نَصَبَ من حولها شِراكَ الوهمِ باسمِ الحُب. صدَّقته التلميذة ابنة السادسة عشر بقلبٍ غَض، تعلَّقت به. دعاها إلى "الدَّرسٍ"... هذه المرة ليس في "السِنتر" وإنما في شقته، ابتسمَت ودخلَت… جلسَت. تَقدَّم. مَدَّ يده. راح يتحسس ما لا يجوز أن يُمَس. قاومَت. طرحها على الأريكة. جثَم فوقها. استطاعت أن تفلت. غادرَت.
هكذا بدت الأوراق متساندة، شكاية الأبوين، ورواية التلميذة، وصورٌ مُستنسخة من مُراسلات "واتساب" يغلب عليها عتابٌ صريح من جانبها: "لماذا فعلتَ هذا يا أستاذ؟!". وتحريات سايرَت كل هذا.
جناية هتك عرض قاصر بالقوة ممن له سلطة عليها. على الظاهر مالت عقيدتنا أول الأمر إلى معاقبته بالإعدام، فلا يستقيمُ لقاضٍ أن تأخذه رأفة مع جريمة يُستغلُّ فيها نفوذ التعليم ويُلوَّثُ بها وجدان المجتمع.
بعد سماع المرافعة، خلَونا إلى المداولة، قلَّبتُ صُور المراسلات مرَّةً أخرى. لا جديد... حتى وقعَت عيني على صفحة مُهملة تحمل كلمة واحدة بلا سياق ظاهر: " صباحووو".
كلمة قصيرة بنبرة حميمية لا رسمية. نبَّهتُ زملائي إلى هذه التفصيلة، فرأينا استدعاء التلميذة لمناقشتها.
حضرت ومعها هاتفها، تبين أنَّ الرسائل لم تُمحَ. ظهر التسلسل على النحو التالي: من رقمه إلى رقمها فجر يوم الواقعة: تأكيدٌ للموعد واللقاء. رَدٌّ منها: "صباحووو". يليها: "صباح الهنا... جاهزة".
وبعد علم ذويها بما جرى، رسالة منه: "امسحي الشات" ثم تَبدَّلَ خطابُها إلى عتاب. حاصرتُها بالرسائل وبتسلسلها. سالت دمعة على خدِّها وقالت الحقيقة:
المدرّس شاب عُرفَ بوسامته وحُسن شرحِه. أفردها بعناية وكلام لطيف، جعلها تظن أنها "استثناء". استجابت عاطفيا ودخلت عالم المراسلة الدافئة من باب الثقة، ثم لبَّت دعوته، ووقعت التجاوزات الأولى برضاها حتى حدود "لا يجب أن تُمس" قبل أن ينتفض قلبها ويقطع اتصال أمها اللحظة فتهم بالمغادرة.
وبعد انكشاف الأمر، نسجَت الروايةَ على أنَّ ما وقع كان غَصبًا محضًا، خشيةَ الفضيحة وغضب الأهل. هكذا ثبُت باعترافها، لا بتكهُّنٍ منّا.
رسالة من كلمة واحدة، أثبت أنَّ الإكراه لم يكن تامًّا من بدايته، وثمَّة موعدٌ رضائيٌ سبقَ ما ادُّعي من عنف، ثم تبدّل الموقفُ لاحقًا تحت ضغط الأسرة والمجتمع.
عليه، لم تسقِط الإدانة؛ بل أدين المدرّس عن أفعالٍ ثابتةٍ، غير أن العقوبة نزلت من حدّها الأقصى الذي كان يلوح أوّلًا إلى الحبس سنتين؛ صونًا لمبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب.
تفصيلةٌ واحدة - كلمة «صباحووو» على ظهر ورقةٍ مهمَلة -قلبَت مسارَ حكمٍ كان يتَّجه إلى الإعدام؛ لأنّ الله يكتب العدلَ بأدقّ الأقلام، ويجعل من أصغر الحروفِ حُجّةً إذا شاء. التفاصيلُ تُصوِّب الميزان، وأصغرُها قد يكون أصدقها حين يلتقطها قلبٌ يَستحضرُ رقابةَ السماء.
كلمةٌ، ساقها اللّطيفُ على صفحةٍ مَنسيَّة، وسخَّر البَصرَ ليلتفتَ إليها في اللحظة التي قدَّرها هو، لتُخرج من قلب الزحام دليلاً لا يضِلُّ. كأنّ يدًا رحيمةً أمسكت بكفِّنا في المداولة لتقول: هنا يقف الميزان.
فابحث عن الله الذي كان فوقَ القلوب قبل المقاعد، يُذكِّرنا أنَّ العدل في الأرض ظُِلٌّ من عدل السماء، وأنّ «وما يعلمُ جنودَ ربّك إلّا هو»؛ يصنع منها دليلًا في ورقةٍ مُهملة، ويجعلها مفتاحًا يُغلق بابَ الغُلوِّ ويفتح بابَ الإنصاف. فإذا جاءت الإشارة - ولو في حرفٍ يتيم - نهض الميزان إلى موضعه الصحيح.
هكذا بدت الأوراق متساندة، شكاية الأبوين، ورواية التلميذة، وصورٌ مُستنسخة من مُراسلات "واتساب" يغلب عليها عتابٌ صريح من جانبها: "لماذا فعلتَ هذا يا أستاذ؟!". وتحريات سايرَت كل هذا.
جناية هتك عرض قاصر بالقوة ممن له سلطة عليها. على الظاهر مالت عقيدتنا أول الأمر إلى معاقبته بالإعدام، فلا يستقيمُ لقاضٍ أن تأخذه رأفة مع جريمة يُستغلُّ فيها نفوذ التعليم ويُلوَّثُ بها وجدان المجتمع.
بعد سماع المرافعة، خلَونا إلى المداولة، قلَّبتُ صُور المراسلات مرَّةً أخرى. لا جديد... حتى وقعَت عيني على صفحة مُهملة تحمل كلمة واحدة بلا سياق ظاهر: " صباحووو".
كلمة قصيرة بنبرة حميمية لا رسمية. نبَّهتُ زملائي إلى هذه التفصيلة، فرأينا استدعاء التلميذة لمناقشتها.
حضرت ومعها هاتفها، تبين أنَّ الرسائل لم تُمحَ. ظهر التسلسل على النحو التالي: من رقمه إلى رقمها فجر يوم الواقعة: تأكيدٌ للموعد واللقاء. رَدٌّ منها: "صباحووو". يليها: "صباح الهنا... جاهزة".
وبعد علم ذويها بما جرى، رسالة منه: "امسحي الشات" ثم تَبدَّلَ خطابُها إلى عتاب. حاصرتُها بالرسائل وبتسلسلها. سالت دمعة على خدِّها وقالت الحقيقة:
المدرّس شاب عُرفَ بوسامته وحُسن شرحِه. أفردها بعناية وكلام لطيف، جعلها تظن أنها "استثناء". استجابت عاطفيا ودخلت عالم المراسلة الدافئة من باب الثقة، ثم لبَّت دعوته، ووقعت التجاوزات الأولى برضاها حتى حدود "لا يجب أن تُمس" قبل أن ينتفض قلبها ويقطع اتصال أمها اللحظة فتهم بالمغادرة.
وبعد انكشاف الأمر، نسجَت الروايةَ على أنَّ ما وقع كان غَصبًا محضًا، خشيةَ الفضيحة وغضب الأهل. هكذا ثبُت باعترافها، لا بتكهُّنٍ منّا.
رسالة من كلمة واحدة، أثبت أنَّ الإكراه لم يكن تامًّا من بدايته، وثمَّة موعدٌ رضائيٌ سبقَ ما ادُّعي من عنف، ثم تبدّل الموقفُ لاحقًا تحت ضغط الأسرة والمجتمع.
عليه، لم تسقِط الإدانة؛ بل أدين المدرّس عن أفعالٍ ثابتةٍ، غير أن العقوبة نزلت من حدّها الأقصى الذي كان يلوح أوّلًا إلى الحبس سنتين؛ صونًا لمبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب.
تفصيلةٌ واحدة - كلمة «صباحووو» على ظهر ورقةٍ مهمَلة -قلبَت مسارَ حكمٍ كان يتَّجه إلى الإعدام؛ لأنّ الله يكتب العدلَ بأدقّ الأقلام، ويجعل من أصغر الحروفِ حُجّةً إذا شاء. التفاصيلُ تُصوِّب الميزان، وأصغرُها قد يكون أصدقها حين يلتقطها قلبٌ يَستحضرُ رقابةَ السماء.
كلمةٌ، ساقها اللّطيفُ على صفحةٍ مَنسيَّة، وسخَّر البَصرَ ليلتفتَ إليها في اللحظة التي قدَّرها هو، لتُخرج من قلب الزحام دليلاً لا يضِلُّ. كأنّ يدًا رحيمةً أمسكت بكفِّنا في المداولة لتقول: هنا يقف الميزان.
فابحث عن الله الذي كان فوقَ القلوب قبل المقاعد، يُذكِّرنا أنَّ العدل في الأرض ظُِلٌّ من عدل السماء، وأنّ «وما يعلمُ جنودَ ربّك إلّا هو»؛ يصنع منها دليلًا في ورقةٍ مُهملة، ويجعلها مفتاحًا يُغلق بابَ الغُلوِّ ويفتح بابَ الإنصاف. فإذا جاءت الإشارة - ولو في حرفٍ يتيم - نهض الميزان إلى موضعه الصحيح.