات، السؤال المنطقي الذي يفرض نفسَه علينا، هنا، هو : "كيف يمكن البحثُ عن الله وهو موجودٌ معنا في كل زمانٍ ومكانّ، وفي نفس الوقت، لا يُشبِه أيَّ شيءٍ مما يعرفه البشر؟

جواباُ على هذا السؤال الأخير، سأستعين بما قالَه، سبحانه وتعالى،في الآية رقم 7 من سورة السجدة التي نصُّها : "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ". وهنا أُذكِّر بأن هذه الآية الكريمة، سبق أن كانت عنواناً لمقالةٍ نشرتُها، في جزئين، على منصَّة الأنطولوجيا خلال شهر إبريل 2025.

فعندما يقول، سبحانه وتعالى، "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ…"، فالأمر لا يتعلق، فقط وحصرياً، بشكل أو المظهر الخارجي للشيءِ المخلوق. بل الأمر يتعلَّق بالشكل، ولكن، كذلك، بانسجام وقدرة الشيءِ المخلوقِ على التساكُن مع الكائنات أو المخلوقات (الأشياء) الأخرى، حية كانت أو غير حية.

ففِِعلُ "أحسن" لا يجب حصرُه في العطاء والكرم والجود والتَّصدًّق… بل يجب إدراكُه بمفهوم انسِِجام الشيء المخلوق مع جميع ظروف المكان الذي وُجِدَ أو يُوجَد فيه. وهذا يعني أن الشيءَ المخلوقَ له ما يكفي من الخاصيات les propriétés لينسجِمَ مع المكان ومع ظروفه.

وهذا الانسجام هو ما بيَّنه العلم الحديث وسمَّاه التَّكيُّف l'adaptation، وخصوصا، بالنسبة للكائنات الحية. والتَّكيُّف هو الانسجام الذي يحدث بين خاصيات الكائن الحي المخلوف وخاصيات المكان (الوسط) الذي يعيش فيه. أو بعبارة أخرى، التكيُّفُ هو التَّجاوب الذي يحصُل بين خاصيات الشيء المخلوق وخاصيات المكان الذي يوجد فيه هذا الشيء المخلوق.

ففي هذا الانسجام أو التجاوب أو التناسق أو التناغم أو التلاؤم، من الأفضل أن يُبحثَ عن الله. لماذا؟ لأن هذا الانسجامَ ليس عشوائيا arbitraire أو أمطرته السماء صُدفةً est tombé du ciel par hasard أو استيقظ الناسُ من النوم و وجدوه أمامهم… بمعنى أنه، لا بدَّ أن يوجد وراءه مُنتِجٌ producteur، خالِقٌ créateur، مُبدِع innovateur… وهذا الانسِجام هو الذي أشار إليه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 7 من سورة السجدة حين قال : "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ…"

نعم وبكلِّ تأكيد، الله، سبحانه وتعالى، موجود معنا في كل مكانٍ وزمان omniprésent. و وُجودُه يتجلَّى دون أن يُرى في الانسجام أو التجاوب أو التناسق أو التناغم أو التلاؤم، المُشار إليهم أعلاه.

ولهذا، تعمَّدتُ إعطاءَ هذا العنوان لهذه المقالة، ليس لأنني لا أومِن بوجوده معنا. لا أبدا! ليس هذا هو قصدي. ما أقصد بهذا العنوان، هو أنني أريدُ أن أبحثَ عن الله، سبحانه وتعالى، في دقة خلقِه للكون l'univers وفي دقة مخلوقاته ses créatures وفي دقة تسيير fonctionnement وتدبير la gestion هذا الكون.

بالنسبة لدقة الكون، العلم الحديثُ بيَّنَ ولا يزال يُبيِّن لنا بأن عددَ المجرات le nombre de galaxies يفوق 2000 مليار مجرة، أي 2 متبوعة باثني عشر صفرٍ. وكل مجرة تتألَّف من ملايير النجوم. فكيف لإلهٍ أن يسيِّرَ بدقة خيالية هذا العددَ الخيالي من المجرات والنجوم؟

يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 65 من سورة الحج : "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ".

في هذه الآية الكريمة، يقول، عزَّ وحلَّ : "...وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ…". والسماء هي التي تضمُّ المجرات، والمجرات تضمُّ النجوم. وفي نهاية المطاف، الله، سبحانه وتعالى، يُمسِكُ هذه النجومَ مستقرَّةً في أماكِنِها كي لا تصطدِم بالأرض، وتقع الكارثة. كيف يتمُّ هذا الإمساك؟

هذا الإمساك ليس عشوائيا أو يحدث بالصُّدفة. بل عادةً، الأجسام أو الأجرامُ السماوية les astres célestes تصدر عنها قوَّةٌ فيزيائية une force physique تسمى الجاذبية la gravitation. بمعنى أن أي جِرم سماوي له القدرة على جذب الأشياء المحيطة به، كما هو الشأن بين الأرض والقمر. لكن لا الأرض جذبت القمر والا القمر جذب الأرض. لماذا؟

لأن هناك توازنٌ بين جاذبية الأرض وجاذبية القمر، وبالتالي، كل جِرم يبقى في مكانه إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومَن/ما عليها أو يختفي. وبما أن نجومَ المجرات، هي أجرامُ سماوية من نوع خاص، فبقاءُها في أماكنها راجِعٌ إلى التَّوازن القائم بين جاذبياتِها l'équilibre établi entre leurs forces de gravitation.

ففي هذا التوازن الذي يُفرَض على نجوم المجرات لتبقى أو لتستقرَّ في أماكنِها، ،أنا شخصياً أبحثُ عن الله. لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يحدثَ هذا التوازن صدفةً، علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، قادر على فكِّ أو تفكبك هذا التوازن، إن أراد ذلك. لكنه، رأفةً ورحمةً بعياده، لم يفعل ("...إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ"). هذا هو الانسجام الذي تحدًّدثُ عنه أعلاه. وهذا هو مضمونُ الجزء الأول من الآية الكريمة رقم 7 من سورة السجدة "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ…"

وفي الختام، إذا أردنا أن نبحث عن الله، أول شيءٍ يجب القيامُ به، هو أن نعتبرَ اللهَ، سبحانه وتعالى، قوة خارِقة للعادة غير ملموسة بالحواس البشرية une puissance hors du commun et imperceptible par les sens humains. ثانيا، أن نعتبرَ هذه القوة فريدة من نوعِها unique en son genre، و لا يمكن تشبيهُها بالأشياء التي يعرفها البشر on ne peut la comparer à toutes les choses que connaît l'être humain. ثالثاً، أن نعتبرَ كلَّ تقدّم حصل في مختلف مجالات إنتاج المعرفة، تدعيما لوجود هذه القوة الخارقة للعادة considérer tout progrès survenu dans les différents domaines de production des connaissances comme un soutien à l'existence de cette puissance hors du commun. بمعنى أن كل تقدم يحصل في مجال إنتاج المعرفة هو فضلٌ من الله وتقويةٌ لوجوده ولوحدانيتِه son unicité.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...