عبدالرحيم التدلاوي - عمق المعنى وجمال التشكيل، قراءة في مجموعة "صنائع من نوبة عراق العجب" للمهدي نقوس.

الأدب في رؤية المهدي نقوس كائن حيّ يصرخ من بين السطور، ينبض بروح الواقع الإنساني بكل تناقضاته الساحرة والدامية، ويقدّم رؤى مغايرة للوجود من خلال سرديات تروي الحكاية لتُفكّكها وتعيد تشكيلها، حتى يلمس القارئ نبض الحقيقة من تحت جلد اللغة. في هذا الكون الإبداعي المتوتر، تشع "صنائع من نوبة عراق العجب – متواليات قصصية" ككناشة خارجة من الحواف، لا تتوسل الترتيب ولا تتكئ على هندسة كلاسيكية، بل تشتغل على الهامش لتكشف عمق المركز المهترئ. إنها كناشة تكتب بالمداد والندم، وتدوّن الحكايات المتوارية خلف الحكايات، حيث تتشابك الخيوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية في نسيج حكائي متشظٍّ، صوته متشظٍّ مثل زمنه.
يغوص هذا العمل الجريء في أعماق النفس البشرية من جهة، وفي تلافيف الاجتماع البشري من جهة أخرى، وهو لا يكتفي بوصف الخراب، بل يُشير إليه كقوة منظمة، مؤسسة، ومدعومة. الفقر ليس عرضًا، بل نظام. إنه، كما يرد في واحدة من صور النص المجازية الباهرة، "جبار مارد بشجرة قرون متفرعة فروعها ذاتك وجذورها أجداد أجدادك" (ص.10)، أي أن الفقر لا يُورث المال فقط، بل يُورث الخوف، والخنوع، والانكسار المعمم. بهذا المعنى، كل الشخصيات التي تمشي على الأرض في هذه المتواليات، تسير مثقلة بأعباء الماضي، لا كخلفية، بل كجهاز تدمير ذاتي يعمل بهدوء.
ورغم أن صوت حقوق الإنسان يعلو في المنابر، إلا أن الشخصيات هنا تعيش واقعًا يُختنق فيه حتى الهواء. الفقر في هذه النصوص ليس مجرد غياب للثروة، بل هو عطب في المعنى. وفي تفصيلة مثل مقارنة أسعار اللحوم بين زمنين (ص.5)، نقرأ الفكرة لا كمعلومة، بل كإدانة اجتماعية صامتة. فحتى تفاصيل الطعام تتحول إلى لغة تفضح بنية الظلم، ويصير الخبز نفسه مشبوهاً. ومن عمق هذه المفارقة تنبع واحدة من أكثر العبارات نحتًا وسخرية: "الخبز لا يسمن ولا يغني من جوع... وحدها الحرية التي تسمن وتغني عن كل جوع" (ص.11)، لتربط الحرية لا بالشعارات، بل بالعيش اليومي، ولتفضح الأنظمة التي تمنع عنك الهواء، ثم تهبك النشيد الوطني.



إن الكناشة لا تخفي انحيازها؛ هي من البداية نص منحاز إلى المطحونين، وتستخدم السخرية لا كلعب بلاغي بل كسلاح رمزي. حين يصف الكاتب المؤتمرات العربية بالـ"هراء"، والجامعة العربية بالـ"عراء"، والحدود بـ"الخراء" (ص.14)، فهو لا يشتم، بل يعيد تسمية العالم وفقًا لتجربة من هم تحته. وفي هذا المستوى، يتجاوز العمل توصيف المأساة، ليصل إلى نزع الشرعية عن الأنساق الخطابية التي تحرسها. فالمؤسسات، مهما ادعت تمثيل الشعوب، هي هنا جزء من العطب، إن لم تكن صانعته.
ويأتي مشهد "عباس"، الشخصية المحورية الرمزية، كذروة لهذا المنحنى التراجيدي. هو ليس مجرد شاب يغرق في البحر، بل رمز وجودي لإنسان سُحق في بلده، ولم يجد في الضفة الأخرى سوى الغرق. وعبوره، كما يُصوَّر، ليس هروبًا فقط، بل احتجاجًا صامتًا. "طفحت همومنا حتى عجزنا عن حملها..." (ص.42)، عبارة تلخص ثقل الهمّ المتوارث، الذي لا يُحمل بل يُغرق صاحبه. البحر، في المتخيل العربي، ظلّ دائمًا مرآةً للخلاص، لكنه هنا يتحول إلى مقبرة مفتوحة، إلى ضفة يأس إضافية.
ويُكمل الكاتب هذا الفضح عبر مشاهد تُظهر توحش القمع المنظم، كما في الإشارة الصارخة إلى "الكلاب المدربة على قمع مظاهرات الطلبة وثورات الجوع وإضرابات الشغيلة والكادحين" (ص.13). هنا، لا يتحدث عن الاستبداد كمفهوم، بل كجهاز يُدرّب ويُنفق عليه لحراسة الظلم. القمع ليس انفعالًا، بل وظيفة. والنص يُحيل القارئ إلى هذه الحقيقة من دون وعظ، بل من خلال تصوير مؤلم للمألوف اليومي حين يصبح عاديًا إلى حدّ الفجيعة.
أما من الناحية الفنية، فإن "صنائع من نوبة عراق العجب" تُدهش القارئ ببنيتها التي ترفض أن تُختزل في قصة تقليدية، بل هي فسيفساء حكائية تتكامل وتتفكك في آن. كل قصة تضيء الأخرى، كما تفعل الشظايا حين تلمع في حريق واحد. والصوت السردي ليس صوتًا واحدًا، بل مجموعة أصوات، بعضها داخلي، بعضها غنائي، وبعضها جاف كبيان قضائي. واللغة لا تكتفي بالإبلاغ، بل تقود إحساسًا كاملًا. نقرأ عن "دموع سوداء مرة الطعم" (ص.10)، وعن "ألوان اليأس باهتة كالذاكرة المعتمرة بالأوهام" (ص.12)، فتتجاوز الصورة الشعور، لتُصبح تجربة حسية كاملة.
وتبلغ الصور الشعرية ذروتها حين يُنسب الفعل الحسي للجمادات، فـ"الريح تمسد أهداب الموج" (ص.31)، في مشهدية شعرية تستعيد الطبيعة كطرف حزين في ملهاة الإنسان. هذه الصور ليست فقط أدوات للتزيين، بل وسيلة لتوسيع المعنى، لأن الموج حين يُمسَد لا يبقى مجرد ماء، بل يصير جسدًا يرتعش.
في كل هذا، لا ينسى النص أن يجرّ القارئ إلى مأزقه الخاص. فهو لا يقول فقط إن العالم سيء، بل يُلمّح بأنك جزء منه. فهل تراك صامتًا؟ متواطئًا؟ عابرًا على جثث الآخرين وأنت تشرب شايك؟ هذه الأسئلة تتسلل دون أن تُقال، وتتراكم حتى نهاية النص حيث يتركنا الكاتب في ذروة الوجع، لا بصفارة إنذار بل بصدى لا ينتهي.
إن "صنائع من نوبة عراق العجب" هي تأريخً أدبيً لمأساة اجتماعية، وفي الوقت نفسه هي فعل مقاومة فنية ضد التبسيط والتواطؤ والنسيان. لقد نجح المهدي نقوس في صنع عمل نادر، يُشبه مرايا محطمة، يرى فيها القارئ وجهه ووجوه الذين تركهم خلفه. عملٌ لا يتوسل التعاطف، بل يربك الضمير. يُخاطب القارئ لا كمستهلك، بل كشاهد. وكما في أكثر الأعمال الأدبية إضاءة، فإنك بعد قراءته لا تعود كما كنت.
**
اعتمدت على النسخة الإلكترونية التي أنجزها السي عبد الله فراجي والتي ظلت قابعة بملفي زمنا، وجاء وقت الاشتباك معها، فكانت المقالة أعلاه.
والملاحظ أن النسخة الورقية مغايرة نسبيا للنسخة التي بين يدي حتى من حيث العنوان. لذا، وجب التنبيه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...