د. نجاح بن زائد - أينما تولّوا وجوهكم فثمّ مهاجر...

الهجرة هي الهجرة، منذ أن لملمت قبائل البدو الرحّل خيامها، وتبعت أثر السحاب بحثًا عن الماء والكلأ؛ هي ذاتها، وإن تبدّلت الأسماء وتغيّرت الجهات. ولعلّها سنّة الله في الأرض أن يكدح الإنسان في أصقاعها لاجئًا، عابرًا، أو مطرودًا.
في مضاربنا، لا تدلّ الطرق على اتجاهٍ واحد؛ فالهجرة ليست من وادٍ إلى وادٍ، بل هجرة من، وإلى، وفي كل الاتجاهات.
مهاجرون من كل فج قبَلي: من غامبيا إلى البنغال، ومن السنغال إلى الهند، ومن السودان إلى مجاهل النيجر، كلّهم تحت خيمة واحدة.
تفتح باب بيتك، تجد مهاجر.. تغضّ بصرك، ترى مهاجر. تغمض عينك، تحلم بمهاجر. أينما ولّيت وجهك، فثمّ مهاجر.
تحت شجرةٍ لا تُثمر إلا البلايا، تنتصب خيمة الحاج صعلوك، من جماعة (شبشب الصُبُع والقِنّب). بضاعته تأتي بقوافل من مضارب الحشّاشين، ويتكدّس عنده المهاجرون: منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، ومنهم من أصبح عينه التي ترى، ويده التي تبطش. لا أحد يسأله عن مصدر رزقه، ولا عن جنس البضاعة، فالجميع يعرف: من يملك المهاجرين، يملك الساحة.
في خيمة أخرى مجاورة، تجتمع النبيلات يتجاذبن أطراف الحديث. تشتكي إحداهنّ أن الشوغالة المهاجرة لا تُحسن غزل النول. وتردّ أخرى، بعد أن تعدّل جلستها على أريكةٍ من جلد النعاج: ماذا أقول أنا، وقد رأيتها بأمّ عيني تشرب من نفس الجرّة التي( أردّ )منها الماء؟
تبادر نبيلة أخرى، يبدو أنّها تلقت تعليمًا يتجاوز مفصل الركبة، وتحلّ المشكلة من زاوية تكنولوجية: سأعتق الشوغالة عندما يصل حسابي على الإنستغرام إلى ألف متابع.
أمّا الحاج صعلوك، فقد كان يروي في إحدى سهراته قصة عن قبيلة قضاعة* — تلك التي خلعت نسبها كما يخلع التعبان جلده، وتاهت بين العرب والعجم. بينما يقسم أمام الخيمة أشعث أغبر، مدفوعٌ بالخيبات
ورب محمد نحتاج أن نخلع هذا النسب الثقيل، قبل أن نموت على يد مهاجر.


* قضاعة: قبيلة عربية قديمة، اختلف المؤرخون في نسبها، فقيل إنها من عدنان وقيل من قحطان، واشتهرت بأنها "خلعت نسبها" لاختلاف نسبها بين العرب، ما جعلها رمزًا للتيه والانفصال عن الجذور.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...